يرتبط التاريخ السياسي التونسي الحديث برباط وثيق ببيولوجيا مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة حيث تحول جسد الرئيس في أواخر السبعينيات والثمانينيات من مجرد كيان مادي إلى مختبر حي لتجريب وتطبيق المقاربات الطبية النفسية المتعارضة.
تتبدى في هذا الفراغ التاريخي أنثروبولوجيا مرض الزعيم وهي الدراسة التي تفكك كيف تماهت صحة الرئيس العقلية والجسدية مع سيادة الدولة واستقرارها.
وفي مجتمع تونسي كان ينظر فيه إلى المرض النفسي أو العصبي كطابو اجتماعي يربط بشكل قطعي بين الاعتلال النفسي والجنون فرضت جدران قصر قرطاج جدارا سميكا من الصمت والإنكار الممنهج حول تدهور القدرات الذهنية للرئيس.
هذا الإنكار لم يكن مدفوعا بوفاء شخصي فحسب بل برغبة النخبة المحيطة به في الحفاظ على شرعية النظام التي كانت مستمدة بالكامل من كاريزما بورقيبة وعقليته التحديثية. شهد القصر الرئاسي صراعا طبيا عابرا للحدود أدارته مدارس علم النفس والأعصاب التونسية والفرنسية والسويسرية والألمانية والأمريكية، فبينما كانت المدرسة النفسية السويسرية تميل إلى تشخيص بورقيبة بالاكتئاب الارتدادي الحاد والاضطراب ثنائي القطب بناء على نوبات الحزن الشديد والانعزال التي كانت تجتاحه دوريا منذ مطلع السبعينيات صممت بروتوكولا علاجيا مكثفا اعتبره الأطباء الفرنسيون والتونسيون نوعا من الاعتلال علاجي المنشأ. ويرى طبيبه الخاص ومؤسس كلية الطب بتونس الدكتور عمر الشاذلي أن هذا الإفراط العلاجي تضمن صرف أدوية ثقيلة ومضادات اكتئاب قوية ومثبتات للمزاج دون أساس علمي رصين.
أدت هذه التداخلات الكيميائية غير المتناسقة إلى إدخال الرئيس في دوامة من التفكك الإدراكي والبارانويا المرضية وضياع الذاكرة قصيرة المدى ليتحول الجسد الرئاسي إلى ساحة حرب كيميائية غير معلنة.
أدارت النخبة الطبية المحيطة ببورقيبة أزمات أرق الرئيس الحاد عبر ترسانة من المركبات الكيميائية التي تفاوتت بين المهدئات والمنومات ومضادات الذهان.
كان عقار تريازولام المعروف تجاريا باسم هالسيون وهو بنزوديازيبين قصير المفعول يمنح للسيطرة على الأرق الحاد وإحداث النوم السريع لكنه تسبب في فقدان الذاكرة التقدمي والهلوسة والارتباك الفجري وكان انعكاسه على السلوك السيادي مدمرا حيث كان الرئيس يوقع على مراسم وقرارات في الليل وينكرها تماما في الصباح.
وإلى جانبه كان يجرع عقار ديازيبام المعروف بالفاليوم وهو بنزوديازيبين طويل المفعول أعد لإزالة القلق والتوتر العصبي لكنه تورط في إحداث خمول حركي وتراجع القدرة على التركيز والارتياب مما انعكس على شكل عزلة عن الوفود الدبلوماسية وسقوط في النوم أثناء الاستقبالات الرسمية. كما أدخلت كربونات الليثيوم ومركبات الثيراليت كمثبتات للمزاج لعلاج نوبات الاكتئاب والهوس الدوري إلا أنها أورثته قصور الغدة الدرقية وتشويشا ذهنيا ورجفانا بنسبة قاربت 31.4 بالمائة وسببت خضوعه لفترات طويلة من الخمول السياسي تليها فترات من الهوس بقرارات غير مدروسة.
ولم تتوقف الترسانة عند هذا الحد بل أضيفت عقاقير مضادات الذهان الكلاسيكية مثل الكلوربرومازين والأمينات للسيطرة على الهياج والبارانويا فتسببت في تيبس عضلاته وتبلد مشاعره وظهور أعراض باركنسونية تجلت في جموده الحركي وتراجع قدرته الاستيعابية للملفات المعقدة.
كان لمركب التريازولام تأثير مدمر على عملية صنع القرار السياسي في قصر قرطاج ولا سيما في ساعات الفجر الأولى. فبعد زوال التأثير المنوم للعقار وبدء مرحلة أعراض الانسحاب القصير التي تسبب ارتباكا حادا ويقظة مشوشة كان الرئيس يستيقظ مدفوعا بنوبات ذعر وبارانويا مفرطة. وفي هذه الفترات جرت مراجعة وإلغاء قرارات سيادية وتعيينات إدارية حساسة.
تروي الأرشيفات السياسية أن بورقيبة وافق في أكتوبر 1987 على قائمة تحوير وزاري عرضها عليه رئيس حكومته زين العابدين بن علي ليصحو في الصباح التالي مقسما بلهجة قاطعة أنه لم يوقع على أي قرار ولم يوافق على أي تحوير. وفي ذات السياق قام بتعيين مندوب تونس لدى الأمم المتحدة ثم نسي القرار تماما بعد ساعات ليقوم بتعيين شخص ثان للمنصب نفسه مما كشف عن فجوات إدراكية هائلة استغلتها الدوائر القريبة لتوجيه الختم الرئاسي.
امتد تأثير هذه الهواجس والاضطرابات الكيميائية إلى بنية العلاقات الاستراتيجية مع الفصائل السياسية الكبرى في تونس وعلى رأسها التيار القومي والاتجاه الإسلامي.
كانت بارانويا المؤامرة التي غذتها العقاقير تدفع بورقيبة إلى رؤية محاولات الانقلاب واختراق القصر في كل حركة سياسية،ففي خضم الصراع اليوسفي التاريخي والتوتر مع القوميين تداخلت الأزمات النفسية للرئيس لتعيد تشكيل مواقفه العنيفة.
أما في ملف الإسلاميين عام 1987 فقد بلغت الهستيريا الكيميائية ذروتها إذ أصر بورقيبة على نقض الأحكام القضائية الصادرة ضد قيادات حركة الاتجاه الإسلامي وجماعة الجهاد الإسلامي وعلى رأسهم راشد الغنوشي والتي قضت بالسجن المؤبد وطالب الرئيس المهلوس بصرامته المعتادة وتحت تأثير نوبة تهيج عصبي بإعادة المحاكمة فورا لتنفيذ حكم الإعدام في حقهم مطالبا بقطع خمسين رأسا وثلاثين رأسا ورأس الغنوشي تحديدا.
هذا الهوس بالإعدام الذي حدد موعده في منتصف نوفمبر 1987 تجاوز كل الحسابات السياسية العقلانية وكان بمثابة القشة الكيميائية التي عجلت بإنهاء حكمه لتفادي حرب أهلية محققة.
مع تراجع الحضور السياسي لزوجة الرئيس وسيلة بن عمار وطلاقها رسميا بعد نفيها إثر معارضتها لبعض القرارات الرئاسية خلا قصر قرطاج لسطوة ابنة أخت الرئيس سعيدة ساسي تحولت ساسي سريعا إلى القوة الآمرة والناهية داخل القصر عبر هندسة شبكة نفوذ تحكمت بالكامل في الجسد الرئاسي وبيولوجيته اليومية.
كانت الثغرة المنزلية التي نفذت منها ساسي هي أرق الرئيس فبسبب تقدم وسيلة بن عمار في السن وإرهاقها من يقظة بورقيبة الليلية المتكررة واحتجاجه على نومها بينما هو مستيقظ اقترحت وسيلة بمرارة أن تتولى سعيدة ساسي مرافقة الرئيس والسهر معه حتى ينام.
شكلت سعيدة ساسي ما يمكن تسميته بالحريم الطبي وهو طاقم من النساء المقربات والفتيات اليافعات اللواتي تم إحضارهن إلى القصر لتأمين راحة الرئيس وإلهائه.
وبالتنسيق مع بعض الأطباء الموالين تم تنسيق جدول منظم لصرف جرعات محددة من الأدوية العصبية والمنومات لضمان بقاء الرئيس في حالة مستمرة من التبعية الإدراكية والتفتت الذهني.
كانت ساسي تتحكم في توقيت إعطاء المنوم وفي كمية الجرعات مما أتاح لها السيطرة المطلقة على جدول مقابلات الرئيس حيث كانت تعزله عن وزرائه ومستشاريه المخلصين وتسمح فقط بمرور الشخصيات والمعلومات التي تخدم أجندتها محولة رئيس الدولة إلى رهينة كيميائية عاجزة عن الاتصال الفعلي بالواقع.
فجر السابع من نوفمبر 1987 اكتملت فصول الانقلاب الطبي والدستوري الذي قاده الوزير الأول زين العابدين بن علي.
لم تكن العملية بحاجة إلى دبابات لاقتحام غرف القصر بل استندت بالكامل إلى ورقة قانونية وطبية بررت عزل الرئيس استنادا إلى الفصل 57 من الدستور التونسي.
جرت هذه العملية عبر تسخير سبعة أطباء ليلة السادس من نوفمبر حيث جلبوا على عجل بموجب أمر من وكيل الجمهورية الهاشمي الزمال الذي ترأس محاكمة الإسلاميين قبل شهرين إلى مبنى وزارة الداخلية التونسية وليس إلى قصر قرطاج حيث كان الرئيس يرقد.
شملت قائمة الموقعين الأستاذ عز الدين قديش أستاذ طب الأعصاب والطب النفسي الطبيب العسكري والمدني بمستشفى ربيع بن يوسف والعسكري والذي لم يعاين الرئيس منذ سنوات وجلب ليلا إلى وزارة الداخلية وأمره بن علي بالتوقيع قسرا والأستاذ محمد قديش أستاذ أمراض القلب والشرايين ورئيس قسم القلب بالمستشفى العسكري بتونس وهو طبيب مباشر للرئيس لكنه وقع على وثيقة العجز المعدة مسبقا تحت إشراف القلال وبن علي ووقع معهما الأستاذ الصادق الوحشي أستاذ الجراحة العامة والأعصاب بالكلية الطبية التونسية الذي جلب ضمن تسخير النيابة العامة ووقع دون إجراء فحص طبي حقيقي ومباشر ليلة الانقلاب.
وكذلك الأستاذ عبد العزيز العنابي أستاذ الجراحة وجراحة المسالك البولية بمستشفيات العاصمة الذي لم ير الرئيس بورقيبة منذ سنوات عديدة ووقع بناء على ملفه الطبي القديم والأمر العسكري.
وضمت الشهادة الأستاذ محمد بن إسماعيل أستاذ أمراض القلب والشرايين والطبيب المدني المباشر للرئيس الذي كان يزوره دوريا ووقع على الشهادة ليلة السابع من نوفمبر بمبنى وزارة الداخلية، إضافة إلى الأستاذ الهاشمي القروي أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والطبيب المدني بطاقم القصر الرئاسي الذي كان يتابع الجهاز الهضمي لبورقيبة ودعي ووقع التقرير فجرا بالتواطؤ مع المنفذين.
وأخيرا الأستاذ عمارة الزعيمي أستاذ أمراض الرئة والصدر وعضو الطاقم الطبي الاستشاري للرئيس الذي كان يزور بورقيبة عند الطلب ووقع مع بقية الفريق لإعطاء الصبغة الدستورية للعزل.
وعندما أبدى أحد الأطباء الحاضرين ممانعته للتوقيع محتجا بأنه لم يعاين الرئيس بورقيبة منذ أكثر من عامين فكيف يوقع على عزله رد عليه الجنرال بن علي بلهجة عسكرية صارمة وحاسمة أمرا إياه بالتوقيع دون تردد.
أدى هذا التسخير القسري إلى صياغة تقرير طبي يقر بعجز بورقيبة الكامل عن ممارسة مهام الرئاسة بسبب استفحال الشيخوخة وتصلب الشرايين الدماغية.
وقد ثبت زيف هذا الادعاء لاحقا من الناحية البيولوجية إذ إن بورقيبة عاش بعد عزله 13 عاما كاملة متمتعا بوظائف حيوية ممتازة لقلبه ورئتاه وجهازه الهضمي.
لم تكن الهندسة الطبية والسياسية لعزل الحبيب بورقيبة شأنا داخليا تونسيا محض بل كانت محاطة بشبكة من المصالح الاستخباراتية الدولية والإقليمية التي تقاطعت عند نقطة ضرورة التخلص من الزعيم العجوز لتفادي انهيار الدولة.
كشف الأميرال الفولفيو مارتيني رئيس جهاز المخابرات العسكرية الإيطالية أن الجهاز قام بتنظيم وتسهيل الانقلاب الطبي الدستوري بالتوافق مع السلطات الجزائرية.
وتعود جذور هذا التدخل إلى عام 1984 إثر زيارة رئيس الوزراء الإيطالي بتينو كراكسي إلى الجزائر حيث عبرت القيادة الجزائرية عن قلقها البالغ من حالة عدم الاستقرار المتزايدة في تونس وتأثيرها المباشر على أمنها القومي وأبدت استعدادها للتدخل العسكري المباشر لحماية مصالحها. ولتجنب هذا السيناريو المسلح اتفقت روما والجزائر على هندسة صعود بن علي كبديل أمني قوي قادر على كبح جماح الأصولية الإسلامية.
تزامن هذا التنسيق الإيطالي الجزائري مع تواصل مكثف بين بن علي ووزير الداخلية الجزائري الهادي خضيري الذي زار تونس قبل أيام قليلة من الانقلاب لترتيب التفاصيل اللوجستية والأمنية.
وفي المعسكر الغربي كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تتابع عبر تقاريرها السرية المرفوعة عنها السرية تدهور القوى الإدراكية لبورقيبة منذ مطلع الثمانينات.
وصفت الوثائق الأمريكية بورقيبة بأنه يعاني من خرف الشيخوخة والبارانويا المرضية وحذرت من أن استمرار عناده السياسي وتصلب مواقفه قد يجر البلاد إلى أتون حرب أهلية مدمرة ولا سيما في ظل أزمة السكرتير العام السابق للحزب الاشتراكي الدستوري أحمد بن صالح والأوضاع الاقتصادية المتدهورة.
باركت واشنطن التحرك الطبي لبن علي سريا واعتبرته خطوة وقائية لضمان استقرار تونس ومنع سقوطها في يد التيارات الإسلامية الراديكالية المدعومة إقليميا.
تتجلى المفارقة التراجيدية الكبرى في نهاية العهد البورقيبي في كون الحجج والمبررات الطبية والقانونية ذاتها التي صيغت بعناية من قبل مستشاري الرئيس ومحيطه للتخلص من خصومه وعزل رفيقة دربه وسيلة بن عمار والمتمثلة في وهن الجسد وتصلب شرايين الدماغ هي ذاتها المسوغات الدستورية التي استند إليها جنراله زين العابدين بن علي لإزاحته ونفيه.
ارتد السلاح الكيميائي والطبي الذي أدير به القصر لسنوات على صاحبه ليطوى العهد البورقيبي بنهاية تراجيدية صممها النظام لنفسه.
أمضى بورقيبة ما تبقى من عمره تحت إقامة جبرية قاسية ومهينة فرضها عليه خلفه في المنستير.
عانى هناك من العزلة المطبقة والتعذيب النفسي مما دفعه إلى محاولة الانتحار عدة مرات عبر تناول جرعات مفرطة من الأدوية التي ضبطها بحوزته طبيبه الخاص الدكتور عبد المجيد شراد.
وفي الثاني من فيفري عام 1990 وجه بورقيبة رسالة يائسة ومؤثرة بخط يده إلى ممثل النيابة العامة يشكو فيها ظروف اعتقاله وحرمانه من حريته الأساسية دون أي مسوغ قانوني. واجه النظام هذه الصرخة بصمت مطبق وصادر الرسالة التي لم تخرج للعلن إلا بعد عقود.
وفي مارس من عام 2000 ونظرا لتدهور حالته الصحية واقتراب وفاته نقل بورقيبة إلى المستشفى العسكري بتونس العاصمة واستدعيت الدكتورة سعيدة دوكي رئيسة قسم الطب النفسي بمستشفى الرازي في محاولة أخيرة ويائسة لإعادة ضبط نوم الرئيس وتخفيف معاناته مع الأرق المزمن. كان المشهد الختامي رمزيا بامتياز إذ انكمش الجسد الذي حكم تونس لأكثر من ثلاثة عقود ليرقد عاجزا تحت تأثير الأدوية النفسية والمهدئات التي صنعت مصيره ومصير بلاده تاركا خلفه إرثا سياسيا كبيرا صيغت بعض فصوله المظلمة في كواليس قصر قرطاج الكيميائية.
الجرعة الأخيرة ...عندما يصبح المرض سلاحا تسقط الجمهورية
2026-07-22
75 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال