بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هندسة الموت المدني: كيف حوّل بورقيبة القانون إلى مقصلة سياسية لتصفية نخب العهد القديم غداة استقلال تونس

2026-07-08 27 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هندسة الموت المدني: كيف حوّل بورقيبة القانون إلى مقصلة سياسية لتصفية نخب العهد القديم غداة استقلال تونس
من غبار المعارك التي لم تخلع معاطفها بعد ومن صخب الغرف المغلقة في قصر قرطاج حيث تُطبخ الأقدار على نار هادئة ولدت الجمهورية التونسية في ذلك الصيف القائظ من عام 1957. لم يكن إعلان الرأس الجديد للدولة مجرد جرة قلم تبدد إرثا حسينيا تعتق عبر قرنين ونصف بل كان زلزالا عنيفا يعيد ترتيب طبقات الأرض السياسية والاجتماعية في مشهد بدا أشبه بانقلاب ناعم مغلف بشرعية ثورية.
هناك، في الممرات الضيقة للمدينة العتيقة وفي ردهات المكاتب التي غادرها المحتل الفرنسي لتوّه كان الحبيب بورقيبة برأس يضج بأفكار التحديث الكاسح وعين ترصد مكامن الخطر، يدرك أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بقطع دابر الماضي.
كان المخزن القديم بتحالفاته المتجذرة بين العائلات الأرستقراطية الحضرية والقيادات القبلية التي بسطت نفوذها على الدواخل يمثل شبكة أمان للنظام الملكي المنهار وظلا ثقيلا لسنوات الحماية الأربع وسبعين.
من هنا تراءى للنخبة الدستورية الصاعدة أن تثبيت أركان الدولة الناشئة يتطلب ما هو أبعد من الخطب الحماسية
كان الأمر يحتاج إلى مبضع جراح يشرعن الإقصاء ويجرد الخصوم من أدوات المقاومة المادية والرمزية خوفا من ردة فعل قد تطيح بالحلم الوليد في 25 جويلية1957في خطوة كشفت مبكرا عن نزعة احتكارية للسلطة لا تقبل الشراكة ولا تحتمل التعدد.

تفتق ذهن المشرع التونسي في نوفمبر من ذلك العام عن ترسانة من القوانين الاستثنائية وكان أبرزها وأكثرها راديكالية القانون رقم 57-59 الصادر في 19 نوفمبر 1957 والمعروف بقانون التجريد من الحقوق الوطنية والذي صيغ ليكون بمثابة تصفية حسابات سياسية مغلفة بنصوص جنائية.
هذا المفهوم لم يكن وليد البيئة المحلية بل استعاره رجالات بورقيبة من الفقه القانوني الفرنسي الذي نُحت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتحديدا بين 1944 و1945 لإنزال العقاب بالمتعاونين مع حكومة فيشي الموالية للنازية وهو مفارقة تاريخية صارخة حيث استعارت دولة الاستقلال أدوات المحتل لتصفية خصومها المحليين.
غاية هذا الإجراء في جوهرها هي إحداث قطيعة معنوية وسياسية مبرمة وسلب الخونة أو المتخاذلين صفة المواطنة الفاعلة.
ولم تكن الصياغة التونسية عفوية أو فضفاضة بل حدد المجلس القومي التأسيسي بذكاء وحذر بعد تعديل أجراه في 3 ديسمبر 1957 نافذة زمنية دقيقة تمتد بين 18 جانفي 1952 و31 جويلية 1954 وهي الفترة التي شهدت أوج الكفاح المسلح واستشهاد الفلاقة في الجبال في مقابل نخب قبلت بتسيير شؤون البلاد تحت إمرة المقيم العام الفرنسي.

هذا التحديد الزمني حوّل القانون من مجرد أداة عقابية إلى صك غفران وطني احتكاري يُمنح لمن انخرط في السردية البورقيبية ويُحجب عمن تردد أو راهن على الجواد الخاسر مما جعل الصكوك الوطنية توزع وفق مقاسات الولاء الحزبي الضيق.
ولم يكن التجريد من الحقوق الوطنية مجرد حرمان من ورقة توضع في صندوق الاقتراع بل كان نسفا كاملا للشخصية المدنية والقانونية للمحكوم عليه وهو ما يُعرف في الأدبيات الدستورية بالموت المدني وهو إجراء يعكس رغبة الأنظمة الشمولية في محو الأثر الإنساني والسياسي لخصومها.
تضمن هذا التشريع الذي تلا قانون مصادرة الأموال غير المشروعة الصادر في 17 أوت 1957 حظرا مطلقا ومؤبدا شمل حرمان المستهدفين من الترشح والتصويت وعزلهم الفوري من أي رتبة في الوظيفة العمومية لتطهير البيروقراطية الجديدة من رواسب العهد البائد وضمان ولاء الجهاز الإداري بالكامل للزعيم الأوحد.
لكن الضربة الأكثر إيجاعا في مجتمع تقليدي يقوم على الوجاهة والائتمان كانت سلب أهلية الشهادة على العقود والرسوم القضائية حيث لم يعد بإمكان هؤلاء الأعيان إبرام الصفقات أو حتى توثيق عقود البيع والشراء العائلية إلا بصفة مخبرين دون يمين.
يضاف إلى ذلك تفكيك الروابط الأسرية عبر منعهم من تولي الوصاية أو الإشراف المالي على غير أولادهم الطبيعيين وسحب الأوسمة والاتحادات الشرفية ومنعهم من التدريس في عملية تجفيف كاملة للمنابع المالية والاعتباروية والتربوية لضمان عدم تسلل أي رواية تاريخية بديلة إلى عقول الأجيال الناشئة قد تخدش بريق الرواية الرسمية.

وتحولت هذه النصوص التشريعية إلى مقصلة سياسية وقضائية متحركة عبر المحكمة العليا للدولة وهي الهيئة الاستثنائية التي تشكلت بموجب أمر علي في 19
أفريل 1956 من قضاة ونواب يدينون بالولاء المطلق للحزب الحر الدستوري الجديد مما جعلها محكمة سياسية بامتياز تفتقر لأبسط مقومات القضاء المستقل.
وكانت حكومة محمد الصالح مزالي التي أدارت البلاد من مارس إلى جوان1954 كآخر الحكومات التفاوضية في عهد الحماية هي الضحية الأبرز لهذا المسار الاختزالي الذي لم يغفر للرجالات محاولاتهم الإصلاحية وسط ركام الضغوط الاستعمارية.
واجه مزالي ووزراؤه تهم التواطؤ لتهدئة الشارع بإصلاحات منقوصة لا ترتقي لسقف المطالب الوطنية ولم تشفع لهم استقالتهم في 17 جوان 1954 إذ دارت عليهم الدوائر وصدرت بحقهم أحكام قاسية حيث نال مزالي حكما بالسجن لـ 10 سنوات مع الأشغال الشاقة ومصادرة أملاكه وتجريده المؤبد من حقوقه في محاكمة تفتقر للعدالة وتنضح بالانتقام السياسي.
ورغم الإفراج عن الناجين بسراح شرطي بعد قضاء 17 شهرا في السجن وتحديدا من 24 جوان1958 إلى 11 نوفمبر 1959 إلا أن الندوب ظلت غائرة حيث قضى وزراء آخرون نحبهم داخل المعتقلات تحت وطأة الظروف الصحية القاسية مثل وزير الأوقاف محمد سعد الله والطيب بلخيرية ومحمد الدنقزلي لتتحول السجون إلى مقابر للنخبة السابقة.
وبقيت جراياتهم التقاعدية مجمدة كشاهد على قسوة الصراع ونكاية السلطة حتى صدور قانون العفو التشريعي الخاص في 10 جوان 1966.
هذا الإقصاء المنظم لم يكن مجرد تصفية حسابات شخصية بل كان عملية إعادة هندسة سوسيولوجية عنيفة للمجتمع التونسي حيث تم تفكيك النخبة «البلدية» الأرستقراطية الحضرية التي هيمنت على المقدرات منذ عام 1705 لا لصالح ديمقراطية شعبية بل ليحل محلها جيل جديد من التكنوقراط والبيروقراطيين الشبان المرتبطين عضويا بمشروع الدولة الحزبية الصاعدة والذين صعدوا على أنقاض نفوذ العائلات القديمة وثرواتها المصادرة.
ولم تقف أصداء هذه الهندسة التشريعية عند حدود تونس بل تحولت إلى نموذج ملهم لحركات التحرر الجارة في المغرب العربي حيث استحضرت جبهة التحرير الوطني في الجزائر هذه التجربة في نوفمبر 1958 كمرجعية إجرائية لتطهير الإدارة مما يوضح كيف تنتقل عدوى الإقصاء والتشريعات الاستثنائية بين الأنظمة الناشئة في المنطقة كأداة سريعة لفرض الهيمنة وتجنب الحوار الوطني.

ومع هبوب رياح التغيير وسقوط الأنظمة الشمولية في جانفي 2011 فتحت تونس مع مسار العدالة الانتقالية دفاتر الماضي القديم الذي يعود إلى عام 1955 عبر هيئة الحقيقة والكرامة لتكشف عورات التأسيس الأول للدولة وتكلفة الاستبداد التأسيسي.
وأظهرت القراءات المعاصرة أن ذلك القانون الاستثنائي لعام 1957 بعيدا عن مبررات الحاجة التاريخية لحماية الدولة الوليدة قد افتقر للضمانات القانونية المحايدة ومعايير المحاكمات العادلة مخلفا وصما اجتماعيا واقتصاديا طال عائلات بأكملها ذنبها الوحيد أنها تواجدت في الحقبة الخطأ.

إن قانون التجريد يظل في الذاكرة السياسية كأداة فائقة الفعالية لبناء الدولة الوطنية المركزية لكنه في الوقت نفسه أسس لخطورة الهندسة القانونية للإقصاء حيث تحول القانون من حام للحريات إلى سلاح لتدمير الخصوم وهو إرث تشريعي مسموم جرى استدعاؤه مرارا وتكرارا في العقود اللاحقة لإقصاء المعارضين على اختلاف مشاربهم ليثبت أن استبداد البدايات غالبا ما يورث أدواته لكل من يجلس على كرسي الحكم لاحقا تحت غطاء الشرعية الكاذب وسيادة القانون الموجه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال