بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

صفاقس 1955..المؤتمر الذي غيّر السلطة و النقابة

2026-07-17 82 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
صفاقس 1955..المؤتمر الذي غيّر السلطة و النقابة
تتداخل في ذاكرة الأوطان تواريخ تبدو في ظاهرها مجرد أرقام صماء تقف على قارعة الزمن لكنها في العمق تخفي زلازل سياسية واجتماعية أعادت تشكيل هوية الدولة ومجتمعها من الجذور.
وفي تلك المسافة الفاصلة بين الوهم والحقيقة يحتل ما يعرف في الأدبيات التونسية باسم مؤتمر عام 1955 مكانة رمزية بالغة التعقيد حيث يختلط فيه الزمني بالاصطلاحي وتتشابك فيه الذاكرة النقابية بالذاكرة الحزبية والدولية في نسيج ملتبس.
التفكيك التاريخي والأنثروبولوجي لهذا التداخل يكشف عن مغالطات كبرى استقرت في الوجدان الجمعي التونسي كأنها حقائق مطلقة.
فمن الناحية التاريخية الموثقة التي لا تقبل الجدل لم يكن هناك مؤتمر عام لاتحاد الشغل في ذلك العام إذ إن المؤتمر الخامس الفعلي للاتحاد العام التونسي للشغل قد انعقد في جويلية من عام 1954، وهو المؤتمر الذي شهد الصعود الدراماتيكي للشاب الاشتراكي أحمد بن صالح إلى الأمانة العامة خلفا للزعيم المغتال فرحات حشاد الذي ترك فراغا بحجم وطن.
غير أن إشارة الرواد النقابيين وعلى رأسهم الحبيب عاشور إلى مؤتمر عام 1955 تنصرف سوسيولوجيا وسياسيا إلى المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري الجديد المعروف بمؤتمر البعث والذي احتضنته مدينة صفاقس في الفترة الممتدة بين الخامس عشر والتاسع عشر من نوفمبر عام 1955 تحت حماية وتأمين مباشرين من كوادر الشغيلة وعضلات قواعدها العمالية التي شكلت درعا بشريا للسياسيين.
لم يكن هذا الالتباس الزمني وليد الصدفة العابرة بل كان يعكس تداخلا بنيويا عميقا بين ولادة الدولة الحديثة وصياغة هياكلها المالية في صيف ذلك العام.
ففي الحادي والثلاثين من مارس صدر الأمر العلي لضبط الميزانية العادية للسنة المالية التي تلتها وهو الحدث التأسيسي الذي وضع اللبنة المالية الأولى للاستقلال التونسي حتى قبل إعلانه رسميا متضمنا إجراءات جبائية سيادية كضبط معلوم الجولان على السيارات وعقود التأمين.
دمج هذه الأحداث كلها تحت مسمى مؤتمر عام 1955 في الذاكرة النقابية يبرهن بما لا يدع مجالا للشك على أن مخاض الاستقلال الداخلي بموجب اتفاقيات الثالث من جوان كان يجري على إيقاع صراع طاحن على النفوذ والشرعية بين أروقة اتحاد الشغل وكواليس الحزب الحاكم حيث كانت النقابة هي الرحم الحقيقي والدافئ الذي ولدت من عذاباته الدولة الجديدة.
في غمرة هذا المخاض العسير كانت مدينة صفاقس في ذلك الخريف مسرحا لحسم الصراع التاريخي والزعامي الكبير بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف لصالح الشق البورقيبي الذي عرف كيف يدير اللعبة.
ولم يكن هذا الحسم ليتحقق لولا التحالف الاندماجي والبراغماتي بين بورقيبة والقيادة النقابية للاتحاد.
وتكشف الوثائق الانتخابية المسكوت عنها في ذلك المؤتمر الحزبي عن عمق التغلغل النقابي داخل الهياكل العليا للحزب الدستوري حيث ترشح أبرز قادة الاتحاد لعضوية الديوان السياسي للحزب في مشهد يوضح رغبة متبادلة في الهيمنة والتمكين واقتسام الغنائم السياسية لكن الصناديق كانت تخبئ خلف خشبها الصامت صراعا خفيا ومثيرا بين أقطاب الحركة النقابية أنفسهم وهم يرتدون عباءة الحزب الحاكم ويتنافسون على واجهته.
أظهرت أرقام التصويت لتشكيل الديوان السياسي في مؤتمر صفاقس تفوقا عدديا واضحا لزعيم الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس الحبيب عاشور الذي حصد 379 صوتا مستندا إلى نفوذه الإقليمي الطاغي وعلاقته المتينة بالقواعد العمالية المحلية ودفاعه المستميت عن الخط البورقيبي المحافظ اقتصاديا والتدريجي سياسيا.
هذا التفوق وضعه في المرتبة المتقدمة أمام خصمه اللدود الأمين العام للاتحاد أحمد بن صالح الذي حصل على 357 صوتا حاملا معه مشروعه الاشتراكي التقدمي والداعي للتعاضد الشامل كخيار تنموي مستقل عن هيمنة الحزب الواحد.
ولم تكن بقية الكوادر النقابية بعيدة عن هذا السباق المحموم إذ حصل عضو المكتب التنفيذي مصطفى الفيلالي التكنوقراطي الفلاحي الذي صاغ لاحقا قوانين حل الأحباس على 300 صوت وتبعه عبد الله فرحات الدستوري المنضبط والداعم الشرس لسياسة الدمج الوظيفي بين الحزب والاتحاد بحصوله على 208 صوت.
بينما نال القيادي النقابي الدستوري الراديكالي عزوز الرباعي 179 صوتا في حين تذيل القائمة الكادر الطبي النقابي
المستقل محمد ساسي بحصوله على 56 صوتا فقط.

هذه الأرقام المكتومة في أضابير التاريخ تكشف سوسيولوجيا أن فكرة الدسترة النقابية التي تعني إلحاق النقابة بالحزب لم تكن مجرد فرض من سلطة قاهرة بل كانت خيارا واعيا من قادة عماليين بحثوا في زحمة الأحداث عن مظلة سياسية لحماية المنظمة وتثبيت مصالحهم الشخصية والجهوية.
غير أن هذا التفوق الانتخابي الميداني لعاشور في جهته عزز من طموحه الشخصي في إزاحة بن صالح من الأمانة العامة لاحقا وهو الطموح الذي تقاطع تماما مع رغبة بورقيبة الساعي بأي ثمن إلى تصفية أي عقل سياسي مستقل ومفكر داخل المنظمة الشغيلة يهدد تفرده بالقرار.
ولم تكن إدارة هذا الصراع الدامي بين البورقيبيين واليوسفيين تقتصر على المناورات السياسية والخطب العصماء في الساحات العامة بل اعتمدت سيكولوجيا وميدانيا على العنف المسلح وإرساء نظام ميليشياوي نقابي لتطهير الساحة من الخصوم وتكشف سجلات المحاكمات العسكرية والقضائية اللاحقة عن تفاصيل بالغة الحساسية تم التعتيم عليها طويلا في التاريخ الرسمي للدولة والمنظمة لكي تبقى الصورة نقية.
ومن أبرز هذه الملفات المنسية ملف الفلاح الوطني الهادي جمعة المولود عام 1920 في بلدة البرجين بجهة مساكن والذي كشفت محاضر استنطاقه الباردة عن الآلية المباشرة التي استخدمها الحبيب عاشور لتجنيد عناصر مسلحة من خارج المنظمة لحسم الصراع السياسي بالقوة المادية العمياء.

في قاعة المحكمة الباردة سأل رئيس الجلسة بصوت حازم عما إذا كان المتهم يعرف الحبيب عاشور الأمين العام فأجابه الهادي جمعة ببساطة ريفية كوتها شمس الساحل والجنوب
بأنه تعرف عليه في مؤتمر صفاقس عام 1955.
وعندما استفسر القاضي عن كيفية ذلك وظروفه فجر جمعة الحقيقة المسكوت عنها موضحا أن عاشور باعتباره المسؤول المباشر عن تأمين وتنظيم المؤتمر دعاه شخصيا لمقاومة اليوسفيين بالسلاح إن لزم الأمر.
تثبت هذه المقابلة القضائية الموثقة أن الاتحاد العام بجهة صفاقس وتحت إشراف مباشر من عاشور تحول في ذلك الخريف إلى ذراع أمني شبه عسكري للدفاع عن شرعية بورقيبة وتطهير الوجود اليوسفي في الجنوب والوسط.
وكان هذا التجنيد الميليشياوي يتم عبر مقايضات مادية وامتيازات عينية تؤسس لظاهرة الزبونية النقابية مثل التوسط للحصول على رخص سيارات الأجرة أو الاستفادة من قروض ميسرة لإنشاء مداجن ومشاريع فلاحية على أراضي الدولة المصادرة مما ربط الولاء السياسي بالمنفعة الاقتصادية المباشرة في أبشع صورها.
وما إن أعلن الاستقلال التام في العشرين من مارس عام 1956 وتأسست الحكومة التونسية الأولى بمشاركة نقابية وازنة بأربع وزارات حتى بدأت ملامح الصدام الكبير تتشكل في الأفق.
ففي المؤتمر السادس للاتحاد المنعقد في سبتمبر من نفس العام قدم أحمد بن صالح تقريرا أدبيا أثار فزع بورقيبة وحاشيته الدستورية حيث دعا بن صالح بجرأة نادرة إلى خيارات تنموية مستقلة تخدم الطبقات الشعبية بعيدا عن سيطرة المتعنتين ومحبي الاحتكار محذرا بنبرة استشرافية من دكتاتورية الحزب الواحد التي بدأت تطل برأسها.
اعتبر بورقيبة هذا الطرح محاولة لبناء سلطة معاكسة تهدد مشروعه الاستبدادي الناشئ فقرر ببرود السياسي المحنك استخدام سلاحه المفضل وهو هندسة الانشقاقات الداخلية لشل حركة بن صالح والقضاء على حلمه.
أوعز بورقيبة مباشرة إلى الحبيب عاشور الذي كان ناقما أصلا على قيادة بن صالح ومستندا إلى غضب القواعد العمالية بصفاقس بسبب ما اعتبروه تمثيلية جهوية مجحفة وظالمة في المكتب التنفيذي بالخروج عن المنظمة الأم وشق الصف النقابي.
وفي أكتوبر من ذلك العام أعلن عاشور رسميا تأسيس الاتحاد التونسي للشغل كمنظمة نقابية منشقة وموازية.
ووفرت السلطة الدستورية وإداراتها الجهوية ومحافظوها للمنظمة الجديدة دعما لوجستيا كبيرا ومقرات خاصة لإضعاف شرعية اتحاد الشغل الأصلي.
أدى هذا الانقسام المفتعل إلى شل حركة الشغيلة وإدخال العمل النقابي في صراعات إقليمية وصبيانية مريرة أكلت من رصيد النضال.
وعندما نجحت الخطة الخبيثة وعزل أحمد بن صالح من الأمانة العامة في أواخر العام ليحل محله أحمد التليلي زالت الأسباب التكتيكية لوجود المنظمة الموازية.
وتحت رعاية بورقيبة الشخصية جرت مفاوضات سريعة أفضت في سبتمبر عام 1957 إلى حل الاتحاد الموازي وعودة عاشور ورفاقه إلى المنظمة الأم في محطة مظلمة كشفت كيف يمكن استخدام الانشقاق كأداة عقابية في يد الدولة لترويض اليسار النقابي وكسر شوكته.
وراء هذه الشعارات الأيديولوجية البراقة والصراعات الفكرية حول ديمقراطية التنمية والاشتراكية الدستورية تكمن شبكة معقدة من التوازنات والولاءات العشائرية والجهوية التي حكمت توزيع مراكز القوى داخل الاتحاد منذ نشأته كاشفة عن بنية أنثروبولوجية عميقة الجذور عصية على الفهم السطحي.
تشكلت المنظمة من كتل جغرافية متضامنة دافعت باستماتة عن نفوذها ومكتسباتها وتمثلت الكتلة الأولى في النواة القرقنية والصفاقسية وهي النواة الصلبة والمحافظة التي نشأت حول شخصية فرحات حشاد أصيل جزر قرقنة الذي هاجر مبكرا واستقر في حي مونفلوري بالعاصمة رفقة مجموعة متجانسة من أبناء جهته كمنصور جراد وسالم الشفي وأحمد فنيش وعلي العكروت ومحمد النمصي.
تحالفت هذه النواة سوسيو جغرافيا مع عمال ومزارعي جهة صفاقس بقيادة الحبيب عاشور وتميزت بنزعة نقابية عملية ومحافظة اقتصاديا رافضة للأطروحات الراديكالية ومتمسكة بمفهوم استقلالية الشقف أي الحفاظ على الهيكل المادي للمنظمة ونفوذها الجهوي قبل أي شعار فكري زائف.
أما الكتلة الثانية فهي الكتلة الفصية والجنوبية التي تزعمها أحمد التليلي وحسين بن قدور مستندة بصفة مطلقة إلى عمال المناجم في الحوضالمنجمي والجنوب التونسي حيث قسوة الطبيعة وصلابة الرجال.
كانت هذه المجموعة تمثل روح الكفاح الميداني والمسلح أثناء فترة المقاومة محكومة بعلاقات قرابة وتضامن عشائري متين يرفض الخضوع المطلق لقرارات العاصمة أو الساحل ومطالبة بهامش واسع من الديمقراطية والتعددية داخل الدولة والمنظمة.
وفي المقابل تبرز كتلة الساحل والوظيف العمومي بقيادة أحمد بن صالح المولود في المكنين وخريج المدرسة الصادقية والسوربون والتي ضمت النخب المثقفة من قطاع المعلمين والموظفين الإداريين والبلديين.
واجهت هذه المجموعة صعوبات هيكلية في الاندماج داخل منظمة يهيمن عليها نقابيون عماليون من قرقنة و فصة فحملت مشروعا تنمويا فكريا متكاملا يهدف إلى تحويل الاتحاد إلى أداة للتخطيط الاقتصادي المركزي والتعاضد الشامل مما جعل الصراع جغرافيا وأنثروبولوجيا قبل أن يكون سياسيا محضا.
المعارك المحورية لتلك السنوات الفاصلة قد صاغت بلا شك اللاوعي السياسي للدولة التونسية المستقلة وحددت شكل العلاقة المتوترة بين السلطة والمنظمة الشغيلة على مدى عقود طويلة من الزمن.
أسس نجاح بورقيبة في استخدام عاشور لإزاحة بن صالح لعقيدة أمنية وحزبية ثابتة تعتمد على التدخل المباشر في تسمية وعزل المسؤولين النقابيين لضمان الولاء
وهو السيناريو الذي تكرر حرفيا وبنفس القسوة عام 1965 عندما أطاح بورقيبة بعاشور نفسه وسجنه إثر رفضه قرارات مؤتمر بنزرت للحزب التي نصت على تحويل الهياكل النقابية إلى خلايا تابعة للحزب الحاكم منشئا مكانه بشير بلاغة الموالي للسلطة في دوامة من العنف الرمزي والمادي تكررت في أحداث جانفي الدامية عام 1978 ومواجهات منتصف الثمانينيات حيث كانت الدولة تلتهم أبناءها.
لكن المنظمة التي شربت من عرق الكادحين لم تكن لقمة سائغة يسهل ابتلاعها فإثر التوحيد الثاني وصعود أحمد التليلي للأمانة العامة أقر الحزب الحاكم آلية الخصم بنسبة واحد بالمئة من أجور العمال لفائدة الاتحاد مباشرة ظنا منه أنه يشتري الولاء بالمال ووفر هذا الإجراء تدفقات مالية ضخمة ومستقلة مكنت الاتحاد من بعث إمبراطورية اقتصادية وخدماتية ضخمة شملت إنشاء أكثر من سبع وخمسين تعاونية خدمات ونزل أميلكار وبنك الشعب الذي عرف لاحقا ببنك الجنوب.
هذه القوة المالية المستقلة جعلت من الاتحاد شريكا صعب المراس ترفض السلطة تهميشه أو تجاوزه في رسم السياسات العامة لتتأسس بنيويا حالة ازدواجية الدور التي يعيشها الاتحاد منذ مؤتمر صفاقس وتوقيع ميثاق الجبهة القومية.

أصبح الاتحاد شريكا عضويا في السلطة تارة عبر تولي كوادره حقائب وزارية ومقاعد برلمانية وقائدا شجاعا للاحتجاجات الاجتماعية والمعارضة السياسية تارة أخرى في غياب الفضاء الديمقراطي الحر مخلفا توترا بنيويا دائما جعل من الحركة النقابية صمام الأمان الوحيد للاستقرار الاجتماعي والمهندس الفعلي للتحولات الكبرى في تاريخ تونس الحديث حيث تقاطع شقاء العمال مع أحلام الساسة في صراع لا ينتهي على تراب هذا الوطن.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال