عرب الـ 48.. فلسطينيّو الداخل.. ثالث ثلاثيّ ساحات المقاومة على الأراضي الفلسطينيّة وأضعفها، حتّى في صورة نزع سلاح المقاومة في غــزّة. يمثّلون بما يفوق مليونَي نسمة أزيد من خمس سكّان الأراضي المحتلّة، أو أدنى بقليل إذا طرحنا منهم الدروز. لكن يكاد الاحتلال الإسرائيليّ لم يترك فيهم شيئًا وازنًا ومؤثّرًا باستثناء العدد.
سياسات الميز همّشتهم اقتصاديًّا وأسكنت قرابة نصفهم مربّع الفقر وسدسهم حال البطالة وأزيد من 60 منهم انعدام الأمن الغذائي (ضِعفَ النسبة لدى اليهود في كلّ هذه الحالات) إضافة إلى تدنّي أجرهم ودخلهم مقارنة باليهود، وقد زاد كربهم بحملة المقاطع الاقتصاديّة من اليهود ضدّهم إبّان طوفان الأقصى (فيما عندنا نجد من لا يؤمن بجدوى المقاطعة). هذا علاوة على استنباط سبل الاستحواذ على أراضيهم وممتلكاتهم. كما ينهج الاحتلال سياسة تعليميّة وثقافيّة هادفة لتشويه هويّتهم وترهيل عقيدتهم وبثّ الفرقة بينهم (كما الاحتلال المحلّي في بلداننا).
جنسيّتهم الإسرائيليّة لا تكفل لهم نفس الحقوق، فالواقع غير الورق. وضعهم الأقلّي وضعفهم الاقتصادي والهويّاتيّ لم يجعل الاحتلال يُغفِل ضرورة التضييق على نشاطهم السياسيّ والفكريّ والمدنيّ. حراكهم الاحتجاجيّ يقابل دائمًا – وفي بداياته – بالترهيب الأمنيّ عبر الإفراط في استخدام العنف وإطلاق الرصاص الحيّ دون أيّ موجب، بما أدّى في حالات عديدة إلى قتلى لا ديّة لهم.
هذا حال الساحة الأضعف المُلامة على عدم التحرّك نصرةً لغــزّة أو الضفّة. ولعلّ القارئ يجد أوجه شبه بين جور الاحتلال الاسرائيليّ تجاه فلسطينيّي الداخل وما تعانيه الشعوب العربيّة تحت نير أنظمتهما الاستبداديّة أو أنظمة الاحتلال المحلّي، وإن كانت دون كرب فلسطينيي 48. وريّما سيجد كذلك شيئًا تقاسيم مجتمع بلده مشوّه الهويّة إذ يقرأ السطور العميقة التالية التي اخترتها من الكتاب المهم لـ 'ناثان ثرال'، 'يوم في حياة عابد سلامة، تشريح مأساة القدس'، وإنّه – وإن يحزّ في النفس قولها –يصوّر شرخ الهويّة، أحد علل ضعف درجة تفاعل فلسطينيّي الداخل مع مأساة غــزّة.
(تعريبي):
«...اعتقَدوا أنّ (عابد) صار قليل التردّد عليهم لما يلقى من عراقيل في الدّخول إلى إسرائيل، وهذا صحيح لكن جزئيًّا. كان كذلك يحاول مجانبة شعوره بالذنب. أضحى الاستمرار في هذا الوضع السخيف مع (جميلة) جدّ مؤلم له بمرور الوقت، وصار غضّ الطرف عن فوارقهما الاجتماعية والسياسيّة من العسر بمكان.
كان (عابد) يحترم عائلة (جميلة)، لكنّه لم يستسغ نمط عيش فلسطينيّي الـ 48. حياتهم الاجتماعيّة وعاداتهم واللكنة العبريّة في كلامهم. كانوا جدّ شبيهين بالإسرائيليّين، حتّى في منطقة مثل (كفر كنا) التي اعتبرها (عابد) أقلّ فسادًا من باقي بلدات فلسطينيّي الـ 48. حصل ذات مرّة إذ كان في الطريق إلى (طبريّة) رفقة (جميلة) أن أشارت إلى بدلة بزّة جنديّ وقالت إنّها تبدو ظريفة.
"ظريفة؟" لم يصدّق (عابد) أذنيه. "تبدو ظريفة؟ تلك هي البزّة التي تطلق علينا الرصاص في الضفّة الغربيّة."
"أنا آسفة." أجابت. "لم أقصد ذلك."
"أنتِ فلسطينيّة." قال لها. "لا يجب أن تتحدّثي على هذا النحو." ».
__
وهنا عزيزي القارئ تذكّر كم حالة مرّت بك في بلدك قلت لها أو وددت القول: "أنت عربي/مسلم لا يجب أن تتحدّث/تتصرّف على هذا النحو"
نظرة على محنة عرب الـ 48.. كيف جعلهم الاحتلال الحلقة الأضعف في معادلة المقاومة
2026-08-16
58 قراءة
مختلفات
عبد المنعم حواس
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال