بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التقدم العلمي في الطب العدلي

2026-08-12 51 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الطب العدلي مادة مهمة جداً في كشف الجرائم، وفي التحقق في سبب الوفاة. الطب العدلي علم يهتم فيما إذا كانت هناك أسباب وتدخل في حصول الوفاة، أي أن الوفاة قد حصلت بفعل فاعل. وبالطبع الكثير من الناس لا يعلمون أن الطبيب الشرعي، بل المحقق الذكي بوسعه أن يكتشف بمجرد الرؤية فيما إذا كان الأدعاء أن الوفاة طبيعية أم لا، أو كشف كذب المدعين بأن الوفاة حصلت بسبب الأنتحار.

والأنتحار (قتل النفس )هي من أكثر ما تثير الشبهات، والمحققون يعلمون أن الأنتحار له علاماته ومؤشراته الواضحة تقريباً، فالمنتحر يقدم على إزهاق روحه بدرجة عالية من التصميم، لذلك لابد من وجود باعث، أو بواعث قوية جداً، فمن النادر أن يقدم رجل أو إمرأة على الأنتحار لأسباب واهية، وأن كانت ملفات التحقيق تحفظ لنا أسباب تافهة لا تستحق الأنتحار، ولكن هنا لابد أن يكون المنتحر على درجة من اليأس بالحياة، أو أنه ضعيف الشخصية، بحيث يصعب عليه مواجهة وضع معين وجد نفسه فيه.
والأدعاء بالأنتحار له علاماته على بدن المنتحر أو ثيابه، وقد يجد المحقق كمية (ربما) لا تشاهد بالعين المجردة آثاراً من بشرة القاتل بين أظافر المنتحر، وهذا يدل أن المتوفي قد قاوم قاتله قبل أن يتمكن من قذفه من سطح بناية أو أرتفاع شاهق. والمختبر الجنائي يكتشف بسهولة وتأكيد أن خلايا البشرة تعود للمشتبه به بالقتل.

وشكل الرصاصة أو المقذوف الناري، تترك علاماتها على جسد الضحية، فبالإمكان أن يكتشف المختبر الجنائي أن الرصاصة في جسد الضحية، هذه تعود لهذا السلاح حصراً. وبالإمكان بسهولة كشف المسافة التي أطلق منه العيار الناري على الضحية، وإذا كان المدى أكثر من عشرة أمتار مثلاً، يصبح الأدعاء بالأنتحار أدعاء كاذب حتماً، لأن ليس بوسع الانسان أن يمد يده لهذه المسافة لينتحر ..! ثم قرب الرصاصة من جسد الضحية يترك على البدن مؤشرات حتمية، بل وحتى على ثياب المجني عليه.
كان بعض أساتذتنا من الضباط المحققين يروون لنا أحداثاً فضيعة (ولكن دائماً دون ذكر أسماء) عن وفاة حصلت على أثر انتحار، حدثت في أسرة أرستقراطية ببغداد، ففي صباح ذات يوم، عندما ذهب الضابط المحقق، شاهد الأسرة في حالة يرثى لها من الحزن والبكاء، فالشاب المنتحر وهو خريج جامعة أجنبية راقية، ترك وراءه زوجة شابة جميلة، ووالده شخصية اجتماعية مهمة، ووالدته سيدة مجتمع مرموقة، وشقيقة يسكنون في قصر (فيلا) عائلي كبير في حي فخم.
ولدى حضور الضابط المحقق، وبمعاينة بسيطة، أكتشف أن العائلة تكذب، بل وقد أتفقوا على الكذب وأن الشاب في الحقيقة قد قتل، وعلى الأرجح أن أحد أفراد الأسرة هو القاتل.، بالنظر على الاتفاق على لفلفة القضية ومحاولة إيهام المحقق، والتحقيق أثبت هذا لاحقاً وسط دهشة الكادر التحقيقي.

ضابط الشرطة يستطيع بمعاينة خارجية بسيطة، معرفة زمن موت الضحية (تقريباً) والطبيب العدل بوسعه تحديد الوقت بدقة أكبر بعد معاينة لأعضاء من جسم الضحية(العينان، الكلى، الرئة ..الخ)، وقد أطلعت في المانيا على وسائل مذهلة في كشف الجرائم، وبأعلى درجات الدقة. والتقدم في علم كشف الأدلة بدوره تقدم كثيراً، لدرجات مذهلة، وبوسع ضابط الأدلة الجنائية أن يحدد من المسدس/ البندقية، التي أطلقت منها الطلقة وهذا الظرف الفارغ العائد لها تحديداً.

علم الطب العدلي اليوم تقدم كثيراً، وكذلك علم المختبرات الجنائية، بخطوات واسعة جداً عن تلك التي نعرفها قبل نصف قرن، وأنا أتابعها كشأن ثقافي حين تقع أمام ناظري، تقدم علم الأدلة الجنائية لدرجة أن بوسعنا القول أن المجرم حتى لو كان عبقرياً لن يفلت من أيدي المحقق الذكي، وأجهزة التحقيق الفنية التي لا تخطر على بال ولا خيال المجرمين. فقد قرأت مثلاً جانباً من التحقيقات التي أجراها المحققين الأجانب الذين تولوا التحقيق في اغتيال رفيق الحريري / رئيس وزراء لبنان، وعن استخدامهم لوسائل فنية مذهلة في دقتها، مما يجعل الأمر(الاغتيال وتفاصيله التامة) واضحة لا لبس فيها اطلاقاً بأستخدام قدرات تحقيقية مذهلة في تطورها التكنيكي / الالكتروني، وهو بالطبع لم يكن في مخيلة الذين خططوا ونفذوا الاغتيال. وإن كانوا من عتاة المجرمين ومحترفي الاغتيالات. وقتلة رئيس الوزراء اللبناني الحريري كانوا فعلاً من عتاة المجرمين ومحترفي الاغتيالات وبمساعدة جهاز مخابرات دولة لها باع طويل في الاغتيالات.

لا أحد يفلت من جريمته، أولاً الأدبية / الاخلاقية / التاريخية، وثانياً القانونية / الجنائية.

ليعلم كل مرتكب جريمة قتل أو غيره أن الإفلات محال، ربما ينجو من المساءلة لإيام، ولكنه حتماً سيمثل أمام المساءلة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال