بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من "الفايكينغ" إلى قانون "يانته"، "هالاند" وشعب اللّه "الفيّاس".

2026-07-09 108 قراءة مقالات رأي فيصل حمدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من "الفايكينغ" إلى قانون "يانته"، "هالاند" وشعب اللّه "الفيّاس".
من مزايا الرّياضة، وكرة القدم خاصّة، في مستوياتها الدّولية، فتح نافذة على شعوب وثقافات نجهلها ونجهل تاريخها وعاداتها وربّما وجودها أصلا (من كان يعرف "كوراساو" مثلا ؟).
ومن أبرز المشاهد التي ستظلّ "ماركة مسجّلة" باسم كأس العالم الحالية (إضافة إلى الغطرسة الطّرمبيّة والتّزلّف الإنفنتيني)، احتفاليّة التّجديف لدى اللّاعبين النّرويجيّين وشعبهم على طريقة أجدادهم "الفايكينغ"، ملوك البحار الشّمالييّن.
نحن نعرف "الفايكينغ" من خلال الأفلام السّينمائيّة وأفلام الكرتون كمقاتلين تغلب عليهم طِباع التّوحّش وشدّة البطش والقسوة في القتال. أمّا تاريخيّا، فقد بلغ زحفهم البحري سواحل الشّمال الإفريقي (المغرب)، واحتلّ أحفادهم من "النّورمان" الصّقليّين مدنا في السّاحل التّونسي (بين عامي 1146 و1148).
إضافة إلى تلك الصّفات والطّبائع "المتوحّشة"، اُشتهر "الفايكينغ" باعتدادهم بأنفسهم واستقلاليّتهم وتعلّقهم بالشّرف والبطولة وصناعة الأمجاد الشّخصيّة.
ما نعرفه أيضا أنّ هؤلاء الاسكندنافيّين قد أسسّوا، على أنقاض ذلك التّاريخ الدّمويّ، بلدانا (النرويج، الدنمارك، السويد، فنلندا) يطيب فيها العيش، رغم صعوبة مناخها، ووفّروا لشعوبهم رفاهية وتقدّما تحسدهم عليه بقيّة شعوب الأرض المنكوبة، فاحتلّوا صدارة التّرتيب العالمي في معدّلات السّعادة والاكتفاء الذّاتي والتّطوّر العلمي وجودة التّعليم والصّحّة وارتفاع الدّخل الفردي (تملك النرويج أكبر صندوق سياديّ عالمي).

احتفاليّة التّجديف، تصوّر تراثًا ربط الإنسان بالبحر منذ اعتماده على السّفن الشّراعيّة والمراكب التي تمخر عباب البحار بقوّة سواعد البحّارة المجدّفين، وهو عمل يتطلّب "جهدا جماعيّا" و"تناسقًا" و"روح تضامن" تصهر "الطّاقات الفرديّة" في "قالب جامع" لخلق "قوّة دافعة".
نحن هنا أمام "طبيعتين" تبدوان متناقضتيْن: الاعتداد بالنّفس والسّعي إلى المجد الشّخصيّ في مقابل "الملحمة الجماعيّة".
لكن لماذا يتمّ "الاحتفال" اليوم لدى هؤلاء "العمالقة" بـ"الصّفة" الثّانية، أي، إعلاء قيمة العمل الجماعي، بما يميّزه من "تواضع" و"إنكار للذّات" على إظهار التّعلّق بـ"التّميّز الفرديّ"؟

في سنة 1933 نشر كاتب دنماركيّ قضى حياته في النّرويج (والدته نرويجيّة) يدعى "آكسل ساندموسه" رواية تحمل عنوان "لاجئ يغادر خطواته" ضمّنها "عشر وصايا" تضمن "التّعايش" اعتمادًا على "التّكافل" و"التّعاضد" بين مختلف أبناء الشّعب لبناء مجتمع متماسك تغيب فيه مشاعر الحسد والغيرة ومظاهر التّفاخر والتّباهي بـ"المُنجزات الشّخصيّة" أو "التّميّز الفرديّ".
تحوّلت تلك "الوصايا" إلى "قانون' أو "عُرْف" استبطنه الاسكندنافيّون وحوّلوه إلى "منهج تربوي" و"خُلق جماعيّ" طبع شخصيّاتهم وأثّر في سلوكاتهم وتعاملاتهم في ما بينهم وطريقة عيشهم وعلاقاتهم بالآخرين.
سُمّيت تلك الوصايا بـ"قانون يانته" (loi de Jante) نسبة إلى المدينة التي صوّرها "ساندموسه" في روايته التي يمكن أن نقول أنّها طبعت تلك الشّعوب الاسكندنافيّة بطباع جديدة غلّبت فيها تراث "التّجديف الجماعي" على "مجد القائد المقاتل" وأسّست لنهضتها العظيمة، دون الحاجة إلى أن تتحوّل إلى "قانون جزائيّ" أو رادع عقابيّ (من قال أنّ الرّوايات لا تغيّر النّاس؟).

يتميّز العملاق النّرويجي "إيرلينغ هالاند" بقوّته المفرطة وقتاليّته الكبيرة ونجاعته أمام المرمى، كما يُعرف بتجنّبه للاستعراض وتواضعه وهدوئه وعلاقاته الودّيّة خارج الملعب. مقاتل شرس يوظّف طاقاته لصالح المجموعة دون أن يبحث عن التّميّز عنها أو "الصّعود على ظهرها" لبلوغ "مجد شخصيّ" تصنعه "الأنانيّة" و"الانتهازيّة" المقيتتيْن. مثال لـ"مواطن صالح" في "يانته-لاند".

بلاد السّواحل التي بلغها أحفاد أجداد "هالاند"، ورغم أن تراثها الدّيني و"نصوصها المكتوبة" تحثّ على قيم التّواضع والتآزر والتّضامن ونكران الذّات وذمّ التّفاخر و"تضخّم الأنا الجوفاء"، فقد واصلت "سِيرتها الأولى" في انتقالها "التّاريخي" "من حضيض إلى آخر" ومن تخلّف حضاريّ استعماريّ إلى "تخبّط ذاتيّ مستقلّ" في هاوية الفوضى وسوء التّخطيط وتبديد الجهود والثّروات في معارك شخصيّة صغيرة، تافهة، جرّاء ما تطبّع به "مواطنوها" من طبائع "الأنانيّة" و"النّفعيّة" وحبّ الظّهور على حساب الآخر و"المجموعة" و"الوطن" ذاته.
"شعب اللّه الفيّاس"، لم يعبُد "عِجلًا"، لكنّه تطبّع بطبائع وعادات "الدّيوك المُؤذّنة" فوق أكوام "المزابل" التي لا تعنيه مناظرها المقزّزة وروائحها الكريهة مادام "منزله" نظيفًا...أو كما يعتقد أنّه كذلك.
الشّارع، المسرح، المدرسة، محطّة الميترو، الحديقة العموميّة، الشّاطئ...وأيّ مكان "يتشمّس فيه"، صالح لـ"التّغوّط" (أعزّكم الله).
المكانة الاجتماعيّة، الخطّة المهنيّة، الشّهادة التّعليميّة، نصيب في الإرث، دور في الصفّ، مقعد في حافلة...كلّ تلك "المنافع الشّخصيّة" تخضع فقط لـ"قانون ميكيافيلّلي"، "أنا ثمّ الطّوفان"، "روحك روحك ولا ترحم من مات"، "قبّل أفواه كلّ الكلاب حتّى تقضي حاجتك منها"، "خوذ بايك من اللّول حتّى من ضرب العصا"...."تراث بديل يعمل ستّ وستون كيفًا و...جَلْدَة"!!!
بعد ذلك العمر "المهدور" في "قضاء الحوائج" الشّخصيّة، يخرج "مُواطننا الصّالح" "في زينَتِه" مُنتفخًا كديك روميّ ليسير في شارعه "الملوّث" جارّا كبشًا أقرن ليغيض جارَه الذي سبق أن "تفاخر عليه" بسيّارته الشّعبيّة الجديدة. بينما تواصل زوجته حملة "التّشهير العلنيّة" بحصول ابنها على "أعلى معدّل"، متفوّقًا على كلّ أقرانِه في قسمه، بعد أن قضى سنته الدّراسيّة الفعليّة متنقّلا بين درس خصوصي وآخر تحت ضغط "التّميّز الوجوبيّ" لضمان "البهرج العائليّ" وسط "المنافسة الشّرسة" لبقيّة "العائلات القريبة والمُتصاهرة"، في انتظار "غربال المناظرة" المُفزع.

هل سبق أن سأل أحدنا الآخر: ماذا فعلتَ من أجل "المُشتَرَك"؟
في كرة القدم، وفي باقي الرّياضات الجماعيّة، يعتمد الفريق الذي ينقصه "اللّاعبون الموهوبون" على "اللّعب الجماعيّ" للتّغلّب على ذلك النّقص وتعويضه، لكنّ فريقًا يفتقد الإثنين هو فريق فاشل لا محالة و"مشروع مسخرة عالميّة".

هل نأمل أن تتغيّر "طبائعنا الفاسدة" فيتغيّر وضعنا الكارثي المُزمن؟ هل يكتب أحد كتّابنا رواية تغيّرنا وترسُم لنا مصيرًا مختلفًا؟ هل نستفيق يومًا من "ضحالة أحلامِنا" وبُؤس غاياتِنا؟ هل نقبل أن نتجاوز رغائب ذواتِنا إلى هدف جماعي أكثر سُموًّا ونُبلًا فنضع يدًا بيد ونبني مستقبلًا "حيًّا" لأبنائِنا؟ هل نُحسن التّجديف معًا لتُبحر السّفينة وتبلغ "مَرماها" فـ"نسجّل الهدف"؟
أم أنّ "الطّبع غلّاب"؟
ربّما بعد أكثر من جيل. حتّى يُولد كاتب يكتب ورواية تُغيّر وشعب يقرأ.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال