ليست المعضلة الأولى في التاريخ أن يوجد مستكبرون، فوجود القوة الساعية إلى الهيمنة يكاد يكون ثابتًا في كل الحضارات. إن المعضلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الهيمنة من بنية سياسية إلى بنية معرفية، ومن نظام يحكم الأجساد إلى منظومة تشكل الضمائر، فيصبح الإنسان شريكًا في إنتاج الشروط التي تستعبده، ويغدو القهر قادرًا على إعادة إنتاج نفسه دون حاجة إلى القهر المباشر.
إن الاستكبار لا ينتصر عندما يحتل الأرض، بل عندما يحتل المعنى. فالسيطرة على المجال المادي محدودة بحدود القوة، أما السيطرة على المجال الرمزي فتجعل القوة تبدو غير ضرورية. حينئذ يصبح الإنسان حارسًا للسجن الذي بناه غيره، ويغدو الدفاع عن القيود دفاعًا عن الذات، لأن الذات نفسها أعيد تشكيلها داخل منطق الهيمنة.
من هنا لا يعود المجتمع منقسمًا بين مستكبر ومستضعف فقط، وإنما ينشأ نمط ثالث من الوجود الإنساني، يمكن تسميته بقبيلة الواهمين المرتاحين. ليست هذه القبيلة طبقة ولا جماعة سياسية، بل حالة من الوعي فقدت قدرتها على التمييز بين الواقع والحقيقة، فجعلت من الواقع مصدرًا للحقيقة، بدل أن تجعل الحقيقة معيارًا للحكم على الواقع.
وهنا يكمن جوهر الاستحمار.
فالاستحمار ليس تغييب العقل، بل احتلاله. وليس منع الإنسان من التفكير، بل توجيه تفكيره بحيث يبقى أسير الأسئلة التي لا تهدد النظام القائم. إنه إنتاج عقلٍ نشيطٍ في التفاصيل، عاجزٍ عن مساءلة الأسس؛ كثيرُ الجدل في الفروع، صامتٌ أمام الجذور. ولذلك يستطيع المجتمع المستحمر أن ينتج خبراء ومثقفين وأكاديميين، لكنه يعجز عن إنتاج إنسان حر.
فالوعي الزائف لا يُعرَّف بكمية المعرفة، وإنما بطريقة توظيفها. فقد تتحول المعرفة إلى أداة لتحرير الإنسان، وقد تتحول إلى جهاز أيديولوجي يمنح الاستبداد لغة أكثر أناقة. وعندما يحدث ذلك، يصبح المثقف أخطر من الجندي، لأن الجندي يحرس الحدود، أما المثقف المستلب فيحرس الهزيمة داخل العقول.
ولذلك فإن الصراع الحقيقي ليس بين القوة والضعف، بل بين وعيين: وعي يرى الإنسان غايةً لكل نظام، ووعي يجعل النظام غايةً ولو سحق الإنسان. الأول يقيس شرعية الواقع بمقدار اقترابه من العدل، والثاني يقيس العدل بمقدار انسجامه مع الواقع.
ولهذا تنشأ قبيلة الواهمين المرتاحين. فهي لا تدافع عن الاستكبار لأنها تستفيد منه دائمًا، بل لأنها بنت توازنها النفسي على افتراض أن الواقع لا يمكن تجاوزه. وكل محاولة لتغييره تصبح تهديدًا لهذا التوازن. ولهذا فإنها لا ترى في المقهور إنسانًا يطالب بحقه، وإنما ترى فيه خطرًا على يقينها الهش.
إنها لا تهاجم الحقيقة لأنها أقوى منها، بل لأنها تفضح الوهم الذي تعيش فيه.
ولهذا يتحول جلد المقهور إلى طقس اجتماعي متكرر؛ ليس لأنه أخطأ، بل لأنه يرفض أن يمنح القهر شرعية أخلاقية. فوجوده يوقظ سؤالًا وجوديًا حاولت القبيلة دفنه طويلًا: إذا كان الظلم قابلًا للرفض، فلماذا قبلنا به؟
وهذا السؤال أخطر على منظومة الهيمنة من أي مواجهة مباشرة، لأن كل سلطة تستطيع أن تواجه خصمًا، لكنها تعجز عن مواجهة ضمير يستيقظ.
إن أخطر ما يصنعه الاستحمار أنه يحول العلاقة بين الإنسان والواقع من علاقة نقد إلى علاقة تطبيع. فلا يعود الإنسان يسأل: هل هذا الواقع عادل؟ بل يسأل: كيف أتكيف معه؟ ومع الزمن يصبح التكيف فضيلة، والاعتراض انحرافًا، والصمت حكمة، والخوف عقلانية، حتى يفقد الإنسان القدرة على تخيل عالم مختلف.
وهنا يموت التاريخ.
فالتاريخ لا يصنعه المتكيفون، وإنما يصنعه أولئك الذين امتلكوا شجاعة القول إن ما هو قائم ليس بالضرورة ما ينبغي أن يكون. وكل نهضة إنسانية بدأت بانفصال أخلاقي عن الواقع قبل أن تبدأ بانتصار سياسي عليه.
ولهذا فإن قبيلة المقهورين ليست جماعة تتغذى على المظلومية، وإنما هي الإمكانية الدائمة لاستعادة الإنسان لوظيفته الأخلاقية. فقيمتها لا تكمن في أنها تتألم، بل في أنها ترفض تحويل الألم إلى قدر، وترفض أن تجعل الهزيمة فلسفة، أو الاستسلام حكمة، أو الخوف فضيلة.
إن الوعي الرسالي ليس برنامجًا سياسيًا، بل ثورة في تعريف الإنسان. إنه انتقال من الإنسان الذي يستهلك التاريخ إلى الإنسان الذي يصنعه، ومن الإنسان الذي يعبد الواقع إلى الإنسان الذي يحاكمه، ومن الإنسان الذي يطلب النجاة الفردية إلى الإنسان الذي يحمل مسؤولية الشهادة على الحق.
ولذلك فإن السؤال الحاسم ليس: من يحكم؟ بل: أي وعي يحكم؟ لأن تغيير الحكام دون تغيير الوعي لا ينتج إلا دورة جديدة من الهيمنة بأسماء مختلفة. أما حين يتحرر الوعي، فإن أول ما يسقط ليس المستكبر، بل الشرعية الداخلية التي كان يعيش بها داخل النفوس.
وهناك تبدأ الحرية.
قبيلة الواهمين المرتاحين وقبيلة المقهورين جدل الوعي والاستحمار في صناعة التاريخ
2026-08-01
40 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال