بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كيف ذبح المجاهد الأكبر مجد الماجدة ليموت وحيدا في قفص الجنرال

2026-07-16 115 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كيف ذبح المجاهد الأكبر مجد الماجدة ليموت وحيدا في قفص الجنرال
في دهاليز قصر قرطاج حيث تتشابك ظلال أشجار الصنوبر مع زرقة البحر الأبيض المتوسط لم تكن السياسة مجرد مراسيم وقوانين بل كانت صراعا تراجيديا حادا يمتزج فيه فناء الجسد البشري بشهوة السلطة المطلقة.
في 12 أفريل 1962 لم يكن إعلان زواج الحبيب بورقيبة من وسيلة بن عمار مجرد حدث اجتماعي عابر بل كان صياغة لتحالف بنيوي عميق بين كاريزما زعيم الحركة الوطنية التونسية والبرجوازية البلدية العريقة في تونس العاصمة. هذا الثنائي الفريد أدار البلاد لعقود من وراء الستار وفي العلن في علاقة بدأت فصولها الأولى في أفريل 1943 إبان عودة بورقيبة من المنفى حين التقى بصبية لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها فخاطبها بعبارته الشهيرة التي حفظتها الذاكرة السياسية التونسية بأن النساء لا يحتجبن أمام الأطباء والزعماء.
وظل هذا الرابط الرمزي يغذي خيال الطرفين لسنوات طويلة مشكلا نواة لسلطة مشتركة سرعان ما تحولت إلى قفص ذهبي تتصارع فيه الغرائز والهواجس الأمنية.
لإتمام هذا الاقتران المقدس في محراب الدولة الحديثة كان على بورقيبة أن يدفع ثمنا شخصيا باهظا تمثل في فك ارتباطه بزوجته الأولى الفرنسية ماتيلد التي اعتنقت الإسلام لاحقا وتسمت باسم مفيدة بورقيبة وكانت رفيقة كفاحه المرير وأم ابنه الوحيد.
وبسبب القوانين الصارمة التي صاغها بورقيبة بنفسه في مجلة الأحوال الشخصية والتي تمنع تعدد الزوجات اضطر الرئيس إلى تطليق رفيقة العمر ليقترن قانونيا بوسيلة بن عمار.
حازت وسيلة على لقب الماجدة لتصبح القوة غير المرئية التي تصنع الوزراء وتطيح بالخصوم غير أن هذا البناء السلطوي المشترك بدأ يتصدع بعنف تحت وطأة التدهور البيولوجي لجسد الرئيس وتداخل الغيرة النسائية مع الدسائس الأمنية داخل غرف النوم المغلقة للقصر الرئاسي.

كان بورقيبة مسكونا بهوس صورته كزعيم نرجسي لا يزول وبطل لا يقهر يتغذى كبرياؤه على نظرات الانبهار والتقديس. وفي المقابل كانت وسيلة بن عمار تتمتع بشخصية قيادية صلبة جعلتها ترى في الرئيس شريكا في المجد وصناعة الدولة لا سيدا معبودا يسجد له.
وتتجلى هذه الفجوة النفسية في التوصيف الأدق الذي صدم به بورقيبة وزراءه ومحاميه حين قال إن أكبر معارض له ينام في فراشه. وتشير شهادات مقربي القصر إلى أن الماجدة اعترفت في مجالسها الخاصة بأنها أحبت في بورقيبة الزعيم التاريخي فقط ولم تحب في يوم من الأيام الرجل كذات بشرية مجردة.
ومع تقدم الزعيم في السن وظهور أعراض تصلب شرايين الدماغ وضعف الذاكرة بدأ يلمح في عيني زوجته نظرات عطف أو شفقة أو حتى استعلاء سياسي ولم يحتمل كبرياء المجاهد الأكبر هذا التحول الوجداني فشعر بالمهانة كرجل يفقد سطوته العاطفية والبدنية أمام امرأة كانت ذات يوم تترقب إشارته مما جعله أرضا خصبة لاستقبال الوشايات الأمنية التي تحذره من أن الماجدة أصبحت تدير البلاد وتعد لترتيبات وراثة العرش.
ولم يقف الصراع عند حدود المشاحنات اللفظية بل تحول قصر قرطاج إلى ساحة مواجهة تقنية واستخباراتية معقدة. وتؤكد المعطيات التاريخية أن وسيلة بن عمار أشرفت بنفسها على تركيز أجهزة تنصت واستماع دقيقة داخل مكتب الرئيس وقاعات اجتماعاته الخاصة منذ عام 1969 مدفوعة بهوسها بمعرفة تفاصيل التعيينات وحركة الوزراء ورصد مكالمات الرئيس لتوجيه دفة السياسة بما يخدم مصالح جناحها إلا أن هذا الاختراق الأمني ارتد عليها بصورة كارثية عندما نجح الجناح الأمني والسياسي المتكتل ضدها والذي ضم ابنة أخت الرئيس سعيدة ساسي ومدير الديوان الرئاسي منصور السخيري بالتحالف التكتيكي مع زين العابدين بن علي في كشف هذه الأجهزة.
واجه هذا الجناح الرئيس بورقيبة بتسجيلات سرية لوسيلة وهي تتحدث عنه مع أطراف عربية بلهجة وصفت بأنها تمس بوقار رئيس الدولة وتتضمن عبارات تسخر فيها من تدهور صحته الذهنية وتناقش بجرأة ترتيبات ما بعد رحيله مع مسؤولين جزائريين مثل وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة مما دمر القواعد العاطفية والأمنية بين الزوجين وبات بورقيبة مقتنعا بأن من تشاركه الفراش هي الجاسوس الأكبر الذي يسعى لتصفيته سياسيا.
بالتوازي مع حرب الجواسيس ظهر شرخ قيمي عميق تجسد في أسلوب الحياة والإنفاق المالي فرغم انفراده بالسلطة كان بورقيبة يتسم بزهد شخصي متزمت وتقشف حاد يصل إلى حد الشح في مراقبته اللصيقة لميزانية المطبخ الرئاسي ومصروفات القصر اليومية بينما كانت وسيلة وعائلتها يعيشون حياة بالغة البذخ والرفاهية تليق بالطبقة الأرستقراطية التقليدية.
وينقل المحامون المحيطون بملف الطلاق أن القشة التي قصمت ظهر العلاقة كانت عندما فتح بورقيبة ذات يوم إحدى الخزائن الخاصة بأحذية وسيلة في الجناح المشترك ففوجئ بمئات الأحذية من أرقى الماركات العالمية فصاح بها في نوبة غضب عارم متسائلا إن كانت قد فتحت له معملا للأحذية في القصر.
واستغل خصوم وسيلة هذه الفجوة السلوكية بذكاء وعرضوا على بورقيبة تقارير مفصلة تدعي استغلال زوجته وعائلتها لنفوذ الدولة لجمع ثروات طائلة وعقد صفقات تجارية مشبوهة، مثل تدخلها المباشر للدفاع عن مدير شركة الخطوط الجوية التونسية محمد بلحاج مما أثار رعب بورقيبة الشديد من أن ترتبط نهاية عهده بالفساد المالي وتتشوه سمعته التاريخية.
ومع مطلع الثمانينات وتفاقم المرض على بورقيبة برزت ابنة أخته سعيدة ساسي كفاعل أساسي داخل القصر بحجة رعاية خالها العجوز وسرعان ما تحولت إلى القوة الآمرة الناهية مستغلة حالة الأرق الحاد والاضطرابات العصبية التي كان يعاني منها الرئيس.
كان بورقيبة يوقظ وسيلة في منتصف الليل مستنكرا نومها بينما هو مستيقظ ونظرا لتقدم وسيلة في السن وإصابتها بالإرهاق اقترحت بمرارة أن تتولى سعيدة ساسي السهر معه وتناول العشاء ومرافقته في غرفته حتى ينام.
فتحت هذه الثغرة المنزلية الباب أمام سعيدة ساسي للسيطرة المطلقة على حياة الرئيس اليومية وعملت على تجنيد وإحضار فتيات ونساء جميلات وصغيرات في السن إلى غرف القصر ليداعبهن الرئيس بهدف كسر كبرياء وسيلة كامرأة وإشعارها بالمهانة العاطفية.
ولم تكتف سعيدة بذلك بل أفسحت المجال لصعود وجوه نسائية جديدة حظيت برعاية خاصة من الرئيس وعلى رأسهن السيدة نجاة خنتوش زوجة المحامي البشير خنتوش والتي احتلت سرير وسيلة ومكانتها العاطفية عقب خروج الماجدة من القصر متوجهة إلى باريس في حين سيطرت سعيدة ساسي بالكامل على مكتب وسيلة وهاتفها لتتحول إلى المديرة الفعلية لأعمال رئيس لم يعد يمارس الرئاسة إلا لدقائق معدودة في اليوم.
ولم يكن إسقاط نفوذ وسيلة بن عمار السياسي ممكنا دون تدمير مكانتها الأخلاقية والاعتبارية في عقل بورقيبة الذي كان يتسم بغيره مرضية متأخرة وشكوك لا تنتهي.
وفي هذا السياق عمد الجناح الأمني المحيط بسعيدة ساسي وزين العابدين بن علي إلى ترويج إشاعة شديدة الحساسية تمس شرف وسيلة كزوجة وعلاقتها بمدير الأمن الوطني اللامع آنذاك أحمد بنور الذي كان مقربا جدا من وسيلة ويلبي تنسيقاتها الأمنية والسياسية.
استغل خصومها هذا التقارب لإيهام بورقيبة بأن العلاقة تجاوزت العمل إلى علاقة غرامية سرية ونجحت الوشاية في إثارة جنون بورقيبة ودفعه إلى إقالة بنور فورا وملاحقته قضائيا وجاءت مساعدة وسيلة لبنور على الفرار من تونس نحو باريس لتشكل في عقل الرئيس دليلا دامغا على صدق الشكوك، مما عجل بقرار بترها نهائيا من القصر عبر عملية اغتيال سياسي ومعنوي كاملة الأركان.
تم تصميم الطلاق ليكون ضربة قاضية حيث اتصل منصور السخيري وسعيدة ساسي بالمحامي البشير خنتوش وطلبا منه رفع قضية طلاق ضد وسيلة بالوكالة وبطريقة سريعة غير أن المحامي رفض الإجراء وتمسك بموقفه حتى التقى بالرئيس مباشرة حيث وافق بورقيبة على اتباع الإجراءات القانونية الصارمة مع الإصرار على رفع قضية طلاق للضرر تجنبا لدفع أي غرامات مالية مستندا إلى تصريحات وسيلة لمجلة جون أفريك كدليل على إلحاق الضرر به وخرقها للدستور دون موافقته.
وسجلت القضية التاريخية في سجل المحكمة تحت الرقم 18870 وعقدت الجلسة الأولى في 16 جويلية 1986 ليصدر الحكم الغيابي بالطلاق للضرر بسرعة فائقة في 11
أوت 1986 استنادا إلى الفصل 10 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية وجرى إبلاغ وسيلة بالقرار رسميا عبر محضر قضائي وهي في منفاها بباريس مما عنى تجريدها الفوري من لقب الماجدة ومن كافة امتيازاتها.
وكان اختيار هذا التوقيت بالذات أي قبل يومين فقط من الاحتفال بعيد المرأة التونسية في 13 أوت يحمل أقصى درجات التشفي والانتقام الرمزي فتندر التونسيون في مجالسهم الخاصة سرا بأن الرئيس الذي أسس القوانين الحديثة وحرم الطلاق العرفي طلق زوجته غيابيا وبطريقة مستمدة من تقاليد الإقصاء القديمة دون حضورها أو منحها فرصة الدفاع عن نفسها.
بعد صدور الحكم اختارت وسيلة بن عمار عدم استئنافه بالرغم من أن المهلة القانونية كانت متاحة لها حتى 10 سبتمبر نتيجة لشعورها بخيبة أمل عميقة وصدمة نفسية بالغة من الرجل الذي وهبته حياتها وشاركت في بناء مجده ورفض كبرياؤها أن تظهر في وضع من يرجو العفو من رئيس بات سجين حاشيته الأجهزة الأمنية.
عاشت وسيلة في شقتها الباريسية تعاني مرارة الوحدة وتتابع تساقط رجال القصر الذين ناصبتهم الخصومة وكان آخرهم الوزير الأول محمد مزالي الذي طرد هو الآخر وهرب لاجئا عبر الحدود.
وفي مقابلة صحفية مع مراسلة صحيفة اللوموند الفرنسية في شقتها ظهرت وسيلة مرتدية جلابية خضراء وتحدثت بكثير من الحذر والوقار نافية الاتهامات المالية الموجهة إليها ومؤكدة التزامها بالقانون وأظهرت وفاء استثنائيا لرمزية الحبيب بورقيبة التاريخية فرفضت رفضا قاطعا الإساءة إليه وقالت كلمتها الشهيرة بأن بورقيبة هو رمز تونس وتحب أن يبقى كذلك ولأنها احترمته دائما فإنها ترفض أي كلام عنه أو أي إساءة لسمعة بلادها وظلت على موقفها هذا حتى وفاتها عام 1999 بعيدا عن ضريح بورقيبة.
يكشف التحليل التاريخي لخفايا قصر قرطاج في منتصف الثمانينات أن طلاق وسيلة بن عمار لم يكن فصلا عائليا منتهيا بل كان الخطوة الاستراتيجية الأولى التي فككت التوازن الهش لنظام بورقيبة الرئاسي.
بانتهاء عهد الماجدة وإقصائها فقد النظام السياسي صمام الأمان والوسيط الذي كان قادرا على تهدئة غضب الرئيس وحل الأزمات المعقدة وتقريب وجهات النظر بين الأجنحة المتصارعة.
أخلى خروج وسيلة الساحة بالكامل للجناح الأمني الصاعد الملتف حول سعيدة ساسي ومنصور السخيري وتوالت الانهيارات بعزل ابن الرئيس الحبيب بورقيبة الابن وإبعاده بتهم حماية الفساد تلا ذلك عزل وإذلال الوزير الأول محمد مزالي ونفيه وبات بورقيبة في سنواته الأخيرة مجرد شبح معزول يعيش تحت تأثير تقارير أمنية مفبركة وأدوية عصبية منسقة ليفقد اتصاله الكامل بالواقع.
وفي نهاية المطاف تحققت المفارقة الكبرى فالحجج ذاتها التي صيغت بعناية للتخلص من وسيلة بن عمار والمتمثلة في عجز الجسد الرئاسي وتصلب شرايين الدماغ هي ذاتها المسوغات القانونية والطبية التي استند إليها جنراله ووزيره الأول زين العابدين بن علي لعزل الحبيب بورقيبة نفسه في 7 نوفمبر 1987 عبر شهادة طبية موقعة من سبعة أطباء أعلنت عجز الحبيب بورقيبة عن إدارة شؤون البلاد لتطوى صفحة العهد البورقيبي بنهاية تراجيدية شبيهة بتلك النهاية التي صممها الرئيس لرفيقة عمره.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال