لم تكن الأرض في شرق المتوسط وشمال إفريقيا مجرد مساحة لجغرافيا محايدة بل كانت دوما مسرحا لتشابك مأساوي بين مطامع الغزاة وعرق الفلاحين وتحولات السلطة المتعاقبة ، وفي هذا التخوم الممتد بين قسوة الصحراء ورقّة البحر يقف هنشير الشعال في الذاكرة الاقتصادية والسياسية التونسية شاهدا عاتيا على سيرة الأرض حين تتحول من مجال حيوي للقبيلة إلى غنيمة لشركات الاستعمار الاستخراجية قبل أن تغدو رمزا مكثفا لخسارات الدولة الوطنية ورهاناتها على السيادة.
قراءة تحولات هذا المجال العقاري الممتد تكشف كيف ينسج التاريخ خيوطه السرية بين صفير قطارات الفسفاط الآتية من أدغال الحوض المنجمي وبين حفيف أوراق الزيتون في سهول صفاقس في ملحمة تتقاطع فيها بذور التحول التشريعي بصلابة الجغرافيا وشقاء التنمية.
تبدأ حكاية هذا المجال العتيد في لحظة فاصلة من صيف عام 1885 حين عثر الجيولوجي الفرنسي فيليب توماس في جبال ثالجية بمنطقة المتلوي على طبقات كثيفة من الفسفاط وهو الاكتشاف الذي فتح أبواب الجنوب التونسي على مصاريعها أمام اندفاعة رأسمالية استعمارية لا ترحم.
لم تكن القوة الاستعمارية تكتفي باستخراج حشوة الجبال المخبأة في باطن الأرض بل كانت تطمح إلى تشبيك الثروة الباطنية بالفضاء الفلاحي الظاهر لتأمين الدورة الاقتصادية للرأس المال الإفريقي الغريب.
وفي 15 أوت 1896 وطّدت هذه الرغبة بتوقيع اتفاقية امتياز بين علي باي وتونس والمدير العام للأشغال العامة الفرنسي منحت بموجبها شركة الفسفاط والسكك الحديدية بفصة الحق الحصري في استغلال خامات الفسفاط لستة عقود كاملة بشرط بناء خط كهروميكانيكي وسكة حديدية تمتد على مسافة 250 كيلومترا لربط مناجم الجنوب بميناء صفاقس المعدني.
ولم تكن المادة الثامنة من تلك الاتفاقية سوى الصياغة القانونية لعملية انتزاع واسعة النطاق إذ نصت على إهداء المستثمرين الفرنسيين حق التملك التصرف المجاني في 30000 هكتار من أخصب الأراضي الزراعية الواقعة تحت السيطرة المدنية بصفاقس.
وبموجب الأمر العلي الصادر في ماي 1897 أعطيت الإشارة لتأسيس الشركة رسميا في باريس برأس مال ضخم لتشرع يده الاستعمارية في إعادة رسم الخارطة العقارية للمنطقة. كان هنشير الشعال في أصله رصيدا من الأراضي الرعوية والموات تداخلت معها مساحات واسعة من أراضي الأحباس المزمنة التي يعود تحبيسها إلى عام 1317م فضلا عن مجالات عروشية تابعة لقبائل أولاد غيداء والشماترة والربحات والصوالح أولئك الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها مطرودين من فضاء حركتهم التاريخية.
ومع حلول عام 1900 بدأت الآلة الاستعمارية في استزراع الأرض بغرس نحو 250.000 شجرة زيتون من صنف الشملالي العصي على الجفاف ليتشكل الهنشير كمستغلة فلاحية رأسمالية حديثة تهدف إلى تعظيم الأرباح وتزويد أسواق المتروبول.
وفي عام 1920 شيّدت الشركة معصرة حديثة بطاقة معالجة تبلغ 40 طنا يوميا لتصفية الزيت وتصديره أتبعت بمعصرة ثانية عام 1923 ليتحول المركب خلال فترة ما بين الحربين إلى إمبراطورية زراعية متكاملة تضم مئات الآلاف من الزياتين إلى جانب قطاعات موازية لتربية الخيول والماشية وإنتاج الحليب واللحوم والعسل وغراسة اللوز والفستق معززة نموذج الالتفاف الاستخراجي الذي يدمج التعدين بالسكة الحديدية والفلحة المسخرة خدمة للمركز الإمبريالي.
حين بزغت شمس الاستقلال عام 1956 كانت معركة استعادة الأرض بالنسبة للدولة الفتية لا تقل شراسة عن معركة الجلاء العسكري إذ غدت ملكية الأرض العنوان الأبرز لتحرير الإرادة الوطنية.
وفي 12 ماي 1962 تمكنت الدولة التونسية من نقل ملكية هنشير الشعال واسترجاعه من شركة فسفاط فصة ليدخل رسميا تحت الإدارة العمومية المباشرة غير أن الزلزال التشريعي الحقيقي الذي أعاد تشكيل المشهد الفلاحي التونسي تمثل في صدور القانون عدد 5 لسنة 1964 المؤرخ في 12 ماي 1964 الشهير بقانون الجلاء الزراعي.
حظر هذا القانون في فصله الأول تملك الأراضي الصالحة للفلاحة على غير الأفراد ذوي الجنسية التونسية أو الشركات التعاضدية الوطنية مما أدى إلى كنس السيطرة الأجنبية عن الأراضي الفلاحية ونشوء رصيد عقاري دولي ضخم تجاوز 800.000 هكتار.
في هذا السياق المتوهج بالتطلعات الاشتراكية ولد ديوان الأراضي الدولية لتسيير هذه التركة الاستراتيجية وأسس المركب الفلاحي والصناعي بالشعال ليكون الذراع الإداري والفني الناظر في شؤون الهنشير.
تزامن ذلك مع اندفاعة نظام الحبيب بورقيبة نحو تجربة التعاضد بزعامة أحمد بن صالح بين عامي 1962 و1969 حيث حول هنشير الشعال إلى المختبر التجريبي الأول لرأسمالية الدولة والفلاحة العصرية.
كان بورقيبة يرى في هذا المركب أيقونة السيادة الغذائية الوطنية وجدار الصد ضد التبعية فحظي برعاية استثنائية
و جعل منه مركزا للأبحاث الزراعية ونشر الميكنة وتجربة الأعلاف والأقطان والورقيات.
وحتى بعد انكسار التجربة التعاضدية في سبتمبر 1969 وانعطاف البلاد نحو الليبرالية الاقتصادية خلال السبعينيات ظلت الدولة قابضة بيد من حديد على ملكية هنشير الشعال باعتباره ضيعة استراتيجية يحظر تفكيكها مع التركيز على الإنتاج الموجه للتصدير لجلب العملات الصعبة وتغذية خزانة الدولة.
يتمدد المركب الفلاحي والصناعي بالشعال اليوم باعتباره ثاني أكبر غابة زيتون بعلية في العالم من حيث المساحة المتصلة إذ تبلغ مساحته الإجمالية 18724.5 هكتارا وتتوزع نطاقاته الجغرافية والإدارية عبر أربع معتمديات محورية في ولاية صفاقس هي المحرس وعقارب والصخيرة
وبئر علي بن خليفة.
وتنبثق القوة الإنتاجية لهذا العملاق الزراعي من نموذج إنتاجي اندماجي يزاوج بين الفلاحة والصناعة التحويلية والتربية الحيوانية في دورة مغلقة.
تتربع على عرش هذا المركب غابة شجرية تضم نحو 400000 شجرة زيتون معظمها من صنف الشملالي المحلي قادرة في مواسم الخصب على تحقيق معدل إنتاج سنوي مرجعي يناهز 3500 طن من زيت الزيتون البكر الرفيع.
ولا تتوقف الدورة الإنتاجية عند حدود الشجر بل تبتدئ منها لترتبط بقطاع حيوي للأبقار يضم 658 رأسا بينها 272 بقرة حلوب تنتج سنويا نحو 1.1 مليون لتر من الحليب إلى جانب قطاع للأغنام المحسنة يضم 3698 رأسا من ضمنها 2428 أنثى منتجة مخصصة لتوفير اللحوم الحمراء وإدامة السلالة. وفي جانب الدواجن يحتوي المركب على 16500 دجاجة بيض و40000 عتوقة منتجة ترفد السوق المحلية بنحو 6.5 مليون بيضة سنويا.
و لدعم هذه المنظومة الحيوانية يضم الهنشير مساحات علفية ومطاحن تحويلية ذاتية تنتج زهاء 3000 طن من الأعلاف المركزة سنويا فيما تدار هذه القطاعات المعقدة بواسطة شبكة من الموارد البشرية تضم 435 عونا وعاملا قارا تساندهم في مواسم الجني والخدمة الشاقة قوة تشغيلية موسمية تتألف من 385 عاملا عرضيا.
وتكتمل هذه الحلقة بوجود معاصر زيتون حديثة داخل نطاق الهنشير تتيح تحويل المحصول فور جنيه وحفظ جودته القياسية مما جعل زيوت الشعال تحافظ لعقود على موقع متقدم في أسواق التصدير العالمية.
لكن هذا النموذج العقاري الفخم بدأ خلال السنوات الأخيرة يترنح تحت وطأة اختلالات بنيوية عميقة وتغيرات مناخية جارفة كشفت عن هشاشة الإدارة العمومية أمام التقلبات الطبيعية فوفقا للبيانات الفنية الصادرة عن ديوان الأراضي الدولية كبرت الغابة الشجرية في العمر حتى باتت 73 بالمائة من زياتين المركب تتجاوز أعمارها 90 سنة مما وضع الكتلة الرئيسية للأشجار في مرحلة الشيخوخة التنازلية والانخفاض الحاد في القدرة على الإثمار.
وزاد الإجهاد المائي المتعاقب وشح الأمطار الجريمة مناخيا إذ أدى الجفاف الممتد إلى تيبس كلي وغير قابل للرجوع لنحو 6 بالمائة من الأصول الشجرية أي ما يعادل عشرات الآلاف من الأشجار الهالكة واقفة في رماد الأتربة.
أمام هذا التدهور البيئي البيولوجي اضطرت وزارة الفلاحة وديوان الأراضي الدولية إلى التدخل عبر خطط استعجالية لنجدة الغابة الشجرية والري التكميلي.
وتضمن البرنامج الفني حفر 11 بئرا عميقة مجهزة بالطاقة الكهرودوئية وتجهيز مساحة 820 هكتارا بنظم الري الموضعي قطرة قطرة فضلا عن استنهاض شاحنات الصهاريج والجرارات لنقل المياه ونجدة النطاقات الأكثر تضررا بري ما يقارب 3000 أصل شهريا مع التخطيط لاستغلال المياه المعالجة لتغطية العجز المائي البنيوي.
كما شملت التوجهات الفنية إزالة الأشجار الميتة والهرمة بصورة تدريجية وتعويضها إما بغراسات زيتون فتية أو بإدخال زراعات بديلة أكثر مقاومة لقلة المياه مثل الفستق حماية للتربة من التصحر وحفاظا على التوازن البيئي في جهة صفاقس.
ولم تكن عوادي الطبيعة وحدها ما يتهدد هنشير الشعال بل إن سوء التصرف والإهمال الإداري تحولا في خريف عام 2024 إلى قضية رأي عام هزت أركان المؤسسات الفلاحية في تونس ففي 30 أكتوبر 2024 أدى رئيس الجمهورية قيس سعيد زيارة غير معلنة إلى مركب الشعال ليقف بنفسه على مشاهد التداعي والخراب التي طالت المعدات والأشجار ولتبدأ رحلة مكاشفة قضائية وسياسية واسعة. كشفت التحقيقات الميدانية والمالية عن شبهات فساد جسيمة، كان أكثرها إثارة للذهول عملية التفويت في 37 جرارا فلاحيا تابعة للمركب في بتة عمومية بمبلغ زهيد لم يتجاوز 167 ألف دينار تحت خديعة أنها معدات مسقطة وغير صالحة للاستعمال، وهو ما اعتبرته السلطات إضراراً عمدياً بالمال العام وتفريطا مجانيا في أصول الدولة.
كما أظهرت التفقديات عمليات سرقة وتلاعبا واسع النطاق بقطع غيار المعدات والمحروقات فضلا عن التراجع الممنهج في الطاقة التشغيلية للمركب وتدهور إنتاجية الزيت.
وأمام هذه المعطيات تحركت النيابة العمومية بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي حيث أصدر قاضي التحقيق بطاقات إيداع بالسجن والتمديد في التوقيف التحفظي ضد عدد من المسؤولين البارزين شملت وزيرا سابقا للفلاحة ومديرين سابقين بديوان الأراضي الدولية ورجال أعمال لاتهامات تتعلق باستغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها والإضرار بالإدارة.
وقد أعادت هذه الحادثة فح النقاش الوطني المحموم حول مصير الأراضي الدولية، وسط تأكيد رسمي صارم بعدم التفويت في هنشير الشعال أو الخصخصة وضرورة استرجاع نجاعته الإنتاجية تحت رعاية الدولة ومؤسساتها.
المتأمل في السيرة الطويلة لهنشير الشعال يدرك أنه يختزل تكثيفا تاريخيا لمسار الاقتصاد السياسي التونسي عبر أكثر من قرن وربع من الزمن فمن امتياز استعماري انتزع بالقوة التشريعية لصالح إمبراطورية الفسفاط والسكك الحديدية لخدمة المتروبول الفرنسي إلى ملكية استرجعت بالسيادة الوطنية عام 1962 وتوجت بقانون الجلاء الزراعي في 12 ماي 1964 تجسدت في هذه الأرض كل التحولات الكبرى لبناء الدولة الحديثة.
غير أن الأزمة الراهنة التي تتشابك فيها شيخوخة الأشجار وقسوة الجفاف مع جروح الحوكمة وشبهات الفساد تؤكد أن حماية السيادة الوطنية لا تتوقف عند حدود النصوص التشريعية أو الملاحقات القضائية السريعة بل تتطلب استراتيجية تنموية شاملة تعيد هيكلة ديوان الأراضي الدولية وتضخ الاستثمارات اللازمة لتجديد الأصول الشجرية وتعميم تقنيات الري الحديثة.
العناية بهذا العقار الاستثنائي وتأطير سواعد عماله هما السبيل الوحيد ليستعيد هنشير الشعال رونقه القديم شاهدا حيا على قدرة الأرض الوطنية على العطاء وقاطرة متجددة للتنمية في ولاية صفاقس وفي كامل الربوع التونسية.
بين سعِير المناجم و صمت الشّملالي
2026-08-03
41 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال