بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من جغرافيا الاختبار إلى جغرافيا الحرب... طوفان الأقصى وبداية التصدع الكبير في نظام سايكس–بيكو

2026-07-10 56 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من جغرافيا الاختبار إلى جغرافيا الحرب... طوفان الأقصى وبداية التصدع الكبير في نظام سايكس–بيكو
من جغرافيا الاختبار إلى جغرافيا الحرب... طوفان الأقصى وبداية التصدع الكبير في نظام سايكس–بيكو

لم تكن الحدود التي عرفها الشرق الأوسط خلال القرن الماضي مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل كانت تعبيرًا عن نظام دولي كامل نشأ بعد اسقاط الخلافة العثمانية، و ما رسخته وما تلاها من ترتيبات سياسية وعسكرية. وقد قام ذلك النظام على نقل مركز القرار من داخل المنطقة إلى خارجها، بحيث أصبحت العواصم الكبرى هي التي تحدد اتجاهات الحرب والسلام، بينما انحصرت أدوار القوى المحلية في التكيف مع موازين القوى الدولية.
وهذا ما يمكن تسميته بـ"جغرافيا الاختبار"، حيث لا تكون الدول صانعة للتاريخ، بل موضوعًا له؛ تُختبر قدرتها على الصمود، وتُدار أزماتها، وتُعاد هندسة أنظمتها وفق مصالح القوى الأكثر نفوذًا. وعلى امتداد قرن كامل، شهد الشرق الأوسط و شمال افريقيا حروبًا وتسويات وانقلابات وتحالفات، لكن الإطار العام السايكس بيكو الذي تأسس بعد الحرب العالمية الأولى بقي قائمًا، رغم ما تعرض له من اهتزازات.
غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات على أن هذا الإطار يواجه ضغوطًا متزايدة. فقد أدى صعود قوى إقليمية، وتغير موازين القوى العالمية، وتراجع الأحادية الدولية، إلى خلق بيئة أكثر سيولة، أصبح فيها هامش المبادرة لدى بعض الفاعلين الإقليميين أكبر مما كان عليه في العقود السابقة.
وفي هذا السياق، ينظر بعض المحللين إلى أحداث السابع من أكتوبر 2023، المرتبطة بعملية طوفان الأقصى، باعتبارها نقطة تحول استراتيجية. فبعيدًا عن تقييم نتائجها العسكرية أو السياسية المباشرة، يرى أصحاب هذا الاتجاه أنها دفعت بالقضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي من جديد، وأعادت ترتيب أولويات القوى الدولية والإقليمية، وأثرت في مسارات كانت تبدو مستقرة قبل ذلك.
كما أن هذه التطورات تزامنت مع استمرار صعود تركيا الاردوغانية كلاعب إقليمي مؤثر. فمن خلال تطوير صناعاتها الدفاعية، وتوسيع حضورها في سوريا وليبيا وجنوب القوقاز والقرن الأفريقي، سعت أنقرة إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة قادرة على التأثير في معادلات الإقليم، مستفيدة في الوقت ذاته من التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ومن حاجة أوروبا إلى شريك إقليمي يمتلك موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا مهمًا.
ومن هنا تكتسب أي تفاهمات محتملة بين اردوغان و ترامب على هامش قمة النانو في تركيا أهمية خاصة في نظر المراقبين، إذ قد تؤثر في ملفات شرق المتوسط وجنوبه وسوريا، وليبيا، والأمن الأوروبي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث قطيعة كاملة مع الترتيبات السابقة.
ووفق هذه القراءة، فإن الشرق الأوسط و شمال افريقياقد يكون بصدد الانتقال من "جغرافيا الاختبار" إلى "جغرافيا الحرب"، أي من مرحلة كانت فيها القوى الإقليمية تتلقى آثار الصراعات، إلى مرحلة تسعى فيها بعض هذه القوى إلى المشاركة في إعادة صياغة التوازنات. ولا يعني هذا الانتقال أن مآلاته محسومة، أو أن نظامًا جديدًا قد استقر بالفعل، بل إنه يعكس اتساع دائرة التنافس على رسم مستقبل المنطقة.
ويبقى السؤال المركزي: هل يمثل ما نشهده بداية أفول النظام الإقليمي الذي تأسس بعد سايكس–بيكو، أم أنه مجرد طور جديد من أطوار التكيف داخل النظام نفسه ولا أظن ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تتحدد بخطاب سياسي أو حدث منفرد، وإنما بحصيلة التحولات التي ستشهدها المنطقة خلال السنوات المقبلة، وبمدى قدرة القوى الإقليمية على تحويل نفوذها المتزايد إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه المرحلة لا تكمن فقط في الأحداث التي وقعت، بل في الأسئلة التي فرضها العثمانيون الجدد على الجميع: من يملك حق رسم خرائط العالم الاسلامي من طنجة إلى جاكرتا في القرن الحادي والعشرين؟ وهل تبقى المنطقة مجالًا لإدارة صراعات الآخرين، أم تصبح فاعلًا في إعادة تشكيل النظام الدولي نفسه؟ تلك الأسئلة، أكثر من أي معركة منفردة، هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط القادم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال