كلمة إلى الأحزاب الإسلامية في الجزائر
يجد أي نقاش يتعلق بالأحزاب الإسلامية في الجزائر نفسه محاطًا بحساسيات كبيرة؛ فأنصارها يرون أن النقد غالبًا ما يكون مجحفًا أو موجهًا، بينما يرى منتقدوها أن أداءها السياسي يستوجب المراجعة والمساءلة مثل أي فاعل سياسي آخر. والحقيقة أن الأحزاب، مهما كانت مرجعيتها الفكرية أو الإيديولوجية، هي مؤسسات عمومية تعمل في الشأن العام، ومن الطبيعي أن تخضع للنقد والتقييم. فالمواطن من حقه أن يسائل أداءها، ومن حقها أن ترد أو تدافع عن خياراتها.
في مرحلة من المراحل، كان الحديث عن "المشروع الإسلامي" يمثل مصدر الجاذبية الأكبر للأحزاب الإسلامية. فقد التف حولها قطاع واسع من الجزائريين، ليس فقط لأنها كانت تقدم نفسها كبديل سياسي، وإنما لأنها حملت وعودًا بالإصلاح الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وربطت بين العمل السياسي والقيم الإسلامية.
لكن مع مرور الزمن، تراجع حضور هذا الخطاب، وأصبحت الأولوية لدى كثير من هذه الأحزاب هي إدارة العمل الحزبي اليومي والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، أكثر من تقديم تصور متكامل لمشروعها الفكري والسياسي. وهذا التحول أثار تساؤلات لدى جزء من الرأي العام حول ما إذا كانت هذه الأحزاب قد حافظت على هويتها الأولى أم أنها اندمجت في المشهد السياسي التقليدي.
التفكك والانقسام... أزمة ثقة
من أبرز مظاهر الأزمة كثرة الانشقاقات والانقسامات داخل التيار الإسلامي. فقد شهدت الساحة السياسية ميلاد أحزاب متعددة خرج معظمها من رحم تنظيمات سابقة، حتى أصبح المواطن العادي يجد صعوبة في التمييز بينها.
هذه الانقسامات لا تؤثر فقط على القوة الانتخابية، بل تخلق أيضًا حالة من الحيرة لدى الناخبين: إذا كانت جميع الأطراف تؤكد أنها تمثل المرجعية الإسلامية، فمن الذي يعبر عنها حقًا؟ ولماذا تعجز هذه الأحزاب عن إدارة خلافاتها داخل أطر تنظيمية مستقرة؟
فقدان التميز
كانت الأحزاب الإسلامية تتميز بخطاب أخلاقي واضح، وبحضور قوي لمفاهيم مثل النزاهة، والتقوى، والإخلاص، وخدمة الصالح العام. غير أن كثيرًا من المراقبين يرون أن هذا التميز تراجع تدريجيًا، حتى أصبحت هذه الأحزاب، في نظر جزء من المواطنين، لا تختلف كثيرًا عن بقية الأحزاب السياسية في أساليبها وخطاباتها وتحالفاتها.
وفقدان التميز السياسي يعد بداية فقدان القدرة على الإقناع والاستقطاب، لأن الناخب يبحث دائمًا عن قيمة مضافة، لا عن نسخة أخرى من الواقع السياسي القائم.
التراجع الانتخابي... هل تكفي نظرية المؤامرة؟
لا يمكن إنكار أن نتائج الأحزاب الإسلامية شهدت تراجعًا مقارنة بما كانت تحققه في مراحل سابقة.
ويُرجع بعض أنصارها ذلك إلى عوامل خارجية أو إلى وجود مؤامرات تستهدفها، وهي عوامل قد يكون لبعضها أثر في ظروف معينة. لكن الاقتصار على هذا التفسير وحده قد يحجب الحاجة إلى مراجعة الأسباب الداخلية، مثل ضعف الخطاب، وتراجع الحضور الشعبي، والانقسامات، وعدم تجديد النخب والبرامج.
فأي تجربة سياسية تحتاج إلى النقد الذاتي قبل البحث عن الأسباب الخارجية.
المشاركة السياسية بين الحضور والتأثير
تشارك بعض الأحزاب الإسلامية في البرلمان والحكومات المتعاقبة، إلا أن السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين هو: ما حجم التأثير الحقيقي لهذه المشاركة؟
إذا كانت المشاركة لا تترجم إلى سياسات تعكس برامج الحزب أو تحقق وعوده، فإنها قد تتحول إلى مجرد حضور شكلي داخل المؤسسات، دون قدرة فعلية على إحداث تغيير ملموس.
وينطبق الأمر نفسه على المشاركة في الانتخابات الرئاسية؛ فإذا كانت هذه المشاركات لا تتجاوز تسجيل الحضور السياسي، فإنها قد تُفهم على أنها جزء من المشهد أكثر من كونها منافسة حقيقية على تنفيذ مشروع سياسي.
بين الوعود والواقع
من أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأحزاب السياسية هو صناعة توقعات لا تملك الوسائل لتحقيقها. فعندما تُقدم وعودًا كبيرة، بينما تكون قدرتها الفعلية على التغيير محدودة، فإنها تخاطر بفقدان ثقة قواعدها الشعبية.
وتزداد المشكلة عندما يقتنع المناضلون بإمكانية تحقيق أهداف لا تسمح بها موازين القوى أو طبيعة المشاركة السياسية القائمة، لأن ذلك قد يخلق فجوة بين الخطاب والواقع، وما يترتب عليها من إحباط فكري ونفسي.
ما الذي يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا؟
إذا أرادت الأحزاب الإسلامية استعادة ثقة جزء من الشارع، فإن ذلك يقتضي مراجعة شاملة لتجربتها السياسية، تقوم على عدة أسس:
• تجديد المنهج السياسي بعيدًا عن تكرار الأساليب القديمة.
• تبني خطاب واضح وصريح يحدد ما تستطيع تحقيقه وما تعجز عنه.
• تعزيز الحضور الفاعل، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، بحيث يكون موقفها مؤثرًا ومفهومًا لدى المواطنين.
• إجراء مراجعات فكرية وتنظيمية بشجاعة، والاعتراف بالأخطاء بدل الاكتفاء بتبريرها.
• إدراك أن مجرد رفع المرجعية الإسلامية لا يكفي لكسب ثقة الناخب، بل إن الأداء والإنجاز هما المعيار الحقيقي.
• الكف عن التعويل على فكرة توحيد جميع الإسلاميين إذا كانت الخلافات الشخصية والتنظيمية ما تزال تحول دون ذلك.
خاتمة
إن تقييم تجربة الأحزاب الإسلامية في الجزائر لا ينبغي أن يكون هجومًا عليها ولا دفاعًا غير مشروط عنها، بل قراءة موضوعية لتجربة امتدت لعقود، حققت بعض المكاسب وأخفقت في جوانب أخرى.
فكل تيار سياسي يملك فرصة للتجديد إذا امتلك شجاعة النقد الذاتي، واعترف بأن ثقة المواطنين لا تُكتسب بالشعارات، وإنما بالوضوح والصدق والقدرة على تحويل المبادئ إلى سياسات ونتائج ملموسة.
عبد العزيز كحيل
من المشروع الإسلامي إلى العمل الحزبي
2026-07-11
51 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال