بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التبعية البذرية و الجينية في تونس

2026-07-31 105 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التبعية البذرية و الجينية في تونس
حين تفتح سفر التاريخ الزراعي لهذه الأرض الممتدة من قرطاج إلى أعماق الصحراء تجد نفسك أمام إحدى أكبر الفجائع الإنسانية والجيوسياسية في حوض المتوسط.
أمة كانت تسمى مطمور روما وكانت تملك أقدم وأعظم مدونة أغرونومية في التاريخ الإنساني أورثها إيانا ماغون القرطاجي تحولت في غفلة من الزمن والسياسة إلى مجرد مستعمرة جينية ومستهلك مكسور جناح الإرادة يرجو بذور قوته اليومي من خزائن المجمع الصناعي الغربي المتعدد الجنسيات.
ما جرى للمنظومة الفلاحية التونسية على مدى أربعة عقود متواصلة هو عمل بربري مكتمل الأركان استهدف تصفية السيادة الغذائية الوطنية عبر مقصلة التبعية البذرية والجينية ليتحول رغيف التونسي وطبقه وحليبه إلى محاصيل مرتهنة في بورصات شيكاغو ومخابر الشركات الاحتكارية.
السيادة لا تجزأ والأمة التي لا تملك بذور أرضها ولا تتحكم في المادة الوراثية لحيواناتها ونباتاتها هي أمة تجلس على ركبتيها منتظرة الإعدام الممنهج عند أول أزمة جيوسياسية أو جائحة بيولوجية عابرة للحدود.
تفكيك هذه الجريمة يقتضي التوقف الصارم عند الأرقام التي تحاول الدوائر الرسمية دفنها تحت ركام التقارير البيروقراطية، ففي قطاع الخضروات والزراعات المروية انحسرت نسبة اعتماد الفلاح التونسي على بذوره المحفوظة ذاتيا من 65 بالمئة عام 1975 إلى الحضيض المطلق عند أقل من 25 بالمئة بحلول عام 2004 لتصل اليوم إلى حالة انقراض كامل في محاصيل الهجن الحديثة بعد أن تجاوزت نسبة التبعية استيرادا بين 95 و98 بالمئة في الطماطم والفلفل والدلاع والقثائيات.
تم استعباد الأرض والمزارع بهجن الجيل الأول المسماة أف1 وهي بذور معطوبة جينيا ومحكومة بظاهرة الانعزال الوراثي التي تجعل أجيالها اللاحقة عقيمة أو مشوهة مما يجبر الفلاح سنويا على دفع الجزية بالعملة الصعبة الموردة في نزيف مالي مباشر يتجاوز 150 مليون دينار سنويا يذهب حصرا لصالح كارتيلات الجينات العالمية.
تتسع هذه الهوة السحيقة لتنعكس على الميزان التجاري الغذائي بأكمله والذي بات يسجل عجزا يتردد في سنوات الجفاف عند مستويات قياسية مرعبة تتجاوز 2.5 مليار دينار بسبب ارتهان البلاد للحبوب والأعلاف الموردة التي أفرغت الخزينة الوطنية وصادرت القرار السياسي الاستقلالي.
ولم تكن محصنة من هذا الانتحار الأغرونومي قلعة القمح التونسي، المهد التاريخي لتنوع القمح الصلب في العالم
إذ أقدمت سياسات التكثيف الريعي منذ ثمانينيات القرن الماضي على تهميش الأصناف الوطنية الأصيلة والأسطورية التي قاومت الجفاف والملوحة والآفات لقرون طوال مثل صنف محمودي وبسكري وعويجة وحميرة وشيلي وجناح الخطيفة وبيدي وورد بلاد واستبدلت هذه الجواهر الجينية المتأقلمة مع مناخ المغرب العربي بأصناف حديثة قصيرة الساق ومستوردة صيغت لتقبل الإدمان على الري المكثف والأسمدة الكيميائية فإذا ما تعرضت لأقل إجهاد مائي أو ضربة فطرية سقطت وانهارت المحاصيل.
ورغم أن المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس سجل أكثر من 128 صنفا فإن هذه الإنجازات بقيت حبرا على ورق ومحاصرة إداريا لحساب لوبيات الاستيراد ليظل الأمن الغذائي التونسي مكشوفا ومرتهنا لسفن التوريد القادمة من خلف البحار.
وفي قطاع الزيتون والأشجار المثمرة يتجلى جنون التكثيف التجاري الأعمى من خلال الاندفاع نحو الغراسات الفائقة التكثيف بكثافات تتجاوز 1250 شجرة في الهكتار الواحد قائمة بالكامل على أصناف أجنبية وافدة كأربيكينا وأربوسانا الإسبانية على حساب أصنافنا التاريخية الكبرى كالشملالي والشتوي.
هذا التحول يمثل جريمة بيئية ومائية مكتملة الأركان حيث تستنزف هذه الأصناف الأجنبية مياه الري بمعدلات تفوق الأصناف المحتفظ بها بنسبة 300 بالمئة مما يتسبب في تدمير مائي شامل ومسار نضوب مروع للطبقات الجوفية بلغت نسبته في الوسط والجنوب التونسي أكثر من 140 بالمئة.
تتكرر المأساة نفسها في قطاع القوارص عبر تهميش البرتقال المالطي الأصيل وفي الأشجار المثمرة عبر استبدال المشاتل المحلية بأصول أوروبية مبكرة الإزهار تموت مع أول ضربة صقيع ربيعي بينما فرضت السياسات في واحات الجنوب زراعة أحادية الصنف مرتهنة كليا لدقلة النور الموجهة للتصدير، مستبعدة عشرات الأصناف الواحية المقاومة
كالعماري والكسباوي والفطيمي والحموري مما جرد الواحة من مناعتها الإيكولوجية وجعلها عرضة لسوسة النخيل الحمراء وعنكبوت الغبار وتملح التربة.
أما في قطاع الثروة الحيوانية فنحن أمام مذبحة وراثية حقيقية بلغت حد التصفية المنهجية للسلالات البقرية المحلية الأصيلة كبرون الأطلس وشقراء الوطن القبلي عبر تهجين عشوائي واستبدال قسري بسلالات أوروبية
كالهولشتاين والمونتبليارد حتى تراجعت النسبة النقية للسلالات المحلية إلى رقم كارثي لا يتجاوز 2.56 بالمئة من إجمالي القطيع الوطني.
استبدلت الأبقار المحلية الصبورة والمقاومة للأمراض بكائنات مائعة تفتقر للمناعة وتتطلب طاقة تبريد عالية والأهم من ذلك أنها مبرمجة على استهلاك الأعلاف المركزة المعتمدة على كسبة الصويا والذرة البيضاء المستوردة بالكامل من الأسواق الدولية بحجم توريد سنوي ضخم يبلغ 1.2 مليون طن وبفاتورة مالية ثقيلة تقفز سنويا لتتجاوز 1.8 مليار دينار.
هذه الفاتورة تلتهم وحدها زهاء 60 بالمئة من تكلفة إنتاج الحليب واللحوم الحمراء مما جعل التغذية اليومية للشعب التونسي رهينة مباشرة لتقلبات أسعار الصرف وبورصات شيكاغو وتدفقات البضائع الأجنبية.
وهنا نصل إلى الشق الأشد خطورة والمسكوت عنه في هذه الكارثة الوطنية فهذا الخراب لم يأت بمحض المصادفة التقنية بل كان نتيجة هندسة استعمارية جديدة التقت فيها إملاءات المؤسسات المالية الدولية وبرامج الإصلاح الهيكلي في ثمانينيات القرن الماضي مع مصالح طبقة نافذة من سماسرة التوريد وممثلي الشركات الأجنبية في الداخل.
اشترطت الديون الخارجية تفكيك منظومات الحماية الجمركية والحد من دعم البذور الوطنية لتتحول الدولة إلى حارس لإنفاذ مصالح الشركات الاحتكارية.
وجاء القانون رقم 99-42 المؤرخ في 10 ماي 1999 والمتعلق بالبذور والشتلات والابتكارات النباتية ليكون المقصلة التشريعية التي حظرت البذور الفلاحية الأصيلة عبر فرض معايير أوبوف الدولية الصارمة القائمة على التميز والتجانس والاستقرار وهي معايير مفصلة خصيصا على مقاس المنتجات الجينية للمخابر الأجنبية وتجرم بوضوح البذور الفلاحية التاريخية ذات التنوع التطور المفتوح مما أدى إلى اقتطاع 20 بالمئة من مجمل قيمة الإنتاج الفلاحي التونسي لصالح شراء المدخلات والشتلات الموردة بالعملة الصعبة.
ويتواصل الصمت المريب حين نرى الثروات الجينية التاريخية التونسية خاضعة للنفي والاحتجاز داخل بنوك الجينات الدولية في عواصم العالم حيث تشير المعطيات الموثقة إلى وجود آلاف الاعتشابات النباتية التونسية الموزعة في الخارج بواقع 3401 اعتشاب في أستراليا تختص بالمراعي والبقوليات و1476 اعتشابا في الولايات المتحدة الأمريكية تشمل الحبوب والخضروات الأصيلة و1420 اعتشابا في اليابان و630 اعتشابا في ألمانيا و551 اعتشابا تاريخيا في معهد فافيلوف بروسيا ناهيك عن مئات الاعتشابات الأخرى الموزعة في إسبانيا وفرنسا والتشيك والمملكة المتحدة.
ورغم أن البنك الوطني للجينات التونسي المنشأ بموجب أمر أوت 2003 والمفعل عام 2009 يحتفظ بنحو 30 ألف اعتشاب جيني واسترجع أكثر من 1600 اعتشاب حبوب وانضم لبروتوكول ناغويا عام 2021 إلا أن نشاطه يظل مكبلا بالمحدودية المالية واللوجستية وحبيس الغرف المبردة التي لا تكتسب قيمتها الاستراتيجية إلا بالعودة الحية إلى تراب الحقول.
وفي مقابل هذا الانسداد الهيكلي تبرز النماذج المجتمعية المستقلة كشرارات أمل تضيء عتمة هذه التبعية مثل تجربة الشركة التعاونية للخدمات الفلاحية للا قمر البية بمنطقة زغوان.
هذا النموذج الفلاحي النسائي الرائد خاض معركة استعادة السيادة البذرية عبر الشراكة مع البنك الوطني للجينات لإحياء وزراعة صنف القمح الصلب التاريخي محمودي في دورات زراعية متكاملة مع التابل تحت أشجار الزيتون.
أثبت الصنف محمودي قدرة خارقة على الإنتاج البيولوجي دون حاجة لأي أسمدة كيميائية أو مبيدات فطرية بفضل مناعته الطبيعية ضد مرض الصدأ الأسود وتحمله للجفاف القاسي دون استنزاف للمياه الجوفية والأهم من ذلك أن التعاونية نجحت في بناء دورة إنتاجية وتصنيعية مغلقة تحول المحصول إلى كسكسي وبولغور حرفي حاصل على شهادات التجارة العادلة والإنتاج البيولوجي مع تمكين المزارعين من غربلة بذورهم وتخزينها ذاتيا للسنة التالية مما كسر سلاسل الارتهان لشركات البذور وأثبت عمليا أن استعادة السيادة الجينية هي خيار ممكن ومربح ومستدام.
الخروج من هذه الهاوية لا يكون بالتمني ولا بالبلاغة الخطابية بل بفرض استراتيجية تحرر أغرونومية قاطعة تقوم على خمسة حلول صلبة ومباشرة.
أولها ثورة تشريعية عاجلة تكسر قيود القانون رقم 99-42 عبر مراجعته الشاملة وإلغاء الارتهان لمعايير أوبوف الغربية مع إحداث سجل وطني مواز خاص بالبذور الأصيلة والفلاحية يضمن التراخيص القانونية الكاملة لتداولها وتكثيرها وتسويقها تجاريا بحرية تامة بين المزارعين.
وثانيها إطلاق برنامج قومي لإعادة هيكلة منظومة الأعلاف عبر تخصيص 300 ألف هكتار لزراعة البقوليات الجافة والرعوية كالفول والحمص والجلبانة والشعير المحلي المقاوم للجفاف مع إقرار حوافز ضريبية للمربين الذين يستغنون عن الأعلاف المركزة الموردة مما يتيح تقليص واردات الصويا والذرة بنسبة 40 بالمئة خلال ثلاث سنوات يسنده برنامج عملي للتهجين الرجعي لاستعادة وتكثير السلالات البقرية المحلية مثل برون الأطلس وشقراء الوطن القبلي.
أما الحل الثالث فهو تحويل البنك الوطني للجينات من مؤسسة حفظ مبردة إلى هيئة تنفيذية ميدانية تؤسس 24 بنك بذور مجتمعي حقيقي بواقع بنك حقل في كل ولاية تتولى إدارة برامج التربية التشاركية للبذور بين الباحثين والفلاحين في التراب الحي مع رصد اعتمادات مالية سيادية لاسترجاع باقي الاعتشابات الوطنية المحتجزة في معهد فافيلوف وفي بنوك أستراليا وأمريكا وأوروبا وإعادتها فورا لدورة التكثير الميداني.
ويتمثل الحل الرابع في إعادة توجيه 30 بالمئة من اعتمادات صندوق النهوض بالفلاحة نحو تمويل الشركات والتعاونيات الخدماتية على غرار تجربة للا قمر البية وتوفير تجهيزات الغربلة والتخزين الذاتي لبذور القمح الصلب الأصيلة مثل محمودي وبسكري مع إلزام الدولة بشراء هذه المحاصيل بأسعار تفاضلية تزيد بنسبة 20 بالمئة عن أسعار الحبوب الموردة تشجيعا للاستقلال الجيني.
يجب فرض رسم حماية سيادي بنسبة 15 بالمئة على كافة واردات البذور والشتلات الهجينة والمبيدات والأسمدة الكيميائية وتخصيص حصيلته المالية لتمويل صندوق وطني مستقل لدعم البحث العلمي الزراعي والسيادة البذرية.
إنها معركة استقلال ثاني لا خيار فيها ولا مهادنة فإما أن نملك بذور أرضنا ونأكل من زرع أيدينا أو ننتظر الزوال المحتوم في مهب جغرافيا عاتية لا ترحم الضعفاء ولا تعترف بالمستعمرين جينيا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال