بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ذاكرة الموريسكييين...إعادة تشكيل تونس

2026-07-24 146 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ذاكرة الموريسكييين...إعادة تشكيل تونس
لم تكن الفاجعة التي ألمت بشبه الجزيرة الإيبيرية في أواخر القرن الخامس عشر مجرد انكسار عسكري لطرف أمام آخر بل كانت زلزالا حضاريا اقتلع جذور وجود عربي إسلامي امتد لقرون.
في الثاني من جانفي عام 1492 ميلادي الموافق للثاني من ربيع الأول عام 897 هجري انطوت الصفحة الأخيرة من ذلك التاريخ العريض بسقوط غرناطة آخر القلاع المنيعة التي انكمش فيها الوجود الإسلامي تحت حكم بني نصر المعروفين ببني الأحمر.
كان هذا الانهيار نتيجة حتمية لحصار عسكري واقتصادي خناقي فرضته قوات التاج الكاثوليكي المشترك للملك فرديناند الثاني ملك أراغون وزوجته الملكة إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة.
قطعت تلك القوات شرايين الإمداد عن المدينة المحاصرة برّا وبحرا وعزلتها تماما عن عمقها المغاربي الذي كان يترنح بدوره تحت وطأة الضعف والشتات.
وأمام غائلة الجوع والإنهاك وسعيا لحقن الدماء وقّع آخر ملوك غرناطة أبو عبد الله محمد الصغير الملقب بالغالب بالله وفي المصادر الغربية ببو عبديل معاهدة الاستسلام في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1491 ميلادي.
وضمت المعاهدة سبعة وستين شرطا كفلت ظاهريا للمسلمين أرواحهم وأموالهم وحريتهم الدينية وسحبت لهم خيار الهجرة الاختيارية نحو شمال إفريقيا.
غير أن النوايا الكاثوليكية سرعان ما انكشفت عن تنصل كامل من الوعود لتتبدل بعهود التنصير القسري ومصادرة الأوقاف وبداية رحلة التشريد الكبرى.
وفي غمرة هذه التحولات المأساوية تتداخل المسميات في الأدبيات التاريخية والأنثروبولوجية لوصف هؤلاء المقتلعين من أرضهم مما يتطلب تمييزا معرفيا عميقا بين مفهومين حواريين: المور والموريسكيون.
يعود مصطلح المور إلى جذور لاتينية قديمة أطلقها الرومان على سكان إقليم موريتانيا القديم في شمال غرب إفريقيا ثم توسع الإسبان والأوروبيون في استخدامه ليشمل كافة المسلمين من عرب وأمازيغ ممن فتحوا الأندلس واستوطنوها منذ عام 711 ميلادي حيث كان القوام الأساسي للجيش الفاتح يتألف من العناصر الأمازيغية المنطلقة من القيروان عبر محطة طنجة بقيادة طارق بن زياد.
أما مصطلح الموريسكيين فهو تشكيل لغوي تصغيري نبت في أحضان القانون واللسان الإسباني ليشار به إلى المسلمين الأندلسيين الذين آثروا البقاء في إسبانيا بعد سقوط غرناطة وجرى إرغامهم على اعتناق الكاثوليكية بمراسيم ملكية. عاش هؤلاء الموريسكيون حياة ازدواجية مريرة
يظهرون النصرانية أمام أعين محاكم التفتيش البطاشة ويمارسون إسلامهم ولغتهم العربية سرا خلف الأبواب المغلقة في بيوتهم حتى حل قرار طردهم النهائي والكامل في مطلع القرن السابع عشر.
لم تكن الهجرة الأندلسية نحو الإيالة التونسية نفقا واحدا أو حدثا طارئا بل تدفقت في أمواج متعاقبة كانت ترتفع وتخبو بمدى اشتداد حركة الاسترداد المسيحية في إسبانيا.
بدأت الموجة الأولى خلال العهد الحفصي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر ميلادي إثر سقوط الحواضر الكبرى بشرق الأندلس مثل بلنسية عام 1238 ميلادي وإشبيلية عام
1248 ميلادي وضمت هذه التدفقات المبكرة صفوة العلماء
والفقهاء والنبلاء والشعراء والأطباء ورجال الإدارة المهرة. أما الموجة الثانية فقد تفجرت مع سقوط غرناطة عام 1492 ميلادي وامتدت طوال القرن السادس عشر مع اشتداد غلواء محاكم التفتيش ومصادرة الأراضي وحملت معها الأعيان والتجار والعلماء والعائلات الثرية المتمسكة بأصولها الثقافية العربية.
ثم جاءت الموجة الثالثة والكبرى وهي طوفان الطرد العام الممتد بين عامي 1609 و1614 ميلادي عقب صدور مرسوم الطرد الجماعي النهائي من قبل الملك فيليب الثالث في سبتمبر عام 1609 ميلادي حيث قذف بمئات الآلاف من الفلاحين والمهندسين والصناع وأصحاب الحرف الدقيقة ممن يتحدثون الإسبانية نحو السواحل المغاربية.
كان اختيار الموريسكيين للإيالة التونسية نقطة التقاء بين قدر مهجر يبحث عن مرساه الأخير ورؤية استراتيجية لبناة دولة يحتاجون لدم جديد فالبلاد التونسية التي أنهكتها الصراعات الداخلية والحملة الإسبانية العنيفة بقيادة الإمبراطور شارلكان عام 1535 ميلادي والتي أحرقت أجزاء واسعة من العاصمة وأودت بحياة ما ينوف عن ستين ألف إنسان كانت تعاني من فراغ ديمغرافي واقتصادي حاد.
وهنا برز العقل الإداري لعثمان داي الذي أدار مقاليد الحكم الفعلي منذ عام 1598 ميلادي حتى وفاته حيث أدرك أن إنقاذ الإيالة يتطلب توطين طاقات بشرية ماهرة في الأراضي الخصبة والقرى المعطلة فأصدر أوامره الاستثنائية بفتح الموانئ وأعفى السفن التي تنقل المهاجرين من كافة الرسوم والجباية الجمركية ومنح الوافدين الحرية المطلقة في اختيار وتملك الأراضي الزراعية مجانا وبناء المدن وتأسيس المشاريع مع إعفائهم الشامل والطويل الأمد من الضرائب لتشجيعهم على الاستقرار الفلاحي الدائم.
تكاملت السياسة الرسمية مع احتضان شعبي وروحي دافئ حيث لعب الشيخ الصالح وأمين الأوقاف أبو الغيث القشاش دورا محوريا في احتواء فاجعة المغتربين يفتح لهم المساجد والزوايا ويوفر لهم المأوى والغذاء والحماية في العاصمة وأرباضها.
ولأن العقود المريرة من البطش الإسباني حرمت الكثيرين من لسانهم العربي أبدت النخبة الدينية المحلية مرونة فقهية استثنائية فأجازت للموريسكيين أداء الصلاة وقراءة القرآن باللغة الإسبانية لعدم إتقانهم العربية وترجمت لهم الكتب العقدية لتثبيت إسلامهم ومساعدتهم على الاندماج السريع. وعلى الرغم من هذا الاستقبال الدافئ شهدت التوازنات السياسية تحولا مع تولية يوسف داي مقاليد الحكم في أوت عام 1612 ميلادي حيث فرض نظام ضرائب جديد وألغى الإعفاءات السابقة بعد أن أثار الثراء السريع للجالية الموريسكية حفيظة بعض الأهالي.
غير أن الموريسكيين لم يستسلموا بل رفعوا شكواهم إلى الباب العالي في إسطنبول فصدر فرمان عثماني حازم من السلطان أحمد الأول في التاسع من سبتمبر عام 1615 ميلادي يأمر فيه يوسف داي برفع هذا الحيف والالتزام بالعهود السابقة وحماية الجالية الأندلسية.
انعكست المهارات المهنية للموريسكيين على خارطة توطينهم الجغرافي التي رسمتها السلطات العثمانية بدقة.
ففي حوض تونس العاصمة وضواحيها الحضرية استبقت السلطات الحرفيين والتجار والأكاديميين لبعث الحركة الاقتصادية فاستقروا في حومة الأندلس قرب باب سويقة وفي نهج المركاض وهو الاسم المقتبس من الكلمة الإسبانية ميركادو أي السوق.
وامتد استقرارهم إلى الضواحي الخصبة كأريانة وسيدي بوسعيد وباردو وهو الاسم المحرف عن اللفظ الإسباني إل باردو الذي يعني البستان الملوكي الملحق بالقصر الحفصي. أما الفلاحون وخبراء الهندسة المائية فقد وجهوا إلى ضفاف حوض وادي مجردة السفلي في الشمال الغربي لما تملكه المنطقة من تربة معطاءة ومياه وفيرة.
هناك أقاموا وشيدوا مدنا كبرى أضحت معاقل معمارية مثل تستور وطبربة والبطان والسلوقية ومجاز الباب وقلعة الأندلس حيث حولوا السهول المهجورة إلى جنات يعرش فيها الزهر وتجري فيها شبكات الري المعقدة.
ولم تتوقف الخارطة الاستيطانية عند حوض مجردة بل امتدت لتشمل شبه جزيرة الوطن القبلي وشريط الساحل التونسي ففي عام 1610 ميلادي تأسست مدينة سليمان فوق أنقاض قرية رومانية قديمة لتغدو المركز الإداري والحضري الأبرز للأندلسيين في الوطن القبلي وضمت بين جنباتها عائلات احتفظت بلغتها ولحونها الإيبيرية لعقود طويلة.
وشمل التوطين مدنا أخرى كرمبالية التي أسسها مصطفى قردناش وبلي ونابل ومنزل بوزلفة وصولا إلى زغوان التي نهضت فوق آثارات بلدة رومانية ورفراف وغار الملح ورأس الجبل وماتلين والمهدية ومساكن وسوسة.
كان هذا الانتشار الجغرافي المدروس بمثابة حزام أمني واقتصادي أحاط بالإيالة من كل أطرافها وأعاد إحياء مجالاتها الحيوية.
وعلى الرغم من الشروخ اللغوية التي خلفها القمع الإسباني في ألسنة الموريسكيين فإن النخبة الفكرية منهم أسهمت بقوة في الحراك العلمي والعقدي داخل تونس.
خط العلماء الموريسكيون عقب استقرارهم سبع مخطوطات باللغة الإسبانية تنوعت بين الأدب والتعليم الديني والمساجلات اللاهوتية الردّية على الادعاءات المسيحية وهي المخطوطات التي تتوزع اليوم بين المكتبات الوطنية في باريس ومدريد وإيطاليا وتونس.
ومن بين تلك النصوص النادرة يبرز نص الموريسكي محمد رمضان الذي سجل فيه بعمق مأساة طائفته الدينية وتأجيلهم للعبادات قهرا خوفا من البطش.
وبمرور الأيام صهر الموريسكيون تجاربهم مع المذهبين المالكي والحنفي السائدين في العهد العثماني مما أطلق حراكا فقهيا وتعليميا متبادلا أسهم في تأسيس بيوت علم دينية راسخة.
وفي الهندسة والمعمار أودع الموريسكيون روائع الفن المدجن في قلب العمران التونسي.
بنيت مدن مثل تستور وسليمان وفق النسق الإسباني المتميز بالشوارع المتقاطعة والساحات الفسيحة والبيوت ذات السقوف الخزفية المكسوة بالقرميد الأحمر والنوافذ المشبكة بالحديد الملتوي لحماية الخصوصية.
وبرز الإبداع الاستثنائي في صوامع المساجد الموريسكية التي زينت بالآجر والزخارف المعمارية المحاكاة لطراز أراغون وقشتالة والتي تتشابه بشكل لافت مع أبراج الكنائس والكاتدرائيات الإسبانية الكاثوليكية وكأنها نداء بصري محفور في الذاكرة.
وتقف ساعة تستور المعكوسة المعلقة على صومعة الجامع الكبير بتستور شاهدة على هذا الشغف الأندلسي الفريد فقد شيدها المهندس الأندلسي محمد تغرينو عام 1630 ميلادي لتكون الساعة الوحيدة في العالم التي تدور عقاربها من اليمين إلى اليسار عكس اتجاه العقارب التقليدية.
كان دورانها المعكوس يختزل حنينا جارفا لاسترجاع الزمان الغابر والعودة إلى الأندلس أو يحاكي طواف الكعبة وحركة الكتابة العربية.
وقد ظلت هذه الساعة معطلة لأكثر من ثلاثة قرون حتى قيض الله لها المهندس التونسي عبد الحميد الكوندي ليعيد إليها نبضها بين عامي 2014 و2016 بالتعاون مع جمعية صيانة المدينة وسفارات أجنبية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والصناعي أحدث الموريسكيون تحولا كبيرا في قدرات الإنتاج المحلي يتقدمه بعث صناة الشاشية التي غدت عماد التقليد الصناعي التونسي.
طور الأندلسيون هذا الطربوش عن أصله المتمثل في الطاقية الطليطلية وأدخلوا عليه تقنيات معقدة كاستخدام نبتة الكردون لعمليات التبليد والكبس وأنشأوا لها أسواقا متخصصة في قلب العاصمة مثل سوق الشواشين.
أضحت الشاشية التونسية منتجا استراتيجيا يصدر إلى سائر موانئ البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وإفريقيا مجنياً أرباحاً طائلة.
كما أنعشوا صناعة الحرير وربوا دودة القز وطوروا نسيج الأقمشة الفاخرة كالسفساري الحريري التونسي والفراشية. وبفضل إتقانهم للغات الأوروبية والدراية بأساليب المعاملات المالية المتوسطية شغل الموريسكيون مناصب مالية وإدارية رفيعة واحتكروا الشراكات الاقتصادية الكبرى مساهمين في بناء ثروات ضخمة رفعت من قدرة الإيالة المالية.
ولم يكن الأثر الفلاحي أقل شأنا فقد أحدث الموريسكيون ثورة في هندسة الري وإدارة المياه.
أقاموا السدود وحفروا الآبار السطحية والعميقة وشيدوا القنوات والنواعير المائية والهوائية لطحن الحبوب وجلب المياه ويعد سد البطان المشيد على وادي مجردة نموذجا شاخصا لمواجهة مواسم الجفاف الصيفية الممتدة من ماي إلى سبتمبر وتأمين سقي المزارع.
ونقل الأندلسيون إلى الأرض التونسية نباتات ومحاصيل كانت قد وفدت حديثا من العالم الجديد في أمريكا الجنوبية إلى إسبانيا وفي مقدمتها الطماطم والفلفل والبطاطس إلى جانب توسعهم في غراس الزعفران والمشمش والرمان والسفرجل وتطوير الألبان كصناعة الجبن التستوري الشهير. كما أدخلوا استخدام العربات الخشبية المجرورة بالدواب المعروفة بالكريطة لتسهيل نقل الأسمدة والمحاصيل وهي تقنية إيبيرية ما زالت تطوي طرقات الريف التونسي حتى اليوم.
وانسحب هذا الإثراء الحضاري على مجمل تفاصيل الحياة اليومية والفنية فقد أزهر المالوف الأندلسي ذو الجذور الإشبيلية العريقة ليصبح هوية تونس الموسيقية الرقيقة يمزج بين الموشحات والأزجال ويؤدى جماعيا في المحافل العائلية والزوايا الصوفية.
وفي المطبخ التونسي ترك الأندلسيون بصمتهم عبر أطباق حلوة أثيرية مثل كعك الورقة والسفنج والمتسمنات والعجة الحلوة والمرقة الحلوة إلى جانب الأطباق المالحات كالبناضج وهي معجنات محشوة باللحم والبيض والحلالم والنواصر والكسالس والمقرونة البيضاء.
وحتى الهندسة الداخلية للدور تأثرت بمبتكراتهم إذ أفردوا طابقا علويا يدعى العلي لتخزين مؤونة السنة من الحبوب والزيوت والمصبرات المخللة كالطرشي وخصصوا الجزء الخلفي للبيت المسمى بالكران أو البورتال للاحتفاظ بالأدوات الفلاحية والحطب وتربية الحيوانات.
هذا التميز الحضاري والثراء الاقتصادي جعل الموريسكيين في بادئ أمرهم يميلون إلى الانغلاق الأسري والزواج الداخلي صيانة لخصوصيتهم الإيبيرية وشعورا بامتلاك نمط عيش رفيع.
بيد أن مقتضيات الاندماج الاجتماعي دعتهم مع مرور الوقت إلى التقارب والتصاهر مع عائلات البلديّة وهي النخبة الحضرية والبرجوازية التقليدية الساكنة لمدينة تونس العتيقة والمستأثرة بالوظائف العلمية والدينية والتجارية الكبرى.
التقت مصالح الطرفين وتوافقت أذواقهما فالعائلات البلدية رأت في الأندلسيين شركاء يتسمون بالتحضر والرفاهية والذوق المعماري والغذائي ورغبت في دعم نفوذها المالي عبر ثروات الشاشية والحرير بينما سعى الأندلسيون لتثبيت ملكياتهم العقارية وترسيخ نفوذهم السياسي في بلاط الدايات والبايات.
وبرزت من بين الموريسكيين قيادات سياسية ومالية لعبت أدوارا مفصلية في إدارة شؤون الدولة التونسية.
من أبرز هؤلاء محمود خزندار المعروف بمحمود السرايري وهو رجل ثري ينحدر من أصول أراغونية من مدينة سرقسطة اعتلى منصب وزير المالية ورئيس الوزراء في عهد الباي حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية.
كان الباي يستشيره في أخص شؤون الحكم ومثلت عائلته جسر تواصل ومصاهرة بين الأرستقراطية الأندلسية والنخب البلدية.
وكذلك الشريف سليمان القسطلي المنحدر من بلدة قلعة النهر الإسبانية والذي كانت أسرته تعبر بكنطريراش حيث عينه الباي مديرا لمارستان العاصمة فأعاد بناءه وتحديثه وكان رجلا واسع الثراء والملكيات العقارية لعب دورا محفزا في اندماج العائلات الأندلسية في العصب الاجتماعي التونسي.

ولا تزال ألقاب العائلات التونسية المعاصرة تشكل سجلا نسبيا حيا يشهد على تلك الأصول الأندلسية والموريسكية. تتوزع هذه الألقاب بين فئتين لغويتين الأولى ألقاب ذات أصول عربية صريحة حافظت على لسانها مثل عائلة ابن عاشور العلمية الشهيرة التي قدم جدها الأول الشيخ محمد بن عاشور من بلدة فرنجوش بمقاطعة إكستريمادورا إلى سلا بالمغرب ثم استقر بتونس عام 1620 ميلادي وتخصص في صناعة الشواشي وأنجبت أعلاما كبارا كالشيخ محمد الطاهر بن عاشور وابنه محمد الفاضل بن عاشور.
يضاف إليها لقب الأندلسي والألقاب المنسوبة للحواضر كالقرطبي والإشبيلي والغرناطي والبلنسي فضلا عن ألقاب مهنية واجتماعية مثل الجورشي وبوريقة وابن موسى وابن الشيخ وابن فايزة وابن هجالة وبكيل والخميسي والتردي والحماص وزعفران والطبيب ورمتانة وصاي والكاشبي وكامش وكتلان والكوخ وملاح ودخيل وهشيش والهنديلي والتيبلي ورباح.
أما الفئة الثانية فتضم ألقابا موريسكية ذات أصول إسبانية محرفة أو لاتينية حافظت على جرسها الصوتي الإيبيري مثل الريشيكو المشتق من ري تشيكو أي الملك الصغير نسبة لأبي عبد الله الصغير والكوندي المشتق من كوند أي الكونت ومنهم المهندس عبد الحميد الكوندي وكشتيلو المنسوب إلى كاستيو أي القلعة دلالة على الأصول القشتالية ولاخوا المنحدرة من سلالة بني السراج الغرناطية بعد فرار جدها موسى لاخوا عام 1727 ميلادي من محاكم التفتيش وبلانكو وهو اللون الأبيض بالإسبانية وماركو وهو اسم لاتيني صرف ومريشكو ومركيكو نسبة للموريسكيين وزبيس الذي برز منه المؤرخ والآثاري سليمان مصطفى زبيس والكانتي المنسوب لأليكانتي وبنتيرو التي تعني باللغة الإسبانية الرسام أو المزخرف الملون ونيقرو وتعني الأسود وباتيس ودرمول ومتينش وروي.
تثبت هذه الملحمة التاريخية أن هجرة الموريسكيين إلى الإيالة التونسية لم تكن مجرد نزوح لاجئين يفرون بجلدهم من القمع والتنكيل بل كانت إعادة تشكيل حضارية شاملة لوجه البلاد.
نجح العقل السياسي العثماني والتضامن الشعبي التونسي في تحويل الأزمة الإنسانية إلى شريان تنموي أحيا الأرض الموات وبنى القرى والمدن وأسس الصناعات الرائدة وصاغ معماراً وثقافة ومطبخاً وموسيقى لا تزال تنبض في أحياء تونس العتيقة وسهول مجردة وقرى الوطن القبلي حتى يومنا هذا.
غدا الجرح الأندلسي زهرة حضارية تزين الهوية التونسية المعاصرة وتربطها برباط أبدي مع ذاكرة الأندلس المفقودة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال