هذا مقطع فيديو ليوتيوبر مغربي (*) وهو بباكستان، أقبل هكذا مباشرة يكلم فتيات لا يعرفهن، مما أغضب رجلا من الموجودين، إذ كيف يسمح غريب لنفسه أن يكلم فتاة من دون محارمها
الحقيقة أن الكثيرين الان سيستغربون من تصرف الباكستاني، ولعلهم سيستغربون من توقفي عند الفيديو أصلا
موقف الرجل أثار نقطتين:
أولا، أنه لا يجوز لرجل أن يكلم امرأة من دون محارمها إلا في أمر استثنائي
ثانيًا، أن الرجل عليه أن يَغير على محارمه، والمحارم تشمل أي امرأة مما يليك أمام الأجنبي، فالمرأة المسلمة، أيّا كانت، هي حرمتك أمام غير المسلم، والمرأة بنت منطقتك حرمتك أمام الغريب، وهكذا
ما يجب أن نقوله هو أن موقف الباكستاني ليس غريبا في حقيقته عن التونسيين، أو لنقل بدقة، لم يكن غريبا عنهم، لأن هذا السلوك كان هو الموقف الطبيعي لدى التونسيين منذ فترة ليست بالبعيدة، ولعل بعض المناطق الداخلية وفي جهات الجنوب ما زالت تمارسه وتراه الوضع التلقائي، حيث يغيرون على نسائهم، وتأنف نساؤهم عن مخاطبة الرجل الغريب، ويترفع رجالهم عن الحديث مع النسوة ويرونه منقصا للمروءة
--------
لكن حصلت تغييرات عميقة لدى التونسيين طيلة عقود ما بعد تكوّن تونس الحديثة، أثرت جذريا في تصوراتهم وغيرت معاني المفاهيم لديهم
تعرض التونسيون طيلة عقود لمسار تحويل ذهني عميق أمّنته أجهزة الدولة الوظيفية الملحقة بالمركزية الغربية، ومنظومات التشكيل الذهني بدوائرها الثلاث، وهي التعليم والتثقيف والإعلام
وهو مسار يتوزع على ثلاث مراحل، وهي القصف الذهني، ثم الاقتلاع الذهني، ثم الإلحاق الذهني بالنموذجية الغربية ومفاهيمها وتصوراتها، وهو ما حصل بنسبة كبيرة لدى عموم التونسيين الان، ومصداقه تبنيهم المفاهيم الغربية حول المرأة والأسرة وما يجوز وما لا يجوز، واستساغتهم تحوّل المجال العام لفضاء يسوده التهتك النسوي من لباس وسلوكيات منحرفة، بل ان بعضهم يوافق على الانحرافات في أسرته ويدافع عن تهتك زوجته وابنته في المجال العام
لقد كانت المسلسلات التلفزية وبرامج تلفزة الواقع، التي بدأ بثها بتركيز شديد منذ التسعينيات، ثم تنوعت وتوسعت بعد الألفية، وما زال يعاد بثها، تكفلت وأمّنت مهام خطيرة في مسار تشويش المفاهيم والتشكيك في المسلمات الأخلاقية والتطبيع مع الفاحشة وأهلها، من خلال ترويجها وتهوينها
وتكفلت منظومات المهرجانات والملصقات الإشهارية التي تستحوذ على المجال العام بدور المساند لترسيخ مسار التحويل الذهني، وغلق وصد إمكانية التردد وبوادر نشوء وعي رافض لمسار التحويل القسري الذي يستهدف التونسيين دون توقف منذ عقود
وقد انتهى كل ذلك إلى حالة التيه الأخلاقي والذهني التي يعيشها التونسيون، وتحولهم إلى عينات مشابهة لهذا المغربي المتطفّل على نساء الغير
--------------
(*) للتركيز في الفكرة، يجب تجاوز جنسية اليوتيوبر وعدم التوقف عندها؛ لأنه يمكن أن يكون أيضا بجدارة تونسيا أو جزائريا، وما أكثر المتطفلين مثل هذا من قليلي التربية، لدينا في تونس
سلوك مثالي كاد يندثر لدينا في تونس
2026-08-19
238 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال