بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الطيّب المهيري ..السيرة المبتورة

2026-07-17 67 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الطيّب المهيري ..السيرة المبتورة
في فجر الاستقلال التونسي لم تكن السياسة مجرد تدبير لدولة تولد من رحم القيصرية الاستعمارية بل كانت تصفية حسابات تاريخية صامتة تجري في دهاليز قصر قرطاج الرطبة حيث تتشابك التوازنات الإقليمية والطبقية والقبلية تحت عباءة الزعيم الأوحد الحبيب بورقيبة.
وفي هذه الساحة المزدحمة بالألغام والرجال المستعدين للموت وقف الرجل الأقوى في الدولة الوليدة الطيب المهيري كجدار سميك يحمي النظام ويهدد في الآن ذاته توازنه الهش ليمثل طوال تسع سنوات لغزا سياسيا استثنائيا انتهى برحيل مباغت ومريب في 29 جوان 1965 وهو في عنفوان شبابه وعطائه السياسي عن عمر ناهز الحادية والأربعين عاما تاركا وراءه دولة مذهولة وأسرارا تقبع في خزائن وزارة الداخلية المغلقة منذ عقود.
ولد هذا الصبي الذي حمل جينات التجارة الأرستقراطية والنخوة الشعبية في 25 جويلية 1924 في ضاحية المرسى لعائلة بلدية عريقة تمتد جذورها إلى تاجر زيت جربي من أصول يمنية استقر في تونس العاصمة خلال القرن الثامن عشر غير أن يتمه المبكر ونشأته في حي باب الأقواس الشعبي بباب سويقة صهرا شخصيته في بوتقة مغايرة فجمع بين أناقة البرجوازية وحيوية الشارع التي عززها بنشاطه الرياضي كلاعب في صفوف مستقبل المرسى ونادي الترجي الرياضي التونسي ما منحه كاريزما شعبية جارفة كانت تخيف خصومه بقدر ما تفتن مريديه وتفتح له قلوب العوام والفقراء في بلد كان يبحث عن هويته الضائعة بين القصور الفخمة والأزقة المعتمة.
تشرب الفتى الفكر الدستوري في ردهات المدرسة الصادقية تلك الحاضنة الفكرية التي خرجت آباء الحركة الوطنية وانضم للحزب الحر الدستوري الجديد في عام 1938 وهو في الرابعة عشرة من عمره مفضلا الراديكالية البورقيبية على تقليدية عائلته المرتبطة بالحزب الدستوري القديم.
ومع اشتداد القمع الاستعماري بعد الحرب العالمية الثانية أظهر المهيري قدرة تنظيمية مرعبة من خلال قيادته للعمل السري وتأسيس مجموعة الهلال السرية التي تولت طباعة الجريدة والمناشير الوطنية في بيوت سرية تابعة لرفاقه من
خريجي الصادقية قبل أن يسافر إلى فرنسا في عام 1947 لينال إجازة الحقوق ويدرس الفلسفة بكلية الآداب بباريس ويقود من هناك الجامعة الدستورية للطلبة التونسيين في المغترب.
وحين عاد إلى وطنه كان المهيري هو العقل اللوجستي والممول الرئيسي لرجال المقاومة المسلحة في الجبال والأرياف إثر اعتقال الصف الأول من الزعماء مما قاده إلى غياهب السجون الاستعمارية من رمادة وتطاوين إلى سجن زعرور في ماي 1952 حاملا شعاره الأثير المستمد من اللاتينية بأن الوصول إلى القمم لا يمر إلا عبر الطرق الوعرة والضيقة والمحفوفة بالمخاطر.
بمجرد إعلان الاستقلال الداخلي تجلت كفاءة المهيري الأمنية والتنظيمية حين أشرف بنفسه على ترتيب الاستقبال التاريخي الحاشد لبورقيبة في 1 جوان 1955 ليتم تعيينه في 15 أفريل 1956 كأول وزير داخلية لتونس المستقلة وهو المنصب الذي حافظ عليه بقبضة من حديد طوال تسع سنوات متتالية.
ومن هذا الموقع الحساس شرع في صياغة عقيدة الدولة الأمنية الجديدة معلنا بصوت واثق في خطاب تدشين معتمدية تونس العاصمة ضرورة تطهير البلاد من رموز الاستعمار الثلاثة ،الجندي والمعمر ورجل الكنيسة، ليقود عملية تفكيك جذرية لهياكل الإدارة القديمة.
فأسس سلك الحرس الوطني في عام 1956 كقوة أمنية وعسكرية موازية للجيش وضامنة للنظام الجمهوري الناشئ تحت قيادة المناضل التيجاني الكتاري وألغى نظام القواد والخلائف الموروث عن العهد البايلي مستبدلا إياهم بنظام الولاة والمعتمدين العصري عبر أول مناظرة كفاءة وطنية أعلن عنها بقرار وزاري في 10 جوان 1965 بل وذهب إلى أبعد من ذلك بمحو الرموز المادية للنظام الملكي البائد عبر هدم القصر الصيفي بالمرسى وتصفية تركات العهد الحسيني ليؤكد للجميع أن زمن البايات قد زال إلى غير رجعة وأن السيادة أصبحت ملكا خالصا للدولة الحديثة.
غير أن هذه القبضة السيادية الناعمة من الخارج كانت تخفي وراءها ملفات غارقة في السرية والدم حيث كان المهيري يمسك بمفاتيح أخطر القضايا الأمنية في تاريخ تونس الحديث وتحديدا تتبع منظمة اليد الحمراء الإرهابية الفرنسية التي كانت تغتال المناضلين التونسيين وعلى رأسهم النقابي فرحات حشاد.
ووفقا لشهادة مدير ديوانه محمد الحبيب غراب نجح المهيري بدهائه الأمني في تتبع سيارة مشبوهة إثر حادثة إطلاق نار في بن عروس واستطاع كشف الهوية السرية للطبيب الفرنسي الذي عالج السائق المصاب سرا ممسكا بأول خيط قاد إلى تعرية هذه الشبكة الاستعمارية بالكامل.
ولم تكن هذه القضية سوى مقدمة للملف الأكثر دموية وحساسية وهو تصفية الزعيم المعارض صالح بن يوسف في
ألمانيا عام 1961.
وتكشف جلسات هيئة الحقيقة والكرامة أن وزارة الداخلية تحت إشراف المهيري قدمت التسهيلات اللوجستية الكاملة لتلك العملية عبر إصدار جوازات سفر مزورة للمنفذين وتأمين تحركاتهم بتنسيق مع البشير زرق العيون والملحق العسكري عبد العزيز الورداني.
وتظل شهادة المؤرخ خالد عبيد حول وجود خزينة سوداء سرية في مقر وزارة الداخلية التونسية تابعة مباشرة للمهيري دليلا على عمق الأسرار التي دفنت معه حيث تضم تلك الخزينة المراسلات السرية مع العميل المزدوج الذي اخترق معسكر اليوسفيين وتؤكد الوثائق أن الصراع كان وجوديا ومتوحشا إلى درجة أن بن يوسف نفسه أرسل رسالة بخط يده في عام 1958 يطالب فيها بتصفية بورقيبة جسديا خارج أي إطار قانوني مما جعل التصفية المتبادلة قدرا محتوما للطرفين.
في قصر قرطاج لم يكن الطيب المهيري مجرد وزير ينفذ مشيئة الرئيس بل كان ندا حقيقيا تهابه حاشية بورقيبة وتعمل له ألف حساب حيث كان المهندس الخفي والعراب الرئيسي لزواج بورقيبة من وسيلة بن عمار في عام 1962 ليصنع بذلك تحالفا سياسيا واجتماعيا متينا مثل جبهة البرجوازية البلدية للعاصمة والمرسى في مواجهة الشق القادم من الساحل التونسي بقيادة الباهي الأدغم وأحمد بن صالح.
هذا التحالف الاستراتيجي الذي وصفه الطاهر بلخوجة بالتواطؤ السياسي المتكامل مكّن المهيري من الاحتفاظ بمنصبه السيادي حتى بعد الفشل الأمني الذي أدى إلى محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة ضد بورقيبة في عام 1962 حيث عجز الرئيس عن إزاحته بسبب التفاف القواعد الحزبية والمناضلين حول شخصه وسيطرته المطلقة على الولاة والمفاصل المحلية للدولة.
وكان هذا الصعود المتسارع يغذي مخاوف الدائرة اللصيقة ببورقيبة من تحوله إلى خليفة شرعي ومحتمل لرئاسة الجمهورية وهي مخاوف عبر عنها الشاذلي القليبي حين نقل مداعبة المهيري لزوجته نجاة بن عثمان عند افتتاح قصر قرطاج الفخم قائلا لها بكثير من الزهو إن هذا القصر قد يكون لها يوما لتكون صاحبة الأمر والنهي فيه.
ولكن القمم الوعرة التي صعدها المهيري كانت تخبئ له هاوية مباغتة ففي 29 جوان 1965 أعلن القصر فجأة وفاته وسط صدمة شعبية عارمة وذهول سياسي لتبدأ فورا عملية تكميم ممنهجة للحقائق وسرعة مريبة في الدفن بمقبرة الجلاز دون تشريح طبي أو تحقيق جنائي مستقل.
وطرحت السلطة والشهود روايات متضاربة سعت بوضوح إلى إغلاق الملف سريعا فبينما روج الباجي قائد السبسي لفرضية الموت نتيجة العمل والإنهاك المتواصل مدعيا أن الوزير خرج من مكتبه إلى قبره دون أن يمنح نفسه فرصة للتداوي بدت هذه الرواية مفرطة في العاطفية والتهافت لوزير يملك رعاية طبية مطلقة من الدولة.
ومن جهته قدم الطاهر بلخوجة رواية الوفاة بسبب مضاعفات السكري وهي حجة تقليدية لتجنب الشكوك لم تتطابق مع الحيوية التي كان يتمتع بها الوزير الشاب الذي لم تظهر عليه أي علامات عجز وظيفي يسبق الوفاة بأيام.
وفي المقابل اخترقت الصحافة الغربية هذا التعتيم المحلي حيث نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 6 جوان 1965 تقريرا للكاتب جان لاكوتير يشير فيه بوضوح إلى أن المهيري يعاني من مرض عضال خطير وسط شائعات عن سرطان الدم مما يثير تساؤلات حارقة حول سبب التكتم الرسمي على حالته الصحية وما إذا كان هذا المرض المزعوم غطاء لتصفية بيولوجية بطيئة بالسم نفذتها أطراف في السلطة كانت ترى في موته ضرورة حتمية لإنهاء صعوده وحماية مشروع سياسي واقتصادي جديد كان المهيري يقف ضده في الخفاء.

أحدث غياب المهيري زلزالا مدمرا في بنية الدولة التونسية الناشئة حيث سارع بورقيبة في 5 جويلية 1965 إلى تعيين الباجي قائد السبسي وزيرا للداخلية لتبدأ مرحلة تجريد هذا المنصب السيادي من استقلاليته السياسية والشعبية وربطه مباشرة بالولاء المطلق للرئيس.
وبوفاة المهيري انهار التوازن الإقليمي الدقيق بين بلدية العاصمة وجبهة الساحل مما مهد الطريق لفرض تجربة التعاضد الاشتراكية القسرية التي قادها الوزير أحمد بن صالح دون أي رادع سياسي أو أمني وهي التجربة التي تسببت في سحق الفلاحين الصغار ومصادرة أراضيهم ونشر القمع والمجاعة تحت وطأة ممارسات الوالي عمر شاشية وهي كارثة وطنية يؤكد الشاذلي القليبي أن المهيري لو كان حيا لاستطاع بفضل نفوذه الأدبي وشعبيته الواسعة كبح جماحها وحماية تونس من عواقبها العنيفة.
وفي ذات اليوم الذي توفي فيه المهيري توجه الزعيم النقابي أحمد التليلي إلى مقر وزارة الداخلية ليعلن لمدير ديوانه الحبيب غراب بحسرة بالغة عزمه على مغادرة البلاد نحو المنفى شاعرا بأن المظلة الأمنية والسياسية التي كانت تحمي التعددية والتوازن داخل الدولة قد سقطت إلى غير رجعة. هكذا انطوت صفحة رجل عاش في التوازن الحرج ومات في عتمة الأسرار ليظل اسمه منقوشا على جدران الذاكرة الوطنية التونسية ليس فقط كأقوى وزير داخلية بل كشاهد على فجر الدولة التي التهمت أبناءها في سبيل البقاء وصناعة الزعامة الفردية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال