في المسرح الجيوتاريخي لرفات الامبراطوريات المتهاوية حيث تتداخل دماء الهوامش بصخب المراكز وتتخلق السلطة من رحم الاضطراب والنزوح القسري يتكشف لنا ان فهم الظاهرة البورقيبية ودولة الاستقلال التونسية لا يمكن ان يتم عبر السرديات التبجيلية السطحية بل يتطلب تشريحا صارما ينبش في الخارطة الديموغرافية المرنة للجمارك العثمانية القديمة الممتدة بين سرت ومصراتة والساحل التونسي.
في عام 1795 وحين كانت ايالة طرابلس الغرب تغرق في بحر من الدم والجثث إثر الانقلاب العسكري الوحشي الذي قاده المغامر الجزائري الأصل علي برغل وسيطرته العنيفة على السلطة هناك عبر الحاج محمد بورقيبة الجد الأكبر للرئيس التونسي الأسبق مع أمواج المهاجرين الفارين بحرا نحو موانئ الساحل التونسي في عهد الباي حمودة باشا الحسيني.
استقرت هذه العائلة الوافدة في مدينة المنستير وتحديداً في حي شعبي سرعان ما عرف باسم حومة الطرابلسية لتصنع على مدى أكثر من 110 أعوام من الاندماج والمصاهرة والتجذر المجتمعي نسجا تونسيا خالصا سبقت ولادة الزعيم عام 1903 غير أن هذه الجذور ظلت محملة بوشم إثني واجتماعي مسكوت عنه في البنية القبلية الممتدة لكراغلة مصراتة.
تنتمي عائلة بورقيبة إلى قبيلة الدرادفة الكرغلية في مدينة مصراتة وهي كتلة قبائلية عريقة بلغ تعداد أفرادها مطلع القرن العشرين زهاء 1300 نسمة وتتوزع في المعجم النسب المغاربي على بطون وعائلات موسعة تعرف بالملحمات وتضم النواصف والرضاونة والمعاتقة وأولاد رجب والسقائف. والمفهوم الأنثروبولوجي للكراغلة يعكس ذلك التزاوج التاريخي بين رجال الإنكشارية العثمانيين المنحدرين من جغرافيا البلقان الألبانية والبوسنية أو الأتراك وبين النساء المحليات في مدن شمال إفريقيا.
وتفسر هذه الخلفية الحضرية الكرغلية النزوع المبكر لآل بورقيبة نحو الوجاهة والخدمة العسكرية والاستقرار بالمدن الساحلية كالمنستير وجزيرة جربة وهو مسار يتطابق سوسيولوجيا مع أصول الباهي الأدغم الوزير الأول الأسبق والرجل الثاني في الدولة حتى عام 1970 والذي ينحدر بدوره من قبيلة يدر المصراتية الكرغلية التي هاجرت عائلته منها في ظروف سياسية واقتصادية مماثلة.
مارست العائلة وجاهة دينية واجتماعية في المنستير عبر مؤسسة مشيخة الطرابلسية وحرص الجد الأكبر الحاج محمد بورقيبة عام 1846 في لفتة حقوقية مبكرة ذات دلالة عميقة على عتق عبيده الذين جلبهم معه من مصراتة والذين اندمجوا محليا تحت لقب آل بابا سعد ليتولى بعده ابنه محمد بن محمد بورقيبة المولود عام 1805 والمتوفى عام 1865 ترسيخ هذا الوجود العائلي كملاك زراعي ووجيه محلي.
غير أن الانكسار الطبقي والتحول الدراماتيكي سيبدأ مع والد الزعيم علي بن محمد بورقيبة الذي عاش بين عامي 1850 و1925 حيث جنّد بالقوة في جيش الباي محمد الصادق باي تحت قيادة العربي زروق ليخدم تسعة عشر عاما وتدرج خلالها من رتبة شاوش حتى نال ترقية استثنائية لرتبة ملازم.
وبالتوازي مع عسكريته تولى علي بورقيبة خطة مشيخة الطرابلسية والباب الغربي بالمنستير لمدة أربع سنوات وهي وظيفة إدارية شاقة عرضته لانتقادات واسعة بسبب صرامته في استخلاص الجباية المباشرة لصالح خزينة الباي.
ومع انتصاب الحماية الفرنسية عام 1881 تراجعت مكانة هذه المشيخات المحلية بفعل سياسات الدمج الإداري الاستعماري.
وفي عام 1917 وبموجب أمر صادر عن الوزارة الكبرى نُقلت مهام المشيخة رسميا من آل بورقيبة إلى الشيخ محمد بن أحمد السقا الذي أدار المشيخة المدمجة حتى عام 1957. هذا التحول الإداري والطبقي دفع بوالد بورقيبة إلى التقاعد براتب متواضع للغاية معيشا عائلته في فاقة مادية شديدة ألقت بظلالها على طفولة ابنه الأصغر محمد الحبيب.
في قلب هذا العوز الطبقي ولد محمد الحبيب بورقيبة عام 1903 كابن ثامن وأخير لعائلة مثقلة بالديون حيث بلغت والدته فطومة خفاشة سن الأربعين عند ولادته.
وكانت ولادته موضوع تهكم وتندر مستمر من إخوته الكبار الذين نعتوه بعبارات قاسية مثل البيضة الفاسدة أو حبة العنقود الأخيرة الصفراء والصغيرة.
ولدت هذه البيئة الأسرية في نفسه قلقا وجوديا دفينا ونرجسية جارفة وطموحا سياسيا للتعويض عن ضآلة حجمه وقامته القصيرة.
وتلقى الصدمة النفسية الأكبر بوفاة والدته عام 1913 وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره ونظرا لفقر والده أرسل إلى تونس العاصمة ليعيش كفيل ومكفول في عهدة شقيقه الأكبر محمد بورقيبة.
واجه هناك قسوة اجتماعية بالغة واضطر للمشي مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة الصادقية بحذاء مثقوب يتسرب إليه الماء رافضا طلب المساعدة.
تعرض الطفل محمد الحبيب لسادية وعنف جسدي وحشي على يد قريبه الذي كان يتولى تدريسه أيام العطل حيث كان يضربه ضربا مبرحا ويدخل في نوبات غضب جنونية تضطر معها خادمة المنزل للصراخ من النافذة لطلب النجدة مما ترك في نفس الصبي رعبا مزمنا وندوبا نفسية غائرة.
غير أن شقيقه محمود بورقيبة المترجم بوزارة العدل أنقذه من الضياع الدراسي بعد إصابته بالسل الرئوي ونقله إلى معهد كارنو حيث انفتح ذهنه على الفلسفة الوضعية لأوغست كونت وأطروحات جان جاك روسو وهنري برغسون وفيكتور هيغو.
تكشف الوثائق القضائية التاريخية أن بورقيبة سجل في البداية بمهنة المحاماة بحرية أوراقه باسم محمد الحبيب بورقيبة قبل أن يقوم بإسقاط اسم محمد والاقتصار على الحبيب لتسهيل تغلغله وتسجيله في المدارس الفرنسية الرسمية دون إثارة الحساسيات الدينية والإدارية لسلطات الحماية.
تفكيك بنية النسب والتكوين السياسي للحبيب بورقيبة يضعنا أمام شواهد متقاطعة تغذي الأطروحات التي طالما اعتبرت أصوله امتدادا بلقانيا أو يهوديا متسللا إلى جغرافيا المغاربة.
توقفت أطروحات المؤرختين صوفي بسيس وسهير بلحسن عند الجذر اللغوي للقب بورقيبة مشيرة إلى أن كلمة بورغ باللغة الألبانية والبلقانية تعني السجين وهو ما يعزز القراءة القائلة بتنقل العائلة في الحواضن العثمانية البلقانية قبل وصولها إلى طرابلس.
وتتضافر هذه القراءة مع الملامح الفيزيولوجية للرئيس من العينين الزرقاوين والبشرة الفاتحة الشديدة النقاء وهي خصائص شكلية كان بورقيبة نفسه يستحضرها أمام زوجته الفرنسية ماتيلد ومقربيه متسائلا بعجب عن السر الجيني الذي يباعد بينه وبين الملامح العربية التقليدية.
ولم تكن هذه المؤشرات سوى الغطاء لعمق أكثر تعقيدا يتصل بشبهات النسب السالونيكي وطائفة الدونمة اليونانية التي اعتمدت إظهار الإسلام وإبطان العرق والتراث اليهودي
إذ تتقاطع هذه الخافية مع قراراته الراديكالية التي ضربت البنية الدينية للبلاد عبر تفكيك جامع الزيتونة وإلغاء المحاكم الشرعية والأوقاف والدعوة الصريحة لإفطار رمضان بحجة النجاعة الاقتصادية وهي خيارات استلهمت تجربة مصطفى كمال أتاتورك المتهم بذات الجذور السالونيكية.
وتكتمل صورة هذا المسار بالتكوين المهني المبكر لبورقيبة داخل المكاتب القانونية اليهودية بدءا بمكتب أندريه شمامة وصولا إلى استقراره لأربع سنوات كاملة في مكتب المحامي سيباج وهو ما اتخذته قراءات وإذاعات قومية وفي مقدمتها صوت العرب بالقاهرة برئاسة فتحي الديب عقب خطاب أريحا المعتدل عام 1965 كدليل على وجود خلفية غير عربية توجّه خياراته السياسية.
توازت هذه المعارك مع هيمنة أرشيفية صارمة مارسها نظام بورقيبة لتصفية الذاكرة التاريخية التونسية لإنتاج سردية أحادية متمحورة حول شخصه ودوره البطولي الفريد.
فإبان صعوده السياسي وسيطرته على الحكم بعد إلغاء الملكية الحسينية عام 1957 عمل نظامه على إتلاف ومصادرة الوثائق المتعلقة بخصومه ويتضح ذلك في خلو الأرشيف الوطني من أي ملفات تخص الشيخ محمد الصالح بن مراد شيخ الإسلام والمتزعم لعريضة علماء الزيتونة مما اضطر المؤرخين للبحث في أرشيفات فرنسا وبلجيكا للحصول على وثائق تثبت أن قريبته الناشطة بشيرة بن مراد هي من قدمت الشاب بورقيبة للباي وفتحت له أبواب القصر.
وتمدد هذا السلوك الإقصائي ليشمل التصفية الدموية لتيار الأمانة العامة الموالي لصالح بن يوسف حيث لجأ بورقيبة في مستهل الاستقلال إلى عقد اتفاقيات سرية وتنسيق أمني مع قوات الاحتلال الفرنسي والجيش الفرنسي بالجنوب لتصفية المقاومين اليوسفيين باستخدام الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة لدك معاقلهم في مجازر صمت عنها التاريخ الرسمي.
وتكرر هذا العنف البنيوي عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 1962 بإعدامات جماعية طالت قادة وطنيين مثل الأزهر الشريطي.
وفي كواليس قصر قرطاج أدارت السيدة الأولى الثانية وسيلة بن عمار المشهد السياسي منذ بداية علاقتها ببورقيبة في أفريل 1943 وهي متزوجة لتتحول بعد زواجهما رسميا عام 1962 إلى مركز ثقل سياسي مواز تحكم بتعيين الوزراء والسيطرة على الأجهزة الأمنية مستغلة كبر سنه وتدهور صحته النفسية.
غير أن النهاية جاءت دراماتيكية باتخاذه قرارا مفاجئا بطلاقها عام 1986 وسحب ألقابها ومصادرة أملاكها وإلغاء التبني الرسمي للطفلة هاجر بورقيبة التي تبناها الزوجان وحرمانها من اسمه ليعيش بورقيبة سنواته الأخيرة معزولا حتى واجه انقلابا طبيا هادئا قاده وزيره الأول زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر 1987 واضعا حدا لرحلة تاريخية صاخبة انتهت بوفاته عام 2000 بعد أن امتزجت فيها أمجاد التأسيس باستبداد السلطة وتعرية الجذور.
بورقيبة ..من مصراتة إلى قرطاج
2026-07-22
44 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال