بادئ ذي بدء، النظام يعني دولة متكاملة دستورياً، وذات سيادة كاملة، ونظام شرعيته ليست موضع تجريح، وقوانين محترمة غير قابلة للأختراق، وينبغي أن تكون الحكومة أول من يحترم الدستور والقوانين. وإذا تواصلنا في تجاهل القواعد الدستورية فسوف نتوصل إلى نتيجة مؤسفة، أن هناك العديد من الأنظمة ليست شرعية، برغم ما تحاول من فرضه على الواقع الموضوعي من تزوير بوسائل القوة المسلحة، بل أن كثير من الانظمة هي بسدة الحكم بفضل أستخدام القوة والعنف الدموي لحمل الآخرين بالاقتناع بها والقبول بها كأمر واقع لا محالة، فهي بالتالي أنظمة غير شرعية، يتعامل معها البعض لمصالح سياسية على أنها شرعية، ولكن الفقه القانوني الدستوري والدولي، يضعها في مصاف الأنظمة غير الشرعية. وهذه الأنظمة الغير شرعية تحتاج قبل كل شيئ إلى تصحيح وضعها.
ولكن دعنا نتحدث أولاً عن الأنظمة الشرعية.
يضع علم السياسة والاجتماع السياسي في مقدمة المبادئ الأساسية ما تعتبر حاجات الإنسان الأساسية، وهي على تنوعها، وتشعبها :
1. ــ السكن.
2. ــ الصحة.
3. ــ الغذاء.
4. ــ التعليم.
5. ــ العمل.
6. ـــ الأمن.
وبديهي أن تحقيق هذه المبادئ الأساسية المتلاحمة المتكاملة، (ابتداء بالدرجات الأساسية) تعني في نهاية المطاف: أمن اجتماعي بمعناه العريض، وأن ينال كل إنسان حقه، وابتداء الحرية والعدل والمساواة. ومن جملة حقوقه ابتداء أن ينال الاحترام، احترام وجوده وكينونته الاجتماعية وحقه في أن يفكر، وأن يعبر عن رأيه بصورة سليمة، وأن يثقف نفسه كما يشاء، وأن يكون له رأيه الشخصي.
والغريب أن العديد من الأنظمة يستحيل أن تقبل بهذه المعطيات، فهي تعتقد أن القبول بها يعني زوال حكمها وهيمنتها وسيطرتها، وهو غير صحيح طبعاً، ولكن إذا استطردنا بالقول أن ذلك يعني نهاية هيمنتها، واستبدادها، وهو الصحيح، وإنهاء فسادها ونهب المال العام دون رقيب أو حسيب، وهو المطلوب، رغم وجود قوانين محاسبة الفاسدين والهيئات النزاهة، وما شابه، ومن يدعي حماية الأخلاق والمثل، ووجود قوانين وأنظمة ودستور وكل مستلزمات التحايل، ولكننا بعيدون عن كل ذلك بعد كوكب المشتري والزهرة عن الأرض. بحيث أصبح الوضع الاجتماعي لعام 1954 حلماً من الاحلام.
النظام الذي لا يستطيع تأمين هذه المهام ليس بنظام، بل هو محض استيلاء على النظام تحت شعارات لا يهم ذكر أسمها طالما هي غير حقيقية وذر للرماد في العيون.
تصدر دور نشر عالمية باللغات الرئيسية موسوعات إحصائية عن كل شيئ في الحياة، وهي تصلح لإجراء القياسات (International survey) أو (The world in figures) وإذا أطلع عليها كل شخص سيعرف مقدار البئر الذي يرقد في قعره يعاني من أجواءه. وقد يمتلئ قلبه ويموت حزناً وكمداً، وقد يخرج على الناس شاهراً سيفه، وعجباً إن لم يفعل ذلك، لأن الجوع لا يرحم، ولا يدارى بالكلمات. ومن حق الانسان أن يجازف بحياته من أجل انقاذها ...!
بالنسبة لأوضاع كأوضاع بلداننا، هناك الكثير جداً من الأعمال العلمية الرصينة ومن اتجاهات مختلفة، تعنى باقتصاديات التخلف أو التنمية (development economics)، وهي ظروف تحكم بلدان كثيرة. وشاعت بين المفكرين السياسيين والاقتصاديين مسألة : ترى هل التخلف الثقافي ينتج التخلف الاقتصادي، أو بالعكس .. ولعل رأياً جامعاً هو الأقرب للصواب، أن التنمية الاقتصادية والثقافية ينبغي لهما أن يسيرا متوازيين جنباً إلى جنب بتلاحم وتماسك، لا يستغني أحدهما عن الآخر. وبتقديري أن مرفقاً ثقافياً هو مهم بذات الأهمية لإقامة لمنشأة صناعية، وخطط التنمية ينبغي أن تؤكد على التطور الاقتصادي والثقافي خطوة بخطوة. وضمان قوانين أجتماعية تجعل الحياة ممكنة، فلا وطن حر بلا مواطنين مذلون مهانون .. ثم يأتي من يطلب منهم أن يخدموا هذا الوطن ...
التنمية تهدف في نهاية المطاف، مجتمعاً لا يعاني أفراده من الحرمان للحاجات الأساسية، وهي المقدمات الضرورية والحاسمة لمجتمع متطور يسوده الأمن والأمان والثقة المتبادلة بين أفراده وهيئاته القيادية، ومن البديهي يمكن معرفة وقياس مثل هذه النسب والتقدم بدقة كبيرة، نصف سنوياً، وسنوياً، وخطط طويلة ودقيقة تصل حتى الخطط الخمس سنوات.
لا يمكنك أن تطلب من أمرؤ أن يعمل ويداه مغلولتان... وأن يفكر ودماغه معبأ بالخرافات والمحرمات... ولا يمكن أن يكون هناك وطن محترم، ومواطنون لا يحضون بالاحترام.... وضرب مواطن محترم بجلاق على مؤخرته من أهين الأمور وأسهلها ... وليس هناك وطن حر بلا مواطنون أحرار. الحكومات الطغيانية هي من تدفع المواطن لأرتكاب الكبائر، وأولها الفرار من الوطن المحبوب ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً ، الإنسان يريد أن يتعلم ومن ثم يجد فرصة عمل كريمة، ويتزوج ويؤسس عائلة، يستطيع أن يعالج نفسه وأولاده ويدخلهم مدارس محترمة كما كان عندنا بالخمسينات، يستطيع أن يسافر داخل بلده بأمن وأمان بدون سيطرات تسأله " وين رايح ...؟
اعترف أن النظام الوطني، حين يتطلع بموضوعية إلى التعليم بكافة مستوياته، لابد أن يواجه نفسه بشجاعة، بعد أن يدرس البينات الاساسية للتعليم، أن أحد الاجهزة التي استهدفت ودمرت بدرجة خطيرة، هو العليم، ومن المؤكد أن هذا كان مستهدفاً ومخططا له، ونفذ على أيدي متخلفين همج معادين للعلم والتعليم، ومن مصلحتهم، إدخال العراق في سرداب محكم الابواب والشبابيك، وتركه يتعفن. وللأسف نجحوا إلى حدج بعيد بتدمير التعليم في العراق بعد أن كان يعد في مقدمة البلدان في العالم.
وأبسط المعطيات التي قرأتها اليوم، وعلى لسان مسؤول حكومي أن عدد حملة شهادة الدكتوراه المزورة في وزارة التعليم العتاب يبلغ 1600 شخص. ولكن اطلعت من جهة اخرى على تقدير لعدد الشهادات المزورة (دكتوراه) يفوق 4500 شهادة، وهذه المعطيات المأساوية تضع التعليم في مقدمة من يستحق التنظيف والتعقيم والاعمار، والتردد في الشروع يعني ببساطة، أننا تنازلنا عن التعليم ونعتبره رجس من عمل الشيطان وعلينا أن نتجنبه.
الوطن يعني: بيتك، ومستشفى تتعالج فيه، ومدرسة تأمن أن ترسل أولادك لها، وعمل شريف يؤمن مستقبلي، والأمن ... أن يكون بوسع كائنا من كان ممارسة الاعتداء بكافة أشكاله .. الآن يتحدث بعضهم في حكومة المنطقة الخضراء عن مشاريع إسكان بعدما أوشكت البلاد على إشهار الإفلاس ..!
لاحظوا أعزائي القراء، لم نعد نطرح شعارات الحركة الثورية، ولا النضال الوطني الثوري، ايها الشعب العظيم، لم يمر الوطن في يوم أسود كما هو اليوم ... تريد أستعادة استقلال العراق ....
باختصار نريد وطناً يمكن العيش فيه ...!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة : في علم السياسة هذه الأمور لا تدخل في التنجيم، ولا الخيارات المزاجية.
ماذا يريد المواطن من أي نظام ...
2026-08-14
87 قراءة
مقالات رأي
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال