لست خبيرًا في علوم التربية، ولا أدّعي امتلاك الحلول النهائية لمشكلات المدرسة الجزائرية، لكنني، كمواطن، أرى أن من حقي أن أساهم في النقاش المجتمعي حول مستقبل التعليم، لأن المدرسة ليست شأنًا تقنيًا يخص المختصين وحدهم، بل هي شأن المجتمع كله، ومنها يتشكل وعي الأجيال القادمة.
وأعتقد أن كثيرًا من الإصلاحات التي يجري الحديث عنها اليوم كان يمكن أن تبدأ منذ وقت أبكر. فقد طُرحت منذ بداية التسعينيات، في عهد الوزير بن محمد، أفكار وإصلاحات لو طُبقت واستمرت وطُوّرت آنذاك، ربما كانت المدرسة الجزائرية اليوم قد قطعت أشواطًا أكبر نحو بناء نموذج تعليمي أكثر انسجامًا مع شخصية المجتمع الجزائري واحتياجاته.
لكنني لا أريد هنا الدخول في تفاصيل الحجم الساعي للمواد، ولا في مسألة حذف مادة وإضافة أخرى، ولا في الجوانب التقنية التي يترك تقديرها لأهل الاختصاص. ما يعنيني هو صلب الموضوع: العربية، والفرنسية، والفلسفة، وعلاقة المدرسة بالهوية والتفكير.
الفرنسية: لغة للتعلم أم هوية بديلة؟
أنا لست ضد تعلم الفرنسية، ولا ضد تعلم أي لغة أجنبية. فاللغة في حد ذاتها ليست عدوًا، والفرنسية واحدة من اللغات الحية التي يمكن أن تفتح أمام الطالب أبوابًا واسعة للمعرفة والثقافة والتواصل. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإنجليزية وغيرها من اللغات. وكل لغة جديدة يتعلمها الإنسان يمكن أن تكون نافذة إضافية على العالم.
إذن أين المشكلة؟ المشكلة تبدأ عندما تتجاوز اللغة وظيفتها الطبيعية باعتبارها وسيلة للتواصل والمعرفة، وتتحول إلى رمز للسلطة والمكانة الاجتماعية والتميز عن الآخرين.
في السياق الجزائري، لا يمكن إنكار أن الفرنسية حملت، بفعل التاريخ الاستعماري وما تلاه، حمولة تتجاوز كونها مجرد لغة. فقد ارتبطت في بعض الأوساط بمراكز النفوذ والإدارة والامتياز الاجتماعي، وأصبحت أحيانًا أداة للتمييز بين الجزائريين أنفسهم: من يتقنها يُنظر إليه بوصفه متعلمًا ومتحضرًا، ومن لا يتقنها يُعامل أحيانًا وكأنه أقل ثقافة أو أقل قيمة.
وهنا تتحول اللغة من وسيلة إلى سلطة رمزية...المشكلة ليست في أن يتحدث الجزائري الفرنسية، ولا في أن يحب الأدب الفرنسي، ولا في أن يدرس بها، ولا حتى في أن يتقنها إتقانًا ممتازًا. المشكلة حين تصبح الفرنسية عند بعض الناس هويةً بديلة، أو معيارًا للحكم على الآخرين، أو وسيلة للتنمر على المعربين، أو مبررًا للاستخفاف باللغة العربية والثقافة الوطنية والدينية.
عندها يصبح السؤال ليس: هل نتعلم الفرنسية؟ بل: لماذا نتعلمها؟ وكيف نضعها في مكانها الطبيعي؟
الاستعمار ينتهي عسكريًا، لكن أثره الثقافي قد يستمر، ومن أخطر آثار الاستعمار أنه لا ينتهي بالضرورة بمجرد خروج الجيوش ورفع العلم الوطني. فقد يستمر أثره في اللغة والذوق والنظرة إلى الذات وإلى الآخر...وهذا ما ناقشه عدد من مفكري ما بعد الاستعمار تحت مفاهيم مثل الاستعمار الثقافي؛ أي استمرار بعض أنماط الهيمنة في الوعي والثقافة حتى بعد انتهاء السيطرة السياسية المباشرة.، وأخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يبدأ في قياس قيمته بمدى قربه من لغة المستعمر وثقافته، وأن ينظر إلى لغته الأم وموروثه الثقافي والديني باعتبارهما علامات على التخلف.
المجتمع الواثق من نفسه لا يخشى تعلم لغات العالم، بل بالعكس، يفتح أبوابه لها كلها. لكنه في الوقت نفسه لا يسمح لأي لغة بأن تتحول إلى وسيلة لاحتقار ذاته.
الانفتاح الحقيقي على العالم لا يعني الانسلاخ عن الذات...بل إن الجزائري الذي يعتز بعربيته وثقافته وتاريخه، ويتقن في الوقت نفسه الفرنسية والإنجليزية وغيرها، هو أكثر قدرة على التواصل مع العالم من شخص لا يرى في الانفتاح إلا تقليد الآخر.
الفرنكوفونية والنقاش حول هوية الجزائر...وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية. ففي الجزائر، توجد اتجاهات فكرية وثقافية مرتبطة بالفضاء الفرنكوفوني، وبعض هذه الاتجاهات يتبنى تصورًا للجزائر يجعلها بعيدة عن محيطها العربي والإسلامي، ويؤكد على خصوصية جزائرية منفصلة عن كل امتداد شرقي أو غربي. لكن من المهم، في رأيي، ألا نقع في التعميم. ليس كل من يتحدث الفرنسية أو ينتمي إلى الفضاء الفرنكوفوني معاديًا للعربية أو للإسلام أو للهوية الوطنية. فاللغة لا تحدد وحدها الموقف الفكري والسياسي للإنسان. ومع ذلك، فمن حقنا أن نناقش نقديًا أي مشروع ثقافي يريد اختزال الجزائر في اتجاه واحد، أو قطعها عن جزء من تاريخها وعمقها الحضاري.
لذلك فإن الدفاع عن العربية والإسلام والموروث الوطني لا يعني إلغاء المكونات الأخرى، كما أن الاعتزاز بالخصوصية الجزائرية لا يعني قطع الجزائر عن محيطها العربي والإسلامي.
ماذا عن العربية؟
إذا كانت اللغات الأجنبية نوافذ على العالم، فإن العربية بالنسبة إلى الجزائري هي لغة الدولة الرسمية، ولغة القرآن بالنسبة إلى غالبية الجزائريين، ولغة البلاد وثقافتها ومؤسساتها ومدرستها، وهي وعاء أدبي وفكري وحضاري هائل.
وإذا أردنا أن نضيف الإنجليزية، فلماذا لا نفعل؟ لماذا ينبغي أن تكون علاقة الجزائري باللغات قائمة على الصراع بدل أن تكون قائمة على التعدد؟
المشكلة الحقيقية ليست كثرة اللغات، وإنما ضعف التحكم فيها جميعًا، وضعف القدرة على استخدامها في التفكير والإنتاج والإبداع.
وما الذي لم يُناقش بما يكفي؟ في خضم الحديث عن الإصلاحات، هناك أسئلة أخرى تستحق النقاش.
ماذا عن مكانة التربية الإسلامية في المدرسة؟
وماذا عن شعبة العلوم الإسلامية؟
وماذا عن حضور القيم الدينية والأخلاق في تكوين التلميذ؟
الفلسفة: المشكلة ليست في الفلسفة بل في طريقة تدريسها
أما الفلسفة، فأعتقد أن وجودها في المدرسة أمر مهم، لأنها قبل أن تكون مادة دراسية هي تدريب على التفكير.
نحن لا نحتاج إلى تلميذ يحفظ تعريفات الفلاسفة وأسماءهم ومقولاتهم، ثم يفرغها في ورقة الامتحان وينساها بعد ذلك.
نحتاج إلى تلميذ يعرف كيف يسأل، وكيف يشك بطريقة منهجية، وكيف يناقش، وكيف يقدم حجة، وكيف يميز بين الرأي والحقيقة، وكيف يحترم الرأي المخالف، وكيف يعترف بخطئه عندما يكتشف أنه مخطئ.
وهنا ربما تكون المشكلة في طريقة تدريس الفلسفة أكثر من كونها في وجود المادة نفسها.
حين تتحول الفلسفة إلى قوالب محفوظة ومقدمات جاهزة وخواتيم متكررة، فإننا نكون قد قتلنا روحها.
الفلسفة يجب أن تجعل التلميذ يفكر، لا أن تعلمه كيف يحفظ ما فكر فيه الآخرون.
وهذا المبدأ لا ينبغي أن يقتصر على الفلسفة وحدها؛ فالمدرسة كلها بحاجة إلى الانتقال من ثقافة الحفظ والاستظهار إلى ثقافة الفهم والتحليل والنقد والإبداع.
عبد العزيز كحيل
في النقاش حول العربية والفرنسية والفلسفة
2026-08-12
38 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال