بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

إلى تطاوين بلا عودة

2026-07-15 88 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إلى تطاوين بلا عودة
في أقصى الجنوب حيث يلتقي التراب بالسماء في عناق ملتهب تبدو الأرض وكأنها لفظت أبناءها لتتركهم في مواجهة مباشرة مع الريح والسموم.
هناك، في تلك الجغرافيا التي يسميها العابرون تطاوين لم تكن الطبيعة وحدها هي القاسية بل كان الإنسان الاستعماري قد هندس هناك جحيما أرضيا تداخلت فيه الأساطير بالحقائق وصار الاسم نفسه مرادفا للمنفى الأبدي والرحيل الذي لا عودة منه.
في المخيلة الفرنسية طوال القرن العشرين كانت عبارة الذهاب إلى تطاوين أو تلك المزحة الباردة تطاوين الحمامات تختزل رعبا دفينا يتجاوز جغرافية المكان ليمس جوهر العقاب البشري غير أن وراء هذا التداول اللفظي اليومي يكمن جرح غائر في جسد الصحراء وتاريخ مسكوت عنه زيفته الآلة الإعلامية الكولونيالية لتغطي به على بشاعة منظومة صممت خصيصا لسحق الروح الإنسانية تحت وطأة الشمس الحارقة.
تتحرك عربات التاريخ في هذه البقاع لتكشف عن مغالطة قانونية لطالما روجت لها السرديات الشائعة.
فالحديث عن سجن الأشغال الشاقة في تطاوين ينطوي على خلط كبير بين البنى القضائية المدنية والعسكرية.
قانونيا، لم تشهد تطاوين يوما وجود باغني بالمعنى التقليدي الذي عرفته الموانئ العسكرية الفرنسية كطولون أو بريست أو تلك المعتقلات البعيدة في كاليدونيا الجديدة وغويانا الفرنسية التي كانت تستقبل المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة.
المؤسسة العقابية العسكرية الوحيدة التي حملت صفة سجن عسكري مختلط في تونس كانت تقع في تبرسق والتي أغلقت
أبوابها نهائيا عام 1926.
أما تلك القلعة الجاثمة في رمال تطاوين فلم تكن سوى المقر المتقدم لفيالق المشاة الخفيفة الأفريقية، تلك الوحدات التي عرفت عسكريا وشعبيا باسم بات داف.
أطلق الخيال الشعبي المذعور والصحافة الباريسية المتعطشة للإثارة صفة السجن مجازا على هذه الثكنات لأن ظروف الخدمة والعيش فيها لم تكن تختلف في قسوتها وساديتها عن أعتى معتقلات الأشغال الشاقة في العالم.

كانت هذه الفيالق الخمسة تشكل العمود الفقري للمنظومة العقابية الكولونيالية في شمال أفريقيا وتكشف السجلات العسكرية بدقة عن حركتها وتوزيعها الجغرافي الممتد.
تأسس الفيلق الأول في 13 جوان 1832 بين مستغانم ووهران ثم نقل إلى تطاوين بعد عام 1932 ليحل في عام
1940 ويعاد تشكيله في سبتمبر 1948.
وفي ذات اليوم من عام 1832 ولد الفيلق الثاني في بجاية ليشارك في عمليات المغرب الغربي قبل أن يطويه الحل في عام 1927 إثر انتهاء حرب الريف.
أما الفيلق الثالث فقد بدأ مسيرته عام 1857 متنقلا بين عنابة والكاف وتطاوين ثم آوتات الحاج بالمغرب ليحل عام 1932 ويعاد تشكيله حتى نهايته في أوبوك عام 1972. وفي ماي 1888 تأسس الفيلقان الرابع والخامس حيث تمركز الرابع بين قابس ومدنين ووجدة وحل عام 1927 في حين تولى الخامس تأمين الحدود التونسية الليبية انطلاقا من باتنة وقابس حتى نهايته العسكرية عام 1925.

في زوايا هذا الجحيم تولدت أساطير كثيرة رعتها الصحافة الاستعمارية لتبرير العنف المسلط على هؤلاء المجندين.
لعل أبرزها أسطورة الوشم الإجباري الذي صورته الروايات الفرنسية كعلامة فارقة ووصمة أبدية يحملها كل من وطئت قدمه تطاوين.
كانت الصحف الباريسية تنشر صورا ورسوما لجنود مغطاة أجسادهم بوشوم مرعبة مثل السير أو الموت على السيقان موحية بأن هذه الفيالق ليست سوى قطعان من الوحوش الآدمية المتوحشة لكن حين ننبش في الذاكرة الأرشيفية المحفوظة في أرشيف وزارة الحرب ببلدة فانسن الفرنسية وتحديدا في دفاتر الخدمة العسكرية وضمن خانة العلامات المميزة للمجندين تصدمنا الحقيقة العارية بأن أكثر من 95 في المئة من هؤلاء الجنود لم يحملوا على أجسادهم أي وشم على الإطلاق.
كانت ظاهرة الوشم مقتصرة على فئة ضئيلة لا تتجاوز 5 في المئة وهم من معتادي الإجرام القادمين من قاع المجتمع الباريسي.
كانت البروباغندا الاستعمارية تحتاج إلى تصوير هؤلاء الجنود كمسوخ لشرعنة المعاملة اللاإنسانية التي يتلقونها ولكي لا يتعاطف الرأي العام الفرنسي مع مصائرهم المأساوية تحت شمس الصحراء الحارقة.
لم يكن الانضباط العسكري في معسكر تطاوين يفرض بالتراتيب العادية بل كان يكتب بالدم والألم والتشويه الممنهج للأجساد.
صممت منظومة بيريبي التأديبية بروتوكولا عقابيا يهدف إلى كسر الإرادة الحرة وتحويل الإنسان إلى حطام بيولوجي طائع.
في تلك المساحات الملتهبة كانت أساليب التعذيب تمارس كطقوس يومية مقدسة لفرض الهيمنة الاستعمارية.
كان عقاب الكرابودين يمثل ذروة التنكيل البدني حيث تربط معاصم المجند بكاحليه خلف ظهره بقوة شديدة تحت الشمس الحارقة مما يؤدي إلى تمدد مفرط للعضلات والمفاصل ينتهي غالبا بخلع الكتفين أو الوفاة اختناقا.
ولمن يبدي أي مقاومة كانت الصومعة الأرضية في انتظاره وهي حفرة عميقة مستديرة يلقى فيها الجندي عاريا أو شبه عار محروما من الجلوس أو الاستلقاء لينهشه تقلب الطقس الصحراوي بين الهجير الحارق والبرد القارس.
وفي غياهب الأرض بنيت زنازين القبر الضيقة والمظلمة ليعزل فيها المجند لأسابيع كاملة حتى يفقد إدراكه بالزمن والمكان وتنهار قواه العقلية تماما.
أما العقوبات السريعة لفرض الطاعة الفورية أثناء الطوابير فكانت تتم عبر أداة الضغط الميكانيكي التي توضع على إبهام المجند لتضغط العظام والمفاصل عبر براغي لولبية تسبب آلاما عصبية حادة وتلفا دائما.
هذا التنكيل المنهجي لم يظل سريا للأبد بل تسلل من بين شقوق الجدران ليفجر قضايا حقوقية هزت وجدان الرأي العام في فرنسا.
في عام 1909 لقي المجند الشاب ألبير لويس أيرنولت حتفه في أحد المراكز التأديبية التابعة للمنظومة الكولونيالية نتيجة الضرب المبرح والتعذيب المستمر وحاولت القيادة العسكرية التستر على الجريمة بادعاء وفاته بضربة شمس طبيعية لكن تسريب رفاقه لشهادات حية كشف الحقيقة لتتحول قضيته إلى ما يشبه قضية دريفوس عمالية أطلقت احتجاجات صاخبة في شوارع باريس.
وفي عام 1924 جاء الصحفي الاستقصائي الشجاع ألبير لوندريس ليضع إصبعه على الجرح النازف في كتابه الشهير دانتي لم ير شيئا فاضحا بالوثائق والمشاهدات الحية أساليب العبودية الحديثة والمسالخ البشرية التي تديرها المؤسسة العسكرية في شمال أفريقيا.
كانت هناك أصوات نادرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها رفضت هذا الإرث الدموي مثل الجنرال جاك باريس دي بولارديير الذي واجه لاحقا سياسات التعذيب في الجزائر ودفع ثمن موقفه الأخلاقي بالسجن لستين يوما في قلعة عسكرية مؤكدا أن وحشية الآلة الاستعمارية لم تكن بلا مقاومة أخلاقية حتى من بين جلاديها الكبار.
لكن سخرية القدر التاريخية تجلت في تحول هذه القلعة الصحراوية النائية التي صممت للتقويم والردع إلى أكاديمية كبرى للجريمة المنظمة.
في زنازين تطاوين وخلف جدرانها الملتهبة لم يتعلم المجندون الانضباط بل تلاقت مسارات عتاة المجرمين واللصوص الهاربين من العدالة في فرنسا لتبني تحالفات إجرامية غيرت وجه الجريمة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
هناك، التقى بيير لوترال الذي سيعرف لاحقا باسم بيير المجنون بجوزيف آتيا الملقب بجو الكبير.
تطوع لوترال في فيالق المشاة الخفيفة عام 1931 هربا من ملاحقات قضائية بتهم القوادة والسرقة بينما أرسل آتيا إلى الفصائل ذاتها نتيجة سجل جنائي حافل بالسرقات والاعتداءات.
في قلب تلك الصحراء طوّر الرجلان غريزة بقاء حديدية وتعلما تكتيكات المناورة العسكرية الصارمة واستخدام الأسلحة الحديثة وتصنيع المتفجرات.
عند تسريحهما في نهاية الثلاثينيات نقلا هذه الخبرات الحربية إلى قلب المدن الفرنسية ليؤسسا عصابة سيارات الجر الأمامي الشهيرة التي نفذت عمليات سطو مسلح بالغة الدقة والتنظيم وكأنها عمليات كوماندوز عسكرية نظامية. ولم تتوقف آثار هذا التحالف عند حدود الجريمة التقليدية بل تداخلت مع دهاليز السياسة القذرة والأجهزة السرية حيث وظف جوزيف آتيا كعميل لصالح مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس الفرنسية وشارك لاحقا في عمليات تصفية واختطاف معقدة كان أبرزها اختطاف الزعيم المعارض المغربي المهدي بن بركة في قلب باريس عام 1965.
تجاوز اسم تطاوين حدود الجغرافيا العسكرية ليلقي بظلاله الغريبة على فضاءات علمية ولغوية وثقافية لم يكن أحد ليتوقعها ففي كيبك الكندية نشأت في اللغة العامية مفردة تتاوانيه وتعني المماطلة والتأخر والتردد دون جدوى في إشارة طريفة ومجازية لعلها انتقلت عبر المحاربين القدامى لوصف وتيرة العمل الرتيبة والبطيئة تحت سياط المراقبة العسكرية في الصحراء التونسية.
وفي عام 1931 تحديدا في 27 جوان لفتت تطاوين أنظار علماء الفلك حول العالم بسقوط نيزك نادر وفريد سجل دوليا باسم نيزك تطاوين وقد اكتسب هذا النيزك القادم من الكويكب فيستا أهمية علمية استثنائية بعد عقود عندما استخدمت البنى المجهرية على سطحه لدحض فرضيات وجود حياة بكتيرية على المريخ ليثبت العلماء أن تلك التشكيلات لم تكن سوى بكتيريا أرضية تونسية لوثت النيزك لحظة ارتطامه بالأرض.
وعلاوة على ذلك خلدت المنطقة في السجلات العلمية باكتشاف بقايا ديناصور فريد عاش في العصر الطباشيري أطلق عليه اسم تطاوينيا هانيباليس تكريما للجهة وللقائد القرطاجي هانيبال باركا.
أما في المخيلة السينمائية العالمية فقد سحرت هذه الجغرافيا الفريدة بمعمارها البربري المجهول وبيوتها المحفورة في الصخور عقل المخرج الأمريكي جورج لوكاس الذي استلهم اسم المدينة ليطلقه على الكوكب الخيالي تاتوين في ملحمة حرب النجوم الشهيرة حيث صور مشاهدها الأيقونية في بيوت وقصور تطاوين القديمة.
لكن التراب الذي احتضن هذه التحولات لم يكن مستكينا يوما. لقد وعت قبائل تطاوين الأبية من الودارنة وبني يزيد وأولاد شهيدة خطورة هذا الغرس الاستعماري على أرضهم فخاضوا ضد حاميات الاحتلال معارك ضارية سجلها التاريخ بمداد من فخر.
كانت معركة رمثة التاريخية في 25 و26 سبتمبر 1915 ملحمة بطولية سقط فيها عشرات القتلى والجرحى في صفوف الجيش الفرنسي النظامي لتثبت أن أهالي الصحراء لا يقبلون الضيم.
وعقب نيل تونس لاستقلالها عام 1956 لم تكن السيادة الوطنية لتكتمل طالما بقيت القلعة العسكرية في تطاوين تحت السيطرة الفرنسية.
من قلب هذه المدينة أعلن الحبيب بورقيبة في 18 جوان
1956 انطلاق معركة الجلاء الكبرى.
وتوجت هذه المواجهة السياسية والعسكرية بمعارك رمادة الدامية بين 19 فيفري و25 ماي1958 حيث واجه المقاومون والمتطوعون والجنود التونسيون قصف الطائرات الفرنسية القادمة من الجزائر ببسالة منقطعة النظير.
هذه التضحيات الجسيمة عجلت بتوقيع اتفاق 17 جوان 1958 الذي نص على انسحاب القوات الفرنسية بالكامل من الجنوب التونسي وتسليم ثكنة تطاوين التأديبية لتتحول إلى حصن عسكري تونسي خالص قبل أن يكتمل الجلاء الشامل بجلاء آخر جندي فرنسي عن بنزرت في 15 أكتوبر 1963.

يبقى تاريخ معسكرات تطاوين التأديبية شاهدا حيا على حقبة تداخل فيها القهر بالأسطورة والرمال بالدم البشري.
هذه الجغرافيا التي أرادها المستعمر مقبرة للأرواح ومصنعا لإعادة صياغة العبيد تمردت على صانعها لتكشف عن وجهها الحقيقي كأرض للمقاومة والإبداع والامتداد الكوني.
تلاشت سياط بيريبي واندثرت أصوات الجلادين في هجير الصحراء وظلت تطاوين شامخة بقصورها الشاهقة وتاريخها العصي على النسيان ليردد الأفق حكايات الرجال الذين عبروا هذا الجحيم وصنعوا من قسوته فجرا جديدا للحرية والكرامة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال