بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عام الهجّة

2026-07-21 73 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
عام الهجّة
حين تنكسر جغرافيا الوطن تحت وطأة الحديد والبارود لا تعود الأسماء مجرد كلمات مسطورة في معاهدات الهوان بل تصبح جروحا تنزف في الذاكرة الجمعية وتغير وجه الأرض والإنسان إلى الأبد.
في الحقبة الممتدة بين عامي 1881 و1882 لم تكن البلاد التونسية تشهد مجرد تحول سياسي عابر مع توقيع معاهدة باردو في 12 ماي 1881 بين إرغام محمد الصادق باي والجنرالات الفرنسيين بقيادة جول فيري والمقيم العام بل كانت على موعد مع زلزال اجتماعي عميق سمي في وجدان الناس بـ «عام الهجة».
كلمة الهجة في اللهجة التونسية ليست فرارا مذعورا ينبت من الفراغ بل هي انخلاع قسري من الرحم الترابي واستجابة وجودية وعقدية لرفض القهر الاستعماري.
اختار ما يقارب خمس السكان في لفتة تتجاوز الخوف المادي إلى مفهوم الفرار بالدين ترك قراهم وخيامهم ومراعي تاريخهم والنزوح الجماعي نحو إيالة طرابلس الغرب العثمانية محولين الحدود الشرقية إلى مسرح مأساوي لإعادة تشكيل الخارطة السكانية والعقارية للبلاد التونسية وللحدود مع ولاية طرابلس الغرب.
لم يكن الغزو الفرنسي المتدفق من أطراف الشمال مجرد حركة عسكرية خاطفة بل صدمة حضارية واجهها المجتمع القبلي باستبسال متكافئ مع قسوة الطبيعة وجنون الغزاة. فحين اشتعل الفتيل في صيف 1881 انهالت القذائف من البوارج الحربية الفرنسية بقيادة الأدميرال جارنو على مدينة صفاقس في جويلية 1881 وتلاها حصار ابس وقصفها حيث أدى الفارق الميداني في العتاد والمدفعية الثقيلة إلى سقوط آلاف الشهداء وتدمير الأحياء السكنية والمنشآت المرفئية.
غير أن الاستراتيجية الاستعمارية التي قادها الجنرالات فورجمول ولوجيرو وجاميه لم تكتف ببطش البارود المباشر بل اعتمدت عقيدة الأرض المحروقة في أقاليم الوسط والسباسب والجنوب فتداعت الخيام تحت شعل النيران واستبيحت المحاصيل الزراعية ونهبت مئات الآلاف من رؤوس المواشي والإبل لتجويع العروش وإخصاء إرادة المقاومة.
وفي المقابل تداعت العروش الأبية إلى الميعادات التقليدية فتجمعت قبائل الهمامة والجلاص ونفات والمهاذبة وماجر وأولاد عيار وورغمة والسواسي والمثاليث في ميعاد سبيطلة وميعاد القيروان وميعاد الحامة وصاغت حلفا عسكريا وسياسيا بقيادة أمير اللواء وعامل منطقة الأعراض علي بن خليفة النفاتي وبمعاونة أعيان كبار مثل علي بن عمارة الهمامي والحاج علي بن عبد الله.
ولكن أمام اختلال موازين القوى وسقوط القيروان في أكتوبر 1881 انكسر النسق العسكري للانتفاضة ولم يتبق أمام المقاومين وسكان الجنوب والوسط سوى الانسحاب التكتيكي القاسي والاندفاع نحو خط النار الأخير عبر صحراء الظاهر وسهل الجفارة.
عبرت الجموع الغفيرة المحملة بالألم والظمأ الشديد خطوط الحدود باتجاه الشتات الطرابلسي حيث قدر عدد المهاجرين التونسيين بين 100 ألف و250 ألف نسمة وهو ما يمثل سدس إلى خمس سكان الإيالة آنذاك.
وتكشف الوثائق العثمانية المحفوظة في الأرشيف الاسطامبولي تحت ترميزات دقيقة مثل Y. PRK. KOM, 3/42 عن التفاصيل الدقيقة لهذه التراجيديا الإنسانية واللوجستية.
في وثيقة مؤرخة في 8 محرم 1302هـ المواكبة للتقويم الرومي 1297/1885م تسجل الدفاتر العثمانية صرخات العائلات والفرسان الذين تدفقوا على زوارة والزاوية الغربية وطرابلس والخمس وزليتن والجبل الغربي ونالوت وغريان وبنغازي.
وقد أظهرت المراسلات المتبادلة بين والي طرابلس العثماني أحمد راسم باشا ونظارة الداخلية في أستانة استنفارا كبيرا حيث خصصت السلطات العثمانية مبالغ مالية مقدورة من صندوق بلدية طرابلس بواقع 1400 قرش سنويا للإغاثة المالية والعينية للفقراء والمعوزين المقطوعين إلى جانب توزيع الحبوب والأغطية.
وكان الشيخ علي بن خليفة النفاتي يقيم في مدينة الزاوية الغربية محولا الشتات إلى غرفة عمليات عسكرية وسياسية لإدارة حرب عصابات خاطفة ضد المواقع والقوات الفرنسية في بنردان وتطاوين بالتعاون مع السلطات العثمانية مستمرا في رفض شرعية معاهدة باردو ومقاومة الوجود الاستعماري حتى خبت أنفاسه وأسلم الروح في الزاوية في نوفمبر
1885م.
لكن المسكوت عنه الأشد إيلاما وهندسة في هذه المأساة التاريخية لم يكن يتجلى فقط في ساحات المعارك والأوبئة بل في الغرف المغلقة للمستعمر حيث حيكت الهندسة العقارية الاستعمارية لتجريد الشعب التونسي من أرضه الأزلية وتفكيك بنيته القبلية التضامنية.
استغلت سلطات الحماية بقيادة المقيم العام بول كامبون خلو البلاد من أصحابها المهاجرين المرابطين في الشتات فأصدر الباي بأوامر فرنسية مباشرة مرسوما أميريا خطيرا في 29 ديسمبر 1884 ينص على الحجز والمصادرة النهائية المعروف قانونيا بنظام السيقستر لأملاك ومكاسب الثوار والمهاجرين الذين غادروا التراب التونسي نحو ولاية طرابلس الغرب. وضعت الإدارة الاستعمارية مهلة تعجيزية تنتهي في 1 مارس 1885م لعودة المهاجرين وإعلان الخضوع وإلا صودرت جميع عقاراتهم وأراضيهم ومواشيهم وتآلت ملكيتها نهائيا لمصالح الدولة الاستعمارية لتخصص لاحقا للمستوطنين الفرنسيين والأجانب والشركات العقارية الفلاحية الكبرى.

تكاملت آليات الحجز والمصادرة مع ترسانة تشريعية مكينة صممت لانتزاع الأرض وإلغاء الملكية الجماعية التي كانت تغطي أكثر من 3 ملايين هكتار من أراضي العروش والقبائل. فبموجب قرار 1 ديسمبر 1881 ثم أمر 15 جانفي 1896 المتعلق بما سمي الأراضي الميتة ادعت الإدارة الاستعمارية ملكية الدولة لكافة الأراضي غير المستصلحة عبر تأويل مغرض وأحادي لأحكام الشريعة الإسلامية مما مكن سلطات الحماية من وضع يدها على المساحات الرعوية الشاسعة في الوسط والجنوب.
ثم جاءت الضربة القانونية الهيكلية القاضية مع قانون 1 جويلية 1885 العقاري المنظم لملكية العقارات وفق نظام الرسوم الموحدة والمعروف بنظام تورينس والذي أحدث المحكمة العقارية وإجباريّة التسجيل.
ألغى هذا القانون الحوز التقليدي والمشاع القائم منذ قرون وطالب بسندات كتابية ومسح عقاري نهائي ونظرا لغياب مالكي الأرض الأصليين في الشتات الليبي أو عجزهم عن فهم اللعبة القانونية الاستعمارية تم تسجيل مئات الآلاف من الهكتارات باسم المعمرين أو الشركات الاستعمارية مثل الشركة المارسيليّة وشركة الفسفاط وشركات الفلاحة الكبرى. وتوج هذا المسار لاحقا بأمر 23 نوفمبر 1918 الذي أخضع أراضي العروش والمجالس العرقية للإدارة العسكرية المباشرة في الجنوب التونسي.
الآثار الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية لعام الهجة لم تكن مجرد أرقام مطبوعة في الأرشيفات بل أوجاعا حفرت عميقا في اللحم الحي للأمة التونسية.
أسفر الانتقال المفاجئ لمئات الآلاف عبر الصحاري القاحلة وفي ظروف مناخية قاسية عن خسائر بشرية هائلة جراء العطش والإنهاك وحصدت الأوبئة الفتاكة مثل الطاعون والجدري والحصبة والكوليرا أرواح آلاف الأطفال والنساء وكبار السن في المخيمات الحدودية النائية.
وعلى الصعيد الاقتصادي أدت الهجة إلى شلل شبه تام في قطاعات الفلاحة وتربية الماشية في مجالات السباسب والجنوب التونسي وفرغت القرى والمداشر من أصحابها وانخفضت أعداد الثروة الحيوانية بمعدلات مهولة بفعل المصادرة والهلاك مما تسبب في مجاعات متتالية وهبوط حاد في مداخيل البلاد المالية.
لم تكن عملية وضع اليد الاستعمارية على الأرض حدثا مجردا، بل كانت إعادة توزيع هائلة للثروة الوطنية لصالح الرأسمال الفرانكوأوروبي وبعض الوكلاء المحليين حيث التقمت الشركات الماليّة الاستعمارية الكبرى المساحات المنتزعة من العروش والمهجرين وراكمت من خلالها
ثروات طائلة.
كانت الشركة المارسلية للائتمان من أوائل المستفيدين الكبار عبر استحواذها النهائي على هنشير النفيضة الشاسع الذي زاد عن 100 ألف هكتار وتلتها شركة المزارع الفرنسية بتونس والشركة العقارية التونسية وشركة المراعي والزراعات التونسية إلى جانب شركة فسفاط وسكك حديد فصة التي اقتطعت آلاف الهكتارات من الأراضي الرعوية والزراعية في الوسط والجنوب.
وعلى صعيد العائلات والنخب المعمرة تدفقت السندات العقارية والمقاطعات الفلاحية على كبار الأسر الرأسمالية الفرنسية والأرستقراطية الاستعمارية مثل عائلة دي كارنيير التي تحول عميدها فيكتور دي كارنيير إلى أحد أكبر ملاك الأراضي والموجهين للسياسة الاستعمارية وعائلة دو مونموران وعائلة دو لوابل وعائلة مانت وعائلة بوتين وعائلة دو شيزمارتان.
وفي المقابل شهدت العملية تواطؤا نفعيا لبعض البيوتات الإقطاعية والقياد المقربين من نظام الحماية والبلاط الذين استغلوا مرسوم السيقستر وغياب العروش الثائرة للاستحواذ على أراضي أسرهم وجيرانهم المهجرين بأسعار بخسة أو عبر أعطيات رسمية لقاء تثبيت سلطة الاحتلال ليتحول أولئك القياد والوكلاء إلى كبار ملاك على حساب الدماء والتهجير القسري لأبناء جلدتهم.
وفي حين اندمجت أعداد كبيرة من العائلات التونسية في النسيج الاجتماعي الليبي بمدن طرابلس والزاوية وغريان وزليتن وبنغازي وغدا الاستقرار المؤقت استيطانا دائما جمعته أواصر النسب والمصاهرة مع احتفاظ العائلات بألقابها وجذورها التونسية مثل النفاتي والهمامي والجلاصي والورغمي والتونسي فإن السنوات اللاحقة لعام 1885 شهدت موجات عكسية لعودة قطاعات من المهاجرين الذين أنهكهم النزوح والأوبئة ورغبوا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أملاكهم.
غير أن هؤلاء العائدين وجدوا أنهم قد أُسقطت حقوقهم وجُرّدوا من سندات ملكيتهم بقوة مرسوم السيقستر وقانون التسجيل العقاري مما اضطر الكثير منهم إلى التحول من مالكين ومربين للمواش إلى مجرد خماسين وأجراء زراعيين مسلوبي الإرادة في مزارع المعمرين الفرنسيين أو الاندفاع نحو أحزمة الفقر والبؤس التي بدأت تتشكل حول المدن الحضرية الكبرى كتونس وصفاقس وسوسة.
عام الهجة يقف حقيقة تاريخية وانثروبولوجية تشهد على أن استعمار الأرض لا يكتمل بالبطش العسكري وحده بل بتفكيك البنية العقارية والاجتماعية للوطن مخلفا ذاكرة جريحية ملحمية بين الشعبين التونسي والليبي لا تزال أصداؤهاتتردد في عمق الصحراء والوجدان المغاربي إلى اليوم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال