بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

بشيرة بن مراد..هندسة الذاكرة الممنوعة

2026-07-16 23 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بشيرة بن مراد..هندسة الذاكرة الممنوعة
ثمة مدن لا تمنح أسرارها إلا لمن يعبرونها مشيا على الأقدام وثمة تواريخ لا تكشف عن وجوهها الحقيقية إلا حين تسقط الهياكل المزيفة وتتآكل الجدران المطلية بالترميم الكاذب.
في الطابق الأول من دار الباي بحمام الأنف ذلك القصر الحسيني العريق الذي شيد سنة 1750 كملاذ للملوك والاستجمام كانت الرطوبة تأكل الجدران ببطء والملح ينخر الذاكرة بينما تحول الجناح الملكي إلى ما يشبه الوكالة الشعبية المحاصرة بالأنقاض والمياه الراكدة.
هناك، في غرفة مظلمة ذات نوافذ مغلقة مطلية بلون أزرق باهت جلست بشيرة بن مراد في عقودها الأخيرة تراقب المنفى الرمزي الذي فرضته عليها دولة الاستقلال.
لم يكن هذا المنفى مجرد تهميش لامرأة بل كان عملية هندسة سياسية ممنهجة لتصفية الذاكرة التعددية وصياغة سردية البطل الأوحد الذي وهب التحديث لشعب غارق في العتمة.
ولدت بشيرة بن مراد سنة 1913 في تربة الباي بقلب مدينة تونس العتيقة في فضاء أرستقراطي مشبع بالهيبة والعلوم الشرعية والقضائية.
من جهة الأب كانت تنتمي إلى عائلة بن مراد الحنفية العريقة حيث كان جدها الشيخ أحمد بن مراد مفتيا حنفيا ووالدها الشيخ محمد الصالح بن مراد شيخ الإسلام الحنفي ورئيس المحكمة الشرعية العليا وأحد أركان جامع الزيتونة.
ومن جهة الأم تداخلت جذورها مع عائلة بلخوجة ذات الأصول التركية والحسينية عبر جدها شيخ الإسلام محمود بلخوجة.
هذا المزيج النادر من النفوذ الرمزي والاجتماعي وهبها حصانة مبكرة لتجاوز الأسوار السميكة التي كانت تحجب النساء عن الفضاء العام.
وفي سنة 1923 وتحت رعاية والدها الذي استشعر فيها نبوغا مبكرا جلب لها كبار شيوخ الزيتونة لتعليمها في المنزل فتتلمذت على يد محمد مناشو الذي علمها أصول الإنشاء والكتابة وفرج عباس ومحمد بوذينة.
حفظت القرآن وأتقنت لغة الضاد وتعمقت في دواوين الشعر العربي وتلقّت دروسا في العزف على البيانو لتجمع بين صرامة الفقه ورقة الفن.
وشكل زواجها سنة 1929 من الشيخ صالح الزهار الذي كان يعمل في سلك العدول سندا غير متوقع فرغم خلفيته الدينية المحافظة دفع بها نحو معترك النضال الوطني والنسوي ولأنها لم تنجب أطفالا تحول الوطن إلى ابنها الوحيد الذي وهبته
حياتها حتى وفاته سنة 1952.
تتبدى عبقرية هذه المسيرة في تفكيك ثنائية التقليد والتحديث ففي سنة 1930 عندما أصدر المصلح الطاهر الحداد كتابه السجالي امرأتنا في الشريعة والمجتمع داعيا إلى تحرير المرأة وإلغاء النقاب أحدث هزة عنيفة في الأوساط المحافظة التي رأت في طروحاته انبتاتا عن الهوية الإسلامية وتأثرا بالنموذج الغربي تحت رعاية المستعمر.
قاد الشيخ محمد الصالح بن مراد جبهة الرد الشرعي بكتابه الحداد على امرأة الحداد سنة 1931 لكن رده لم يكن انغلاقا أو رفضا لتعليم المرأة بل كان دفاعا عن مرجعية التحرير الذاتية.
أراد الشيخ أن يثبت عمليا أن الزيتونة قادرة على صناعة نسوية مستنيرة دون التخلي عن الهوية العربية والإسلامية فدفع بابنتيه بشيرة ونجيبة إلى الصحافة والخطابة.
بدأت بشيرة تكتب مقالات فكرية جريئة موقعة باسمها أو بأسماء مستعارة ونشرت في مجلة والدها شمس الإسلام التي تأسست سنة 1937 مقالها التأسيسي علموا المرأة إن شئتم العزة والحياة ومقال تعاون المرأة والرجل.
كما ساهمت في تأسيس صحيفة تونس الفتاة وكتبت في مجلة المسرح وجريدة الحرية مقالات تدعو فيها إلى رفع الجهل ونشر المعرفة كشرط أساسي لنهضة الأمة وتحرير الوطن.
لم تكتف بشيرة بالصالونات الفكرية بل أدركت مبكرا ضرورة مأسسة العمل النسوي فبعد تجربة أولى تمثلت في تأسيس جمعية النساء المسلمات الخيرية في 20 فيفري 1932 بالتعاون مع شقيقتها نجيبة ونساء الطبقة الأرستقراطية قادت في ديسمبر 1936 خطوة عملاقة بتأسيس الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي كأول منظمة نسائية مستقلة.
تم هذا التأسيس بتنسيق وثيق مع القيادات الشابة للحزب الحر الدستوري الجديد والمقاومة حيث دعم هذا المسار مناضلون من وزن علي البلهوان والمنجي سليم والجلولي فارس وفرحات حشاد ورشيد إدريس الذي تولى كتابة وتدقيق القانون الأساسي للاتحاد مستندا إلى مذكرات وتوجيهات وضعها الشيخ محمد الصالح بن مراد لضمان المزاوجة بين البعدين الشرعي والوطني.
وضمت الهيئة التأسيسية نخبا طبية وفكرية مثل الدكتورة توحيدة بن الشيخ وبدرة بن مصطفى ونعيمة داود ونبيهة بن ميلاد.
ورغم تقدمهن للحصول على الترخيص القانوني سنة 1938 إلا أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية رفضت الطلب فواصل الاتحاد نشاطه سرا حتى نال الاعتراف الرسمي سنة 1951.

كان المشهد النسوي التونسي في الأربعينيات والخمسينيات يموج بتعددية فكرية مذهلة ترفض الاحتواء فبينما كان اتحاد بشيرة بن مراد يمثل التيار الوطني الإسلامي المستنير المرتبط بالزيتونة ظهر في مارس 1944 اتحاد نساء تونس واتحاد الفتيات التونسيات بقيادة نبيهة بن ميلاد بدعم من الحزب الشيوعي التونسي حيث ركزت هذه الكيانات اليسارية على محو الأمية ومناهضة الفاشية عبر دوريات باللغة الفرنسية مثل نساء تونس وفتيات تونس.
كانت الساحة تتسع للجميع وكان التنافس يثري الحراك المجتمعي قبل أن تأتي دولة الاستقلال لتؤمم هذا الفضاء بإنشاء الاتحاد القومي النسائي التونسي في جانفي 1957 وهو الهيكل الذي ترأسته راضية حداد ثم فتحية مزالي ليكون الذراع النسوي الرسمي التابع للحزب الحاكم وجزءا من جهاز نسوية الدولة الذي صادر استقلالية المجتمع المدني.
تجاوزت بشيرة بن مراد دور النخبة لتصبح قائدة ميدانية تحرك الشارع ففي مظاهرات 8 و9 أفريل 1938 التاريخية خرجت سافرة الوجه لا ترفا بل كفعل احتجاجي لكسر القيود وحشد النساء خلف مطالب السيادة الوطنية مما عرضها للاعتقال والتنكيل على يد سلطات الحماية التي سجنتها في الحمام السوري لقطع اتصالاتها بالخلايا النسائية في الجهات. ولم يكن نفوذها ميدانيا فحسب بل كانت البنية التحتية والمالية للحركة الوطنية تدين للاتحاد الذي قادته إذ نظمت حملات لجمع التبرعات لعائلات المساجين السياسيين وقامت بجمع الأموال لإرسالها لدعم الطلاب التونسيين في باريس ومارسيليا.
وتكشف الوثائق التاريخية أن كبار قادة ووزراء دولة الاستقلال اللاحقين كانوا يستفيدون من هذه المساعدات عندما كانوا طلابا محتاجين في فرنسا ومنهم الحبيب بورقيبة والمنجي سليم والجلولي فارس والهادي نويرة والباجي لضغم وأحمد بن ميلاد ورشيد إدريس وشاذلي القليبي وحسيب بن عمار.
وتؤكد رسالة رئيس اتحاد الطلبة المسلمين المغاربة عبد الحميد الدزيري المؤرخة في 13 ديسمبر 1950 استلام مئة دينار أرسلتها بن مراد بالتعاون مع الأميرة عائشة لدعم الطلاب ومنهم طالب الآداب بباريس الطيب المصمودي. وعندما عزل الباي الأمين الشيخ محمد الصالح بن مراد من منصبه كشيخ للإسلام في أوت 1946 بسبب تزعمه عريضة شيوخ الزيتونة للمطالبة بإطلاق سراح قادة المؤتمر الوطني المعتقلين في مؤتمر ليلة القدر قادت بشيرة المظاهرات الحاشدة مستندة إلى نفوذ عائلتها لتربط الدفاع عن رمزية الزيتونة بالمعركة الوطنية الكبرى.
لكن رياح الاستقلال حملت معها منطقا سياسيا مغايرا فعقب عودة الحبيب بورقيبة وتأسيسه للدولة الحديثة تصادمت طموحاته الأحادية مع رأس المال الرمزي لبشيرة بن مراد. حاولت السلطة استقطابها لكن القطيعة أصبحت حتمية بعد ثلاث لاءات صريحة وجهتها بن مراد لبورقيبة.
تمثلت اللاء الأولى في رفضها أن تكون جسرا اجتماعيا يمهد لبورقيبة القادم من خارج النخبة البلدية العاصمية التغلغل داخل العائلات الأرستقراطية لشرعنة قيادته.
وتمثلت اللاء الثانية في رفضها دمج حركتها النسوية المستقلة وتحويلها إلى مجرد بوق دعائي للحكومة الجديدة. وجاءت اللاء الثالثة والقاتلة عندما انحازت صراحة في صراع الأخوة الأعداء سنة 1955 إلى صالح بن يوسف الذي كان يطالب بالاستقلال التام ويرفض منطق المراحل البورقيبي. تلاقت هذه المواقف مع رغبة بورقيبة في احتكار منجز تحديث المجتمع فأراد أن تظهر مجلة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1956 كمنحة شخصية هبطت من الزعيم الأوحد، متجاهلا نضالات تراكمت لعقود.
وجاء خطاب بن مراد في معهد كارنو سنة 1955 والذي طالبت فيه بالمساواة السياسية الكاملة وحقوق التعليم والشغل على أساس الأخلاق الإسلامية ليكشف عن وجود
بديل تحديثي زيتوني ينافس النموذج البورقيبي الغربي.

عوقبت بشيرة بتجميد منظمتها وتفكيكها وحل محلها الاتحاد القومي النسائي التونسي لفرض السيطرة المطلقة. ولم تسلم حتى من ساندت هذا الخيار فراضية حداد التي قادت اتحاد نسوية الدولة تعرضت لاحقا للتنكيل وملاحقتها قضائيا ورفع الحصانة البرلمانية عنها سنة 1973 لمجرد معارضتها لبعض سياسات النظام في تأكيد على أن نسوية الدولة تلتهم بناتها بمجرد خروجهن عن طاعة الحاكم.

عاشت بشيرة بن مراد عقودها الأخيرة تحت وطأة إقامة جبرية غير معلنة في منزلها بحمام الأنف معزولة عن المحافل الرسمية ووسائل الإعلام التي تحاشى ذكر اسمها لعقود.
وفي سنة 1986 زارتها الباحثة إيليا لبيدي لتنشر شهادتها التاريخية سنة 1987 في كتاب أصول الحركة النسائية في
تونس تلاها المخرج منصف بربوش الذي زارها سنة 1988 ليوثق التباين الصارخ بين نبل المناضلة الأرستقراطية وبؤس حالها المادي والجسدي في ذلك القصر المتداعي.
ورغم محاولة نظام زين العابدين بن علي بعد انقلاب 7 نوفمبر 1987 توظيف اسمها عبر إحداث جائزة بشيرة بن مراد لتزيين واجهة النظام بالحداثة إلا أن هذه الخطوة المتأخرة لم تمح مرارة الجحود التي رافقتها حتى وفاتها في صمت يوم 4 ماي 1993.
لم تنته القصة برحيل الجسد إذ خاض المخرج منصف بربوش معركة امتدت ثلاثين عاما لاستعادة هذه الذاكرة المغيبة عبر
فيلمه الوثائقي الروائي التونسية الصادر سنة 2024 .
واجه المخرج عقبات هيكلية كشفت عن عملية تصفية ممنهجة إذ تبين خلو الأرشيف الوطني التونسي من أي مراسلات أو وثائق تخص بن مراد مما اضطره للبحث في أرشيفات فرنسا وبلجيكا وكندا.
أثار الفيلم جدلا واسعا بعرضه وثائق نادرة وشهادات لفاعلين من بينها شهادة الأميرة سلوى حفيدة الباي الأمين التي كشفت أن بشيرة بن مراد هي من قدمت الحبيب بورقيبة للباي وفتحت له أبواب القصر الحسيني.
هذا التناول النقدي واجه حصارا غير مباشر فاستبعد الفيلم من المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية في دورتي 2023 و2024 ووضع في قسم البانوراما مع امتناع وزارتي الثقافة والمرأة والاتحاد الوطني للمرأة التونسية عن تقديم الدعم.
ورغم هذا التضييق انطلقت جهود شعبية وثقافية لاستعادة هذه الذاكرة كان أبرزها الفعالية الوطنية التي احتضنتها دار الثقافة علي بن عياد بحمام الأنف في 3 أفريل 2025 تحت عنوان الذكاء الاصطناعي في خدمة الفرنكوفونية تحية للمناضلة بشيرة بن مراد بالتعاون مع جمعية سيكلامين وبحضور سفراء أجانب وعائلة المناضلة ممثلة في عدنان وقيس وشيراز وإيمان وعياض وحمزة بن مراد والناشطة راضية الجربي حيث تم عرض فيلم وثائقي قصير نفذه شباب الجمعية بتقنيات حديثة للحفاظ على الهوية الوطنية واستحضار مسيرتها.
تكشف سيرة بشيرة بن مراد ومآل نضالها عن البنية العميقة لكتابة التاريخ في تونس بعد الاستقلال حيث لم يكن النسيان مجرد عارض زمني بل كان أداة سياسية واعية لفرض الهيمنة وتجريد المجتمع من تعدديته واستقلالية مجتمعه المدني.
إحياء ذكرى هذه المناضلة اليوم يمثل خطوة أساسية لإعادة قراءة منجزات تونس الحديثة لا كأعطية من سلطة حاكمة بل كحق انتزعته أجيال من المناضلين والمناضلات الذين دفعوا ثمن مواقفهم في صمت الغرف المظلمة وخلف جدران القصور المتهالكة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال