أرسل لي الصديق العزيز الدكتور عبد الحسين شعبان مقالاً " هل كان ستالين مثقفًا…؟ "، وبهذا العنوان المثير قذف بنا إلى الخمسينات والستينات، إلى بدايات وعينا المبكر في تلك المرحلة الملتهبة عراقيا وعربيا وعالمياً.
في الخمسينات (توفي ستالين آذار/ 1953) افتتح نكيتا خروتشوف(قائد الحزب والدولة السوفيتية، حملة النقد شبه العلني، في المؤتمر العشرون للحزب شباط/1956) وصار ممكناً لأول مرة الحديث بهمس مالبث أن تصاعد في موسكو وتدريجيا في العواصم الاشتراكية، وتواصل النقد ختى بلغ أوجه على يد ميشائيل غورباتشوف الذي ما أن تبوأ منصب القيادة في الحزب والدولة، حتى أطلق سياسة البيروسترويكا (إعادة البناء)، ثم الغلاسنوست (الانفتاح) أبتداء منذ بواكير عهد غورباتشوف 1985 فصاعداً، أصبح فيها انتقاد الستالينية البوابة الأيديولوجية العريضة لأنتقادا أعمق طالت العهد السوفيتي، وسرت تقاليد جديدة من مظاهر الانفتاح والتقرب من الملامح الغربية / الرأسمالية، وكان جثمان ستالين الذي وضع في الموزوليوم محنطاً إلى جانب لينين بعد وفاته، أزبل عام 1961، ودفن في جدار الكرملين كتقليد لتخليد عظماء الاتحاد السوفيتي.
ودون ريب لا يمكن تجاهل حقيقة، أن الحقبة الستالينية سيما تلك التي تراوحت بعد وفاة لينين كانون الثاني/ 1924، حتى قبيل الحرب العالمية الأولى في نهايات الثلاثينات من القرن العشرين. كانت حافلة بكل شيئ من المنجزات المبهرة، إلى أحداث طبعت بطابعها ملامج تلك المرحلة.
قرأت بعمق شديد الأعمال / حالة الحزب بعد رحيل لينين، وركزت على عملين: أولاً والأهم هو كتاب أسحق دويتشر عن ستالين، وهو عمل كبير، ودويتشر البولوني نفسه كاتب كبير، وماركسي لينيني/ ترونسكي، وهو لا يخفي تحيزه التام لتروتسكي، المفكر الروسي/ السوفيتي الكبير، والذي أنشق عن الاتحاد السوفيتي، وأبعد إلى المكسيك وأغتيل هناك بتدبير من المخابرات الروسية آب / 1940، والكتاب الآخر (معاد للأشتراكية لا يمكن الوثوق به بدرجة تامة) الجانب الوثائقي منه يشير إلى الاحداث الدامية فيما أطلق عليه بالتصفيات(محاكمات موسكو)، وطالت أعضاء أساسيين في المكتب السياسي: بوخارين، تروتسكي، زينوفيف، كامنيف، وآخرين أختفوا بظروف مريبة(كيروف/ سكرتير الحزب في لبنبنغراد) وترجح أقرب المعطيات، أن نحو 165 ألف عضو في الحزب تمت تصفيتهم، وأن أعدادا قد تبلغ في بعض التقديرات 1,200 مليون من الحزبيين نسبة كبيرة منهم من القادة، ومن ضباط الجيش الاخمر وقادته. كانوا ضحايا التصفيات، (*)
ولا يمكن نتجاهل نهائياً، أن الحزب بعد رحيل لينين، تعرص للأهتزاز، وهبوب تيارات فكرية أصلاحية وتوفيقية (Reformisten / Compromisten)، وربما هناك نوع من الحنين، إلى الحياة البورجوزاية المترفة، وظهرت تكتلات وخطوط داخل الحزب، تصدى لها ستالين بالقوة، وكان السماح لها لتعشعش، ثم تترسخ، ثم تتسلق صعوداً، مخاطر تحيق بالمشروع الاشتراكي. كما لا يستبعد حدوث مبالغات، وبروز عناصر أنتهازية تريد أن تتسلق وتظهر الولاء بتطرف للقائد ستالين. وبالفعل جرى تطهير مثل هؤلاء العتاصر فيما بعد.
وفي عودة للثيمة الأصلية للصديق د. شعبان عبد الحسين، هل كان ستالين مثقفاً ..؟
في الوصية المنسوبة للينين، أعتبر فيها أن بخارين، وكامنيف وزينوفيف وتروتسكي من فئة المفكرين والمستوعبين للفكر الماركسي اللينيني، مع أحتمال نقص في بعض الموضوعات الفلسفية للماركسية، لدى البعض من هؤلاء القادة الكبار، ولم يأت لنين على ذكر ستالين بينهم، بل وصفه في مكان آخر بالفظ أو الجلف.
وينحدر ستالين من أسرة كادحة(والده اسكافي ووالدته أمية) ولم يتلقى تعليماً ذي بال، ولا يتقن لغات أجنبية، وعاش حياته مناضلاً صدامياً، ولم يكن ليهتم بالثقافة أو الشؤون الثقافية،لذلك لم تكن الثقافة والقضايا الثقافية الميدان المفضل لمواهب القائد المناضل جوزيف ستالين.
وطبيعة شخصية (Karakter) كهذه يستبعد أن يكون لديه خزان معرفي / علمي / ثقافي، ليسترشد به، ولكن صلابة سياسية نضالية، ولذلك تعاملت فكرياً مع ستالين بسلبية، حتى تيسر لي زيارة الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية، وشاهدت المنجزات الاشتراكية الكبيرة، مجتمعات تسودها عدالة اجتماعية، وبشر أحرار يتمتعون بصحة بدنية ونفسية سليمة، وتابعت تفاصيل ومفردات الحرب العالمية الثانية،ونكاد نجزم أن لولا ستالين لما كان هناك الأتحاد السوفيتي، ولا البلدان الاشتراكية، هذه معطيات تؤشر لنا أن ستالين كان قائداً سياسياً فذاً، واستراتيجياً عبقرياً أستطاع بذكاء وحنكة مقارعة أساطين الاستعمار والامبريالية، وأخرجها من حصار سياسي/ اقتصادي صعب، وأن يفرض وجود الاتحاد السوفيتي كقوة عالمية عظمى.
كنت قد قرأت عن مؤتمر طهران (كانون الاول/ 1943)، ومؤتمر يالطا (شباط/ 1945) كما قرأت وترجمت بنفسي كتاب صادر في المانيا، عن تفاصيل مؤتمر بوتسدام، (تموز / 1945) كيف نجح ستالين الكاد أبن الكادح(الاسكافي) أن يقف نداً لتشرشل، وترومان، وينتزع حقوقه وحقوق شعوب أخرى، كحقوق الشعب السوري من الاستعمار الفرنسي.
أخيراً، لستالين مؤلف (أظن أنه الوحيد) يتناول في قضايا حقوق الاقليات القومية، وهو عمل يستحق القراءة والتأمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) جرى خلال العامين 1937-1938 إعدام 98 عضواً في اللجنة المركزية للحزب ومرشحاً لعضويتها المنتخبين في المؤتمر السابع عشر وذلك من أصل 139 عضواً ومرشحاً أي 70% من قيادة الحزب آنذاك.
ستالين، ما له وما عليه
2026-08-15
49 قراءة
مقالات رأي
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال