بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

إكتيس ..سر الأسماك المقدسة

2026-07-23 60 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إكتيس ..سر الأسماك المقدسة
في أعمق التلافيف التاريخية لشمال إفريقيا القديم حيث يتقاطع صخب البحر المتوسط مع صمت الحجارة العتيقة يتجلى رمز السمكة لا كعنصر زخرفي عابر بل كبلورة مكثفة لذاكرة روحية وبصرية تمتد جذورها في أصل الفضاء التونسي.
هذا الشعار البصري الشهير المعروف في الأوساط اليونانية باسم إكتيس صيغ في بداياته الأولى خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين كشفرة تواصل سرية ونظام تشفير عقائدي مكثف بين الجماعات المسيحية الأولى في حقب الاضطهاد الروماني قبل أن يتبنى الإمبراطور قسطنطين الصليب كشعار رسمي للإمبراطورية.
اختزل هذا الاختصار اليوناني خماسية ألقاب يسوع المسيح حيث يرمز حرف الإيوتا لكلمة يسوع والخي لكلمة المسيح والثيتا لكلمة الله واليوبسيلون لكلمة ابن والسيغما لكلمة مخلص.
وتؤكد الشواهد الأثرية أن هذا الاستخدام رمز لميثاق إيماني مبكر يعود لمنتصف القرن الثاني الميلادي بين 150 و 200 كما يظهر بوضوح في شاهد قبر الأسقف أبيركيوس بمدينة هيرابوليس بين 192 و 212 فضلا عن توصيات الإسكندري في كتابه المربي بدعوة المؤمنين لنقش أختامهم برموز مقدسة كالحمامة والمرساة والسمكة.
وفي تطور بنيوي لاحق أضافت بعض النقوش كنقش بوستوميوس حرف النون إلى نهاية الاختصار كإشارة إلى كلمة نيكا أي المنتصر باليونانية أو نوستر أي سمكتنا باللاتينية.
ولم يكن لهذا النظام الرمزي أن يكتسب عمقه اللاهوتي والفكري لولا الحراك اللاهوتي الفسيح الذي احتضنته مقاطعة إفريقيا الرومانية والتي تمثل البلاد التونسية قلبها النابض. ففي قرطاج يقف اللاهوتي ترتليان بين 160 و 220 كأول كاتب مسيحي يربط بصراحة بين مياه المعمودية وصورة السمكة إذ كتب في مؤلفه اللاتيني عن المعمودية موضحا أن المؤمنين بصفة أسماك صغيرة ينولدون في المياه على مثال سمكتهم العظيمة يسوع المسيح ولا يتحقق خلاصهم إلا بالمكوث الدائم في تلك المياه الحية.
ويكتسب استخدام ترتليان للمصطلح اليوناني إكتين بصيغته الأصلية داخل نص لاتيني دلالة قاطعة على رسوخ هذا الشعار لدى الجماعة القرطاجية آنذاك متهما خصومه الهارطقين بالأفاعي السامة التي تجر الأسماك إلى الجفاف لتهلكها.
وعلى هذا الدرب الفكري واصل القديس كبريانوس القرطاجي المفاضلة بين الاغتسال الجسدي في الحمامات الرومانية وبين المعمودية المكتسية بنعمة الروح مؤكدا التقديس الأسراري للمياه الإفريقية.
ومع حلول القرن الرابع الميلادي واصل الأسقف أوبتاتوس الميليفي تطوير هذه الاستعارة في سجاله ضد الدوناتستيين شارحا السبب الدفين لتسمية حوض المعمودية باللاتينية باسم بيسينا وهي الكلمة التي تعني أصلا بركة الأسماك.
رأى أوبتاتوس أن الحوض يستمد هذه التسمية لأن المسيح السمكة الإلهية الكبرى يحل روحيا في مياهه بدعاء المؤمنين ليمنحها سر التجديد والخلاص مستدعيا في ذلك قصة سمكة طوبيا التي اصطيدت من نهر دجلة واستخدم مرارها لشفاء العمى وطرد الأرواح الشريرة.
ثم أتى القديس أوغسطينوس في مؤلفه مدينة الله ليتأمل صعود وهبوط المسيح حيا في أعماق هذا العالم كسمكة تسبح في لجة الموت دون أن يمسها الفساد رابطا بين السمكة المشوية وسر الشكر الخلاصي.
ولم تكن هذه المعاني مجرد أفكار مدونة في بطون الكتب بل انحفرت وتجسدت في شواهد الأرض المعمارية والفنية التونسية.
ففي أعماق دهاليز الموتى بحضرموت القديمة وهي مدينة سوسة المعاصرة امتدت الكاتاكومب لعدة كيلومترات ضامة ما يقارب 15000 قبر تعود للقرنين الثالث والرابع الميلاديين.
وقد كشفت الحفريات الآثاريةبدءا من أبحاث الكابتن دوبونت عام 1897 والأب ليدو وشبستن في مطلع القرن العشرين عن شواهد رخامية تحمل نقش السمكة مجاورة لأغصان الزيتون والحمام.
ومن أبرز تلك الشواهد نقش القبر العائد للراحلة أمانتيا والذي يضرع من أجل أن تحظى بالسلام في السمكة الإلهية وأن تحيا في مجد الله وسلام المسيح أثناء ضيافتها العابرة في التراب.
كما ضم متحف سوسة فسيفساء جنائزية استخرجت من كاتاكومب هيرميس تعود للقرن الخامس يظهر فيها دولفين ملتف حول مرساة تحيط به الأسماك في دلالة على الإبحار الآمن نحو الخلاص.
وعند الانتقال إلى منشآت العبادة البيزنطية في القرن السادس تتجلى الذروة الفنية في حوض معمودية كليبيا المكتشف في خمسينيات القرن الماضي بموقع دمنة والمعروض اليوم بمتحف باردو بتونس العاصمة.
فهذا الحوض المصمم على شكل أربعة فصوص بعمق يقارب المترين ليحاكي الصليب والقبر المقدس يتغطى بفرش فسيفسائي بديع يضم كؤوسا تخرج منها أغصان الكرمة وحماما يحمل أغصان الزيتون ودلافين وأسماكا تسبح في خلفية مائية إلى جانب النحل وزهور الزنابق البيضاء وعصارة اللبن والعسل الشاهدة على الولادة الجديدة.
وتحمل هذه الموزاييك عبارات السلام والإيمان والمحبة باللاتينية وتخلد ذكرى الأسقف كبريانوس والكاهن أديلفيوس.
وفي سبيطلة القديمة تسفر كنيسة المرسل فيتاليس العائدة للقرنين الخامس والسادس عن حوض معمودية صليبي الشكل كشفت الحفريات تحته عن أرضية فسيفسائية بحرية أقدم عهدا تابعة لفيلا رومانية حافلة بالأسماك والقشريات مما يبرهن على الممارسة المعمارية التونسية القائمة على تحويل الحمامات الخاصة والفضاءات المدنية البحرية إلى مقاصير مقدسة بعد إلباسها دلالات روحية جديدة.
وتعكس الهندسة المعمارية للأحواض الأسرارية المكتشفة عبر الرقعة التونسية تنوعا فنيا يخدم المعنى الروحي ذاته فبينما اتخذ حوض كليبيا شكل أربعة فصوص مزخرفة بالدلافين والأسماك والطيور جاء حوض سبيطلة في كنيسة فيتاليس بتصميم صليبي متداخل يحمل أكاليل الغار وأسماء المتبرعين.
وفي البقالطة بالمنستير ظهر حوض معقد متعدد الزوايا يعرض رموزا نباتية وزنابق وصليبا مركزيا محاطا بحرفي الألف والواو في حين قدمت معمودية أولاد بوسمير في صفاقس نمطا صليبيا ثنائي الفصوص يتميز بالتقشف الريفي وصليب لاتيني بسيط في القاع.
وفي موقع المصطبة بموستي أقيم حوض دائري كلاسيكي مكسو بالرخام الأبيض بثلاث درجات ترمز للثالوث
بينما كشفت بلاليس الكبرى بباجة عن حوض صغير جدا برباعي فصوص مصغر يرجح اختصاصه لعماد الأطفال.

هذه الكثافة البصرية لرمز السمكة لم تكن مجرد نتاج مسيحي محبوس في إطاره الزمني بل مثلت امتدادا وتثاقفا مع الإرث البونيقي والقرطاجي القديم.
ففي ديانة السواحل البونية كانت السمكة حيوانا مقدسا للإلهة أتارغاتيس وإلهة الخصوبة تانيت حيث كان تناولها مقترنا بوجبات طقسية تجلب البركة والوقاية.
وقد اقترنت هذه العبادات بعلامة تانيت وبرمز الكف المفتوحة الموجهة لدرء الحسد والأرواح الشريرة وهي الكف التي تحولت لاحقا عبر التراكم الثقافي إلى تميمة الخمسة. وعندما انتشرت الفنون المسيحية قيض لمدرسة الفسيفساء القرطاجية أن تعيد توظيف مشاهد البحر ونبتون والأسماك القديمة لخدمة النص الجديد عبر التأويل الروحي فتحول صيد الأسماك إلى استعارة لجمع النفوس.
وفي الممارسة الشعبية المعاصرة داخل البلاد التونسية استمر هذا الرمز العابر للأديان حيا في الذاكرة الجمعية تحت اسم الحوتة متجليا كعنصر حماية وخصوبة وطرد للعين الشريرة. ولا تزال هذه العقلية المتوارثة قائمة من خلال تعليق هياكل الأسماك المجففة أو النماذج الفضية على مداخل البيوت مجاورة لتميمة الخمسة.
ومن خلال التعبير اللفظي اليومي القائل الحوت عليك أو خمسة وحوتة في عين الحسود.
كما تحافظ العروس في مناطق الساحل التونسي على طقس تخطي سمكة حية لسبع مرات لضمان الخصوبة وجلب الخير. هذا التلاحم الثقافي يبرهن على أن الجوهر المعنوي لرمز السمكة ككائن مولود في الماء النقي العصي على النيران والشرور ظل حيا في الضمير الشعبي التونسي حيث تلاشت الصياغة اليونانية القديمة للاختصار وبقي معناه الإنساني والوقائي ينساب في مجرى الذاكرة عبر العصور.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال