لم تكن الاستراتيجية الاستعمارية الفرنسية في حواضر الغرب الإسلامي مجرد غزو عسكري يكتفي باحتلال الثغور ونهب الخيرات بل كانت عدوانا مسعورا استهدف العصب الحي للمدينة العربية ومقصلة رمزية أُعدت بلؤم لتفكيك روح المكان واغتيال الذاكرة الجماعية.
ما جرى في أزقة تونس العتيقة والدار البيضاء والجزائر لم يكن مجرد تنظيم أمني طارئ أو ضرورة طبية عابرة بل كان توحشا هندسيا وبيوسياسيا مكتمل الأركان تعمد تحويل مقدسات الأمة ورموزها الروحية والفكرية إلى أوكار مهانة للممارسة الجنسية المؤطرة ليتحول المجال الحضري نفسه إلى سلاح إبادة رمزية يمارس من خلاله تدنيس الهوية وسحق الكرامة الوطنية.
الوقوف عند زنقة سيدي عبد الله ش في قلب حاضرة تونس ليس وقوفا عند زقاق ضيق منزوي بل هو مواجهة صريحة مع واحدة من أحقر آليات المسخ الاستعماري فهذا الاسم الشريف لا يعود إلى نكرة بل لولي صالح ورمز صوفي زاهد شهد له العهد الحفصي في القرن 14 الميلادي بالورع والعبادة وإطعام الفقراء حيث كانت زاويته ملاذا آمنا ومأوى للتزكية والسكينة قبل مجيء المحتل الفرنسي بأربعة قرون كاملة. غير أن صلف الإدارة الاستعمارية عقب فرض الحماية عام 1881 لم يتحمل وجود هذه الحرمة الروحية في منطقة تماس بين المدينة القديمة والحاضرة الأوروبية فعمد بتواطؤ بيروقراطي خبيث إلى عزل البغاء وتأطيره داخل هذا الزقاق الملتوي لحماية أجساد جنوده ومستوطنيه من الأمراض السارية وعلى رأسها الزهري.
وجاءت قوانين حكومة فيشي عام 1942 لتطبخ هذه الجريمة بلغة أمنية صريحة محولة اسم الولي الزاهد في السجلات الرسمية إلى مرادف نفعي رخيص لماخور خاضع لرقابة الشرطة والطبابة.
ولم تكن تلك صدفة عمرانية بل كانت رغبة عارمة في لطخ القداسة بالرذيلة وشحن الاسم الشريف بوصمة اجتماعية حارقة استمرت تغرس خنجرها في المخيلة الشعبية حتى هاجم الجماهير الغاضبة هذا الأوكار وأزالوا اللوحة الفلزية في 18 فيفري 2011 ليبقى هذا الموقع مع ماخور باب الخوخة بصفاقس شاهدين على عفونة الإرث الاستعماري وبشاعته.
ولم يكن نهج زرقون الملاصق بأقل تعرضا لهذه المقصلة الاستعمارية التي سعت إلى دك المفاصل الفكرية للحاضرة.
كنية زرقون ليست مجرد لفتة جغرافية بل هي سلالة مجدوفقه وأدب أندلسي عريق انحدرت من إشبيلية وقرطبة وأنجبت قمم الفكر المالكي كالشيخ الفقيه أبي بكر بن زرقون والعلامة الكبيرة أبي الحسين ابن زرقون شيخ المالكية في عصره وصاحب كتاب المعلى في الرد على كتاب المحلى لابن حزم وهو العالم الفذ الذي تتلمذ على يديه سلطان العارفين محيي الدين بن عربي والشيخ العشاب أبو العباس ابن الرومية والحافظ ابن دحية وسار على نهجه القاضي إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي.
وعقب التهجير الموريسكي الفاجع حمل آل زرقون شعلة العلم والعمارة إلى تونس وأطلقوا اسمهم على هذا النهج ليكون معلما للعطاء والفضل لكن التوحش الاستعماري مع بدايات القرن 20 نزل ببطشه على الأطراف المتردية المتاخمة لحي الحارة ليلتهم أجزاء واسعة من نهج زرقون ويضمها قصرا إلى نطاق الحي المحظور محولا دلالة بيت العلم والحديث الأندلسي في الذهنية العامة إلى حاشية دنية ملحقة بهامش البغاء والتهميش.
ولم يكتف العقل الاستعماري بانتهاك حاضرة تونس بل امتد نهجه المسعور ليشيد صرحا متكاملا للتدنيس البشري والمكاني في المغرب عبر إنشاء حي بوسبير في الدار البيضاء فهذا الاسم الذي يتحدر في أصله من تحريف لغوي لاسم الدبلوماسي بروسبر فيريو تحول عام 1924 بقرار من المقيم العام أوبير ليوتيه والمهندس هنري بروست والمصمم إدمون بريون إلى معسكر اعتقال جنسي واستشراقي بمساحة 160 في 150 مترا تحيط به أسوار عالية كالسجن وبوابة حراسة مشددة.
وفي ذروة الصفاقة والإهانة الرمزية تعمدت السلطات الاستعمارية تسمية الأزقة الداخلية لهذا الماخور المغلق بأسماء عواصم الفقه والجهاد والتاريخ المغربي كشارع الفاسية وشارع المراكشية وشارع الدكالية.
وتحول هذا الجحيم البشري الذي استغل مئات النساء تحت الرقابة الأمنية والصحية إلى مادة لبطاقات بريدية التقاطها المصور العسكري مارسيلان فلاندرين ليبيعها للمستوطنين رابطا اسم فاس ومراكش بدنس الاستعباد الجسدي وهو العار الذي استمر يلطخ وجه المدينة حتى أغلق الحي بالقوة تحت ضربات المقاومة الوطنية والوعي الشعبي في أفريل 1955.
هذه الهجمة الاستعمارية الشرسة تكررت بسعر أكبرها في الجزائر وتونس عبر آليات هدم ممنهجة كما حدث للمحيط العمراني لزاوية الولي الصالح سيدي علي عزوز في تونس وهو عالم التصوف في القرن 17 ومؤسس ثكنة ومستشفى حمودة باشا حيث أدى القصف الجوي عام 1942 وتهميش المنطقة إلى تحويل محيطها الروحي إلى ساحة الخربة التي افترستها التجارة العشوائية والوظائف المتردية.
أما في الجزائر فقد بلغ الصلف ذروته حين اقتحم جامع كتشاوة العتيق وحوّل قسرا إلى كنيسة القديس فيليب واستبيحت المقامات المحيطة بزوايا الطرق الصوفية كالتجانية لتركيز الثكنات والحانات في محاولة خبيثة لانتزاع مهابة الدين وقتل روح المقاومة عبر تدنيس المجال الحرام.
تتأسس سوسيولوجيا إزاحة المعنى على تحطيم المضمون التاريخي للعلامة اللغوية حيث يجري بتر الاسم عن جذوره القدسية والروحية ليشحن قسرا بوظيفة أمنية وبغاليز نفعية تجعل من اسم الولي والعالم مرادفا للرذيلة والوصمة.
أدى هذا العدوان إلى إنتاج تواطؤ اجتماعي خائف ومكبوت حيث اضطر المجتمع والمؤرخون إلى صمت متحاش تجنبا للحرج مما سرّع القطيعة التاريخية وجعل الأجيال الجديدة تتلقى هذه الأسماء مقترنة بالإهانة.
ولا تقف الفاجعة عند حدود ما اقترفه المحتل بل تتجاوز ذلك إلى الجريمة النفعية التي ارتكبتها مؤسسات الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال والتي أبقت على هذا الاستغلال البشري والمكاني تحت عناوين التنظيم الصحي دون أن تملك الشجاعة الأخلاقية لتطهير المجال أو نفل هذه الأنشطة إلى أزقة محايدة أو إعادة الاعتبار لأسماء العلماء والأولياء.
مواجهة هذا التوحش العمراني والرمزية الاستعمارية لا تستدعي مجرد تباك تاريخي بل تقتضي شن حرب توثيقية لا ترحم لتفكيك أركان الجريمة وإعادة كتابة تاريخ المدينة بعين ثورية.
سيدي عبد الله قش وآل زرقون ورجال التصوف والفقه لم يكونوا يوما سماء لأزقة محظورة أو أسماء في أجهزة الشرطة بل كانوا مشاعل حضارة وفكر أضاءت الغرب الإسلامي و استعادة الذاكرة الحضرية لن تتم إلا بخلع غطاء الزيف الاستعماري وفضح الاستمرارية المؤسسية التي كرست هذا العار ليعاد الحق إلى نصابه وتسترد الأسماء حرمتها ويتطهر وجه المدينة العربية من آثار ذلك العدوان اللئيم.
مواخير فرنسا في أزقة الأولياء: سيدي عبد الله ش و آل زرقون من منابر الفقة إلى حقول الرذيلة
2026-07-31
32 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال