بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سايكس و بيكو ..حين رُسم الوطن بالمسطرة

2026-07-22 24 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سايكس و بيكو ..حين رُسم الوطن بالمسطرة
لم تكن الخرائط الممزقة في المشرق العربي مجرد صدفة تاريخية أو شحطة قلم طافحة بالسهو على طاولات المفاوضين الأوروبيين بل كانت جريمة معمارية مكتملة الأركان صممت بدم بارد لتخليق جغرافيا مستدامة من الفشل والارتهان.
التشريح الانثروبولوجي والجيوسياسي للشرق الأوسط الحديث يكشف عن بنية استعمارية عميقة لم تبدأ مع خطوط التماس العابرة للرمال بل بدأت في العقول الامبراطورية التي نظرت إلى هذه الجغرافيا كتركة مستباحة وجسد بلا رأس.
لم يكن مارك سايكس سوى أريستوقراطي بريطاني مضطرب صاغ رؤيته للشرق من خلال رحلات استشراقية انطباعية انعكست في مؤلفاته مثل تراث الخلافة الأخير عام 1915 ودار الإسلام عام 1904 حيث تحول جهله الميداني بلغات المنطقة ومجتمعاتها إلى نفوذ استثنائي داخل وزارة الحرب برئاسة كيتشنر ولجنة دي بنسن الاستراتيجية
عام 1915.
وعلى الضفة المقابلة كان فرانسوا جورج بيكو يمثل الساطور الدبلوماسي الفرنسي المهووس بعقدة أزمة فاشودة والهادف إلى انتزاع سوريا المتكاملة كإقطاعية تاريخية لباريس.
هذان الموظفان لم يخلقا الكارثة من العدم بل كانا أداة تنفيذية لتوصيات لجنة دي بنسن التي انعقدت بين أفريل وجوان عام 1915 لتحدد بدقة مسارات النفوذ ومحاور حماية الجناح الهندي للإمبراطورية وتأمين الممرات البحرية وتوزيع الغنائم المرتقبة.
ولكي تكتمل الهندسة القاتلة كان لابد من تصفية العقل العربي وإعدام الطليعة الوطنية التي كان يمكن لها أن تفكك هذا المخطط في مهده.
وتتجلى الوحشية الاستعمارية في فضيحة وثائق القنصلية الفرنسية في بيروت أواخر عام 1914 عندما فر بيكو مذعورا مع اندلاع الحرب ودخول الدولة العثمانية الصراع تاركا خلف ألواح خشبية سرية أرشيفا كاملا يضم عروض وتعهدات النخب الفكرية والسياسية المطالبة بالاستقلال.
وبدلا من إتلاف الوثائق كما نصحه القنصل الأمريكي ستانلي هوليس تركها بيكو لقمة سائغة للقوات العثمانية التي اقتحمت المبنى في 12 نوفمبر عام 1914 بمساعدة المترجم فيليب أفندي زلزل.
تسلم أحمد جمال باشا السفاح هذه القوائم المجهزة بعناية ليطلق محاكمات عاليه الصورية وتبدأ مقصلة الإعدامات الجماعية بحق قادة الفكر القومي والديمقراطي من يوسف الهاني في 5 أفريل عام 1916 إلى مجازر 6 ماي عام 1916 في بيروت ودمشق.
فرغ الاستعمار الساحة السياسية من عقولها المفكرة بدم بارد واضعا الشعوب أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما العباءة العثمانية المتهالكة أو الساطور الانتدابي المشهر.

ولم تكن لعبة الحدود مجرد مسألة سيادة سياسية بل امتدت لتصحيح الجغرافيا وحرمان الشعوب من مقومات الحياة الأساسية عبر هندسة عطش جيوسياسي متقنة.
فعبر اتفاقية بوليه نيوكومب الممتدة بين عامي 1920 و 1923لترسيم الحدود بين سوريا ولبنان وفلسطين خضعت باريس ولندن لضغوط الحركة الصهيونية لدفع الحدود شمالا وشرقا.
جرى انتزاع سهل الحولة ومنابع نهر الأردن بالكامل والسيطرة المطلقة على بحيرة طبريا ومثلث سمخ ووادي اليرموك ليتم عزل المنظومات المائية الكبرى لبلاد الشام والعراق عن أصحابها الأصليين.
اقتطاع الأحواض المائية المشتركة لم يكن تفصيلا فنيا بل كان زراعة لعجز بنيوي دائم يضمن تحويل الكيانات العربية الناشئة إلى مجتمعات عطشى ومحكومة بالتبعية الغذائية والاقتصادية مما أجبرها لاحقا على التخبط في دوامات القروض المجلوبة من المؤسسات الدولية المشروطة ببرامج السخرة والاصلاح الهيكلي المجحفة.
وحين ننتقل من الماء إلى النفط نرى كيف حولت ثروات أعماق الأرض إلى سلاسل تكبل أيدي الشعوب وتمنعها من امتلاك مصيرها.
بدأت الصفقات بنقل ولاية الموصل الغنية بالنفط من حوزة فرنسا إلى الانتداب البريطاني في العراق مقابل منح باريس حصة ألمانيا المصادرة البالغة 23.75 بالمئة في شركة النفط التركية بموجب معاهدة سان ريمو النفطية
عام 1920.
وتوجت هذه القرصنة المؤسسية بتوقيع اتفاقية الخط الأحمر في بلجيكا بتاريخ 31 جويلية عام 1928 حين قام كالوست غولبنكيان برسم خط أحمر بقلم رصاص على خريطة المشرق الممتدة من أطلال السلطنة البائدة.
فرض الكارتيل النفطي المكون من شركة النفط الأنجلو إيرانية بي بي بحصة 23.75 بالمئة ومجموعة رويل داتش شل بحصة 23.75 بالمئة والشركة الفرنسية للبترول بحصة 23.75 بالمئة وشركة تطوير الشرق الأدنى الأمريكية التي تضم إكسون وموبيل بحصة 23.75 بالمئة إلى جانب غولبنكيان الملقب بآقا 5 بالمئة بحصته البالغة 5 بالمئة بند إنكار الذات المفروض قسرا.
هذا البند منع أي شريك من التنقيب الفردي وحظر على الدول العربية السيطرة على الدورة الكاملة للاستخراج والتكرير والتسعير وكان كل مسعى وطني للتحرر من هذه السلسلة يواجه بالانقلابات العسكرية والحصار الاقتصادي والاغتيالات السياسية.
ولم تكن الأغلال المالية بأقل قسوة من الأغلال النفطية والمائية حيث أسس الاستعمار نظاما نقديا مصمما لامتصاص الفوائض الوطنية وتحويل الكيانات الجديدة إلى أجهزة جباية لصالح المصارف الأوروبية.
تأسس بنك سوريا ولبنان عام 1919 كذراع مالي تابع للمصرف الإمبراطوري العثماني وبنك باريبا الفرنسي ليحتكر
إصدار الليرة بموجب اتفاقيات عام 1924.
واشترطت باريس إيداع معظم الاحتياطيات النقدية بالفرنك الفرنسي في الخزانة العامة الفرنسية بفائدة مضحكة لا تتجاوز 1.5 بالمئة مما أدى إلى ربط القوة الشرائية للشعوب بانهيارات الفرنك وتصدير التضخم الاستعماري إلى الداخل العربي.
وتكتمل الصورة المأساوية عبر معاهدة لوزان عام 1923 وتحديدا المواد من 46 إلى 57 التي فرضت على الكيانات العربية الناشئة سداد حصص هائلة من الدين العام العثماني
المتراكم منذ عام 1881.
اعتمد التوزيع على متوسط الإيرادات المحلية بين عامي 1910 و 1912 فتم إلزام سوريا ولبنان والعراق وفلسطين بسداد ديون سندات طويلة الأجل لخدمة المقرضين الأجانب مما رهن الموازنات العامة وأفلس الخزائن الوطنية قبل أن تبدأ سيرتها الرسمية.
ولضمان ألا تتوحد هذه الشعوب المفقرة ضد جلاديها عمد المستعمر الفرنسي إلى تفتيت الجغرافيا البشرية وإعادة تمفصل المجتمع على أسس طائفية وإثنية مسمومة.
جرى تقسيم بلاد الشام عام 1920 إلى دويلات تضم دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز ولواء الإسكندرونة وإعلان دولة لبنان الكبير.
ولم يقف الأمر عند الخرائط بل تعداه إلى تأسيس القوات الخاصة بالشرق داخل المؤسسة العسكرية حيث اعتمد التجنيد الانتقائي الموجه للأقليات الدينية والإثنية مع استغلال عزوف نخب المدن عن الخدمة العسكرية.
تحول الجيش من مؤسسة انصهار وطني إلى أداة هيمنة فئوية مما جعل الطوائف الريفية المهمشة ترى في المؤسسة العسكرية السلم الوحيد للصعود السياسي والاجتماعي. وهكذا زرع الاستعمار بذور الانقلابات العسكرية الدامية وأنشأ أنظمة أمنية شمولية تحكم باسم الخوف وتقتات على الهويات القاتلة لتبقى الدولة حارسا مدججا بالسلاح يحمي السلطة من المجتمع بدلا من أن تعبر عن إرادته.
وحين اندلعت ثورة عام 1920 الكبرى في العراق واجتمعت العشائر الشيعية والسنية والكردية على رفض الانتداب البريطاني اخترع وينستون تشرشل بالتعاون مع قائد سلاح الجو هوغ ترينشارد عقيدة التحكم الجوي السيئة السمعة. استبدلت القوات البرية بأسراب الطائرات القتالية لإخضاع الشعوب بأقل التكاليف المالية.
وقاد قادة من طينة آرثر هارس الشهير بهارس القاذف السرب 45 لمحو قرى كاملة في ريف العراق وجبال كردستان خلال 45 دقيقة فقط مع استخدام القنابل الحارقة والمؤجلة والتوصية باستعمال الغازات السامة كغاز الخردل ضد من وصفهم تشرشل بالقبائل غير المتحضرة.
كانت هذه العقيدة الدموية هي الحجر الأساس الذي قام عليه مفهوم الدولة الأمنية الفائقة في المنطقة حيث يتعلم الحاكم كيف يقصف شعبه من الجو ويبسط استقراره بحديد العسكر ونار الطائرات.
المأساة الحقيقية الممتدة من سايكس بيكو إلى لوزان وصولا إلى حاضراتنا الراهنة لا تكمن فقط في خطط المستعمرين الأجانب بل في تواطؤ النخب السياسية والعسكرية المحلية التي ورثت هذه الهياكل المتهالكة.
تسلم الحكام المحليون هذه الخرائط المصممة للفشل وبدلا من هدمها وإعادة بناء الفضاء العربي على أسس التكامل والحرية والسيادة النقدية والمائية دافعوا عن الحدود الموروثة باستماتة وشرعنوها عبر قوانين بقاء الحدود لمواصلة نهب الثروات واقتطاع العمولات النفطية.
أعيد إنتاج سايكس بيكو بأيد عربية وأسماء محلية وتحولت الشعوب إلى رهائن داخل معازل جغرافية وأمنية تحرسها أجهزة القمع وتديرها المجموعات الملتصقة بعروشها.
بقيت الاتفاقيات الاستعمارية حية تتدفق في شرايين الأنظمة ليبقى الشرق الأوسط مكبلا ببنية طائفية ومالية وعسكرية صممت أصلا لكي لا تقوم له قائمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال