بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أقوال فاسدة لكنها رائجة

2026-07-18 103 قراءة مختلفات فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أقوال فاسدة لكنها رائجة
جلب انتباهي منشور لأحد الأصدقاء (*)، وهو قول متداول بمعانٍ قريبة، فكرته هي: من أفسدت الحرية أخلاقه، فأخلاقه فاسدة من الأساس

ولأن القولة المذكورة لاقت صدى، كما يبدو، لدى الصديق ولدى متابعيه، رغم خللها، كان ذلك دافعا لي لأن أتناول نوعية المغالطة التي بُنيت عليها، وتُبنى عليها أقوال أخرى مشابهة، ومن أكثرها تداولا القول بأن من يشتكي من ظاهرة التهتك والتبرج النسوي في المساحات العامة فعليه بغض البصر

رغم أن القولتين، حول الحرية ثم غض البصر، تبدوان مختلفتين في الموضوع، فإنهما، من زاوية أخرى، تشتركان في اعتماد الآلية نفسها للخلل المنطقي، ثم إنتاج المغالطة

--------------

أولا: كلام الحرية والأخلاق

- إذا تجاوزنا مسألة التعامل مع مفهومي الحرية والأخلاق بطريقة فضفاضة، كما تبدو في القولة، فإننا إن قمنا بتجريد أعلى لها، تصبح بمعنى: الحرية أفسدت أخلاقك، إذن أخلاقك من الأساس منعدمة أو ضعيفة. وهو كلام يمكن قوله أيضا بمعانٍ أخرى، مثل:
إن كان ضعف تزويد السوق بالألبان سببا في معاناة صحية لزوجتك المرضع، فإنها تعاني صحيّا من الأساس

أو: إن كانت رداءة الطريق تتسبب في هلاك سيارتك، فلا شك أنها من الأساس متهالكة

ما نلاحظه هنا أنه تم إزاحة موضوع الحديث من نقطة إلى أخرى، ثم، بالنتيجة، تم تحويل مركز الضغط من طرف إلى آخر، حيث كان متبني الحرية، أو المكلف بالتزويد، أو المسؤول عن الطريق، في مركز المساءلة وتحمل الضغط، لكن بإزاحة الموضوع تحولت الأدوار، وأصبح من يطالب هو محل الضغط واللوم

بالمقابل، لم يتم حلّ الموضوع المطروح ابتداء، وإنما وقع الالتفاف عليه من خلال مغالطة عمدت إلى التمويه بتناوله، لكنها لم تتوقف عنده أصلا، ونقلت زخم التفكير إلى الطرف الثاني

الرد على هذه المغالطة وإبطالها يكون بالقول:

أولًا: هذا كلام غير بديهي، وإنما القولة كلها مبنية على مجرد ممكن، وليس على ضرورة وحتمية

ثانيًا: يمكن إبطال القولة أساسا باشتراط عدم الخروج عن الموضوع، وهو أن التسيب يؤثر سلبًا في الأخلاق، وأن عدم تزويد السوق يؤثر في صحة الناس، وأن حالة الطرقات تؤثر في السيارات، ويجب تحديدا نقاش الموضوع المطروح، لا الخروج عنه بالهروب إلى مواضيع أخرى

--------------

ثانيًا: كلام التبرج وغض البصر

نلاحظ هنا أنه تم القيام بإزاحة محور النقاش، ثم تحويل ثقل مركزية المساءلة

أولًا: كان النقاش يدور حول التهتك في المجال العام، فتم تعويضه بموضوع غض البصر

ثانيًا: كان ثقل المساءلة يقع على المتهتكة في المجال العام، فتحول الثقل، وأصبح واقعا على من يشتكي من التهتك في المجال العام

ما حصل هنا أنه وقعت مناورة ومغالطة انجر عنهما أمران:

أولا: عدم نقاش الموضوع المطروح أصلا، وهو التبرج في المجال العام، وهذا يعني أنه تم تثبيت الواقع وتبريره ضمنيّا عوض تغييره

ثانيًا: أنه تم تعطيل قدرات الفعل لدى المبادر بالسؤال/الفعل، إذ انتهى به الحال، ليس فقط من دون أثر لسعيه، وهو منع التهتك، وإنما تحول هو نفسه إلى طرف محل مساءلة، يسعى إلى فك ضغط الأسئلة الموجهة إليه، وهذا نقله إلى موقع التبرير، وكل تبرير هو فعل تابع بالضرورة للمبادر بالفعل منتج حاجة التبرير

أي إن القولة: (من يشتكي من التبرج، عليه بغض البصر)، رغم ظاهرها البسيط، إنما هي في حقيقتها مغالطة مكثفة جُعلت لإدارة الصراع بفعالية في مسار التأثير في المجال العام

الرد على هذه المناورة يكون:

أولًا: بالقول إن غض البصر وعدمه لا ينفيان حصول الأثر السلبي للتهتك، لأن غض البصر فعل فردي، بينما التهتك يستهدف الجموع، وهذه حقيقة لا تمس من وجوب غض البصر

وأقل التهتك ينتج أثرًا سلبيًا، بينما غض البصر، لكي يكون ذا فائدة، يجب أن يكون مستوفًى في كل البشر، وهذا غير ممكن، إذ لو صح ذلك لامتنع النهي عنه باعتبار تلقائيته، لكنه منهي عنه باعتبار صعوبة تحققه

فثبت أن أثر التهتك واقع، بقطع النظر عن غض البصر الفردي لدى البعض

ثانيًا: التهتك له آثار سلبية عديدة تتجاوز مسألة النظر (1)

ثالثًا: يمكن الرد على تلك القولة المغالطة باشتراط البقاء في الموضوع المطروح ابتداء، وهو التهتك، من دون التهرب نحو موضوع آخر

--------------

(*) منشور الصديق Faouzi Jaballah

(1) يمكن الاطلاع على مقالات تتناول اللباس والمجال العام على موقع بوابتي، مثل:

1- اللباس المتهتك والتعري، هل هو تحرر؟
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=10827

2- المساحة الخاصة والمساحة العامة: اللباس حامل عقدي وليس شأنًا خاصًا
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=10900

3- في المجال العام لا يكفي التعامل مع الفعل ببعده المادي، وإنما علينا النظر إلى المحرك العقدي للفعل
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=11301

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال