ميشال كامو والثورة التونسية: لماذا انتصرت أسئلة الأمس على أجوبة خمسة عشر عامًا؟
في الفكر السياسي، توجد كتب تشرح الماضي، وأخرى تستشرف المستقبل دون أن تدّعي ذلك. ومن هذا الصنف الأخير يندرج كتابان شكّلا، قبل الثورة التونسية بسنوات طويلة، محاولة مبكرة لفهم طبيعة الدولة والمجتمع في تونس: الكتاب الجماعي «Tunisie au présent. Une modernité au-dessus de tout soupçon ?» الذي أشرف عليه الباحث الفرنسي ميشال كامو (Michel Camau)، ثم كتاب «Le Syndrome Autoritaire. Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali» الذي ألّفه ميشال كامو بالاشتراك مع فنسان جيسر (Vincent Geisser).
لم يكن الكتابان يتنبآن بثورة، ولم يكتبا عن سقوط نظام أو صعود آخر، لكنهما طرحا سؤالين تأسيسيين سيظلان يلاحقان تونس حتى بعد الرابع عشر من جانفي 2011: هل الحداثة التونسية حقيقة اجتماعية وسياسية راسخة، أم صورة صاغتها الدولة عن نفسها؟ وهل الاستبداد مجرد نظام حكم، أم بنية ذهنية ومؤسساتية قادرة على إعادة إنتاج نفسها مهما تبدلت الوجوه؟
خمسة عشر عامًا مرت منذ الثورة، لكنها لم تكن كافية للإجابة عن هذين السؤالين، بل لعلها أكدت وجاهتهما. فقد بدا في البداية أن تونس نجحت في إنجاز ما عجزت عنه بقية الثورات العربية؛ دستور جديد، انتخابات تعددية، تداول سلمي على السلطة، وحياة سياسية مفتوحة. غير أن هذه الإنجازات أخفت خللًا أعمق: الانتقال السياسي سبق الانتقال الثقافي والمؤسساتي.
لقد أظهر كتاب «Tunisie au présent» أن ما سُمّي بـ«الاستثناء التونسي» لم يكن حقيقة مطلقة، بل بناءً تاريخيًا يحتاج إلى مساءلة دائمة. فالحداثة التي قادتها الدولة منذ الاستقلال أنجزت إصلاحات مهمة في التعليم والإدارة والأحوال الشخصية، لكنها بقيت حداثة من أعلى، أكثر مما كانت ثمرة دينامية اجتماعية مستقلة. ولذلك كان من الطبيعي أن تُطرح بعد الثورة أسئلة جديدة حول علاقة هذه الحداثة بالحرية، وبالتعددية، وبالديمقراطية.
أما كتاب «Le Syndrome Autoritaire» فقد ذهب أبعد من نقد السلطة، إذ اعتبر أن الاستبداد ليس مجرد رئيس أو حزب حاكم، وإنما منظومة كاملة من الممارسات والعلاقات والإدارات والثقافة السياسية. وهذه هي الفكرة التي أثبتتها سنوات ما بعد الثورة؛ إذ سقط النظام، لكن كثيرًا من آلياته بقيت فاعلة، سواء داخل مؤسسات الدولة، أو في سلوك النخب، أو في علاقة المجتمع بالسلطة.
غير أن التجربة كشفت أيضًا حقيقة أخرى لم تكن واضحة قبل سنة 2011، وهي أن النخب التي رفعت شعارات الديمقراطية لم تكن جميعها ديمقراطية في ممارساتها. فقد تحولت المنافسة السياسية إلى استقطاب إيديولوجي، وغلب منطق الإقصاء على منطق الشراكة، وتقدمت الحسابات الحزبية على مشروع بناء الدولة. وهكذا لم تستطع النخب أن تؤسس عقدًا وطنيًا جديدًا، بل أعادت إنتاج كثير من انقسامات الماضي بأدوات جديدة.
ولذلك، فإن اختزال فشل الانتقال الديمقراطي في مؤامرة خارجية، أو في الدولة العميقة، أو في الإسلاميين، أو في الحداثيين وحدهم، يبقى تفسيرًا ناقصًا. فالأزمة كانت أعمق من ذلك كله؛ إنها أزمة نموذج للدولة، وأزمة ثقافة سياسية، وأزمة نخب لم تنجح في تحويل لحظة الثورة إلى مشروع تاريخي جامع.
بعد خمسة عشر عامًا، تبدو قيمة أعمال ميشال كامو أنها لم تقدم حلولًا جاهزة، بل طرحت الأسئلة الصحيحة. واليوم، يبدو أن تونس لا تحتاج إلى إعادة طرح سؤال: من يحكم؟ بقدر ما تحتاج إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تُبنى دولة تستطيع أن تحرر نفسها من متلازمة الاستبداد، وأن تجعل الحداثة مشروعًا مجتمعيًا مفتوحًا لا عقيدة رسمية، وأن تحول الديمقراطية من حدث سياسي إلى ثقافة وطنية؟
وربما هنا تبدأ المرحلة الجديدة من التفكير في تونس؛ فبعد أن عاشت البلاد جغرافيا الثورة، ثم جغرافيا الاختبار، لم يعد أمامها، إذا أرادت استعادة قدرتها على إنتاج القوة والاستقرار، سوى الانتقال إلى جغرافيا العمران؛ حيث تُقاس قوة الدول بقدرتها على بناء الإنسان والمؤسسات والشرعية، لا بمجرد تغيير الحكام أو إعادة توزيع السلطة.
ميشال كامو والثورة التونسية: لماذا انتصرت أسئلة الأمس على أجوبة خمسة عشر عامًا؟
2026-08-07
12 قراءة
مقالات رأي
صدقي الزهدي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال