بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جان جاك روسو ونظرية العقد الاجتماعي

2026-07-08 71 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جان جاك روسو ونظرية العقد الاجتماعي
ولد بجنيف السويسرية في أسرة فرنسية الأصل بروتستانتية المذهب، ولكنه غادرها إلى فرنسا وإيطاليا وقرأ وأطلع في غضون رحلاته هذه على شيء من الفلسفة. وفي صيف 1750 تقدم لمسابقة في الفلسفة وأحرز فيها المرتبة الأولى، وكان ذلك مدخلاً إلى دراسات فلسفية أخرى، وذاعت شهرته في أوربا. وفي عام 1762 نشر كتابه الأول وهو " في العقد الاجتماعي" وهو أشهر كتبه، والثاني " أميل، أو في التربية" فمنع الكتاب في فرنسا وسويسرا، فلجأ إلى إنكلترا، وزامل هناك الفلاسفة الإنكليز ولكنه ما لبث أن عاد إلى فرنسا وبقي فيها. هو من شهراء عصر النهضة، كانت لأفكاره السياسية الأثر الهام في الثورة الفرنسية، ولا تزال أفكاره وفلسفته ونظرياته السياسية مهمة وتدرس في الجامعات. (86)

من أهم أعماله: العقد الاجتماعي، وخلاصة رأيه في هذا المبحث الهام، أن الحكم هو عقد يبرم بين الحاكم والمحكومين، ويمكن لهذا العقد أن ينقض كما أبرم. وتعبر نظرية العقد الاجتماعي من أنضج النظريات في الحكم حتى وقتنا الحالي.

وفي كتابه الأول "مقال في العلوم والفنون" الذي كان سبباً في ذيوع شهرته تضمنت آراؤه أفكاراً لا تخلو من الطرافة، ولكن أكاديمية العلوم (ديجون) اعتبرت أن حججه قوية، فهو يقول " إن العلوم والفنون تكمل ظاهر الإنسان ولا تكمل باطنه، بل أنها كلما تقدمت أمعنت في إفساده، فالشعوب التي تقدمت في هذه المجالات مالت إلى الانحطاط أو غاصت في الرذيلة، بينما الشعوب التي ظلت بعيدة عن عدوى المعارف الباطلة كانت فاضلة وسعدت بفضائلها مثل الاسبرطيين والجرمان والسويسريين، فضلاً عن أن الحكماء الحقيقيين بهذا الاسم أبانوا سوء أثر الأدب والفنون، أنها تولد للرذيلة لأنها تطيل الفراغ وتدفع إلى الترف".(87)

وهذه الآراء لا تخلو من الجرأة لا سيما بالنسبة لكاتب كان لما يزل مجهولاً بعد في عالم الكتابة، فضلاً أنه لم يكن قد حاز على دراسات عالية مهمة في الفلسفة أو في غيرها. ولكنه أقتحم الصعاب والعقد الفلسفية وخاض موضوعات صعبة، ففي مقالته الفلسفية الثانية" اصل التفاوت بين الناس" نراه يواصل الخوض في موضوعات معقدة، ويتقدم بآراء مدهشة منها قوله، أن الإنسان كان يعيش في الطبيعة دون أي من منجزات التقدم" إذا كانت الطبيعة أعدتنا لنكون أصحاء، فإني أكاد أجرؤ على التأكيد بأن حالة التفكير مضادة للطبيعة، وإن الإنسان الذي يتأمل هو حيوان فاسد، وإن الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم(الموجود عند الحيوان إلى حد ما)، إن الحيوان ينقاد إلى دافع الطبيعة، ولكن الإنسان يرى نفسه حراً في الانقياد له أو مقاومته".(88)

ولكن روسو يعترف فيما بعد، بأن الاجتماع قد أصبح ضرورة لا مناص منها، وكل ما يمكن فعله هو تجنب أخطاء ومفاسد الاجتماع وأضراره وتهيأة مجتمعات صالحة بواسطة حكومات صالحة وتربية مواطنين صالحين، وأن يتنازل الإنسان الفرد عن أنانيته وحقوقه للمجتمع بأسره وهذا هو الشرط الرئيسي في العقد الاجتماعي.

وفكرة العقد الاجتماعي ليست جديدة تماماً، فقد طرقت منذ أقدم الأزمنة ولكن بدرجات متفاوتة من النضج والكمال." فقد سبق لهوبس ولوك أن تبنيا نظرية العقد الاجتماعي ولكن روسو أعطاها مضموناً جديداً ابعد وأوسع، فلإنسان البدائي كان إنساناً صالحاً والحياة الطبيعية الفطرية الأولى هي السعادة المثلى، والأفراد عندما اتفقوا على التنازل للجماعة عن حقوقهم في السيادة، فذلك على أساس الاشتراك أرادته مع إرادة الآخرين لتمثل الإرادة العامة. على أن إرادة الأغلبية تمثل الإرادة العامة بعد تكوين الدولة. وما الإرادة العامة في الواقع إلا المظهر الوحيد هي إرادة الأمة(الشعب) والحكومة هي وكيل عن الشعب تخضع لرقابته باستمرار، وتغير الحكومات يعود لإرادة الشعب وحده.(89)

والحق، فإن كتاب العقد الاجتماعي يمثل عملاً فكرياً متقدماً في عصره ونقطة لامعة في تاريخ الفكر السياسي، رغم أن فكرة العقد الاجتماعي بحد ذاتها لم تكن جديدة كما أسلفنا، إلا أن الكتاب ينطوي على طائفة كبيرة من الآراء والأفكار التي مثلت بالنسبة إلى عصره قيمة عالية، وغالباً ما اعتبرها المؤرخين والكتاب من الأفكار التي رفعت من وعي المواطنين وقادت إلى الثورة.

وكان روسو يهدف في كتابه(العقد الاجتماعي) على التأكيد على مجموعة من القواعد الأخلاقية السياسية مثل: العدالة، الحرية، المساواة، والتأكيد على دولة القانون، الدستور الذي يمثل صورة من صور العقد. وباختصار يهدف إلى وضع القواعد التي تسمح بإقامة نظام سياسي شرعي يتطابق مع متطلبات العقل والأخلاق والعدالة المطلقة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما تسمح به الطبيعة الإنسانية وكذلك الأخذ بنظر الاعتبار الأمانات الحقيقية (القوانين بالشكل الذي تستطيع أن تكونه). (90)

ومن أجل دخول محكم إلى أراء جان جاك روسو حول فلسفة العقد الاجتماعي، فهو يذكر في مطلع كتابه، أن الأسرة هي النموذج الأول للمجتمعات وأقدمها، ولن تبقى أسرة إلا بالتعاقد. ثم بقوله " إن القوة "ويشير ضمناً إلى قوة السلطة" هي قدرة مادية لست أرى أي أخلاقية يمكن أن تنتج عن آثارها، فالخضوع للقوة هو فعل من أفعال الضرورة وليس فعل من أعال الإرادة، وكل قوة جديدة تنقلب على الأولى، ترث حقها".(91)

وبعد هذا التمهيد الفلسفي للقوة ولنظرية الاجتماع، يفتتح روسو عرضه لفلسفة العقد قائلاً"حيث لأن ليس لإنسان سلطة طبيعية على أقرانه، وإن القوة لا تنتج أي حق (أي أن روسو ينفي أي شرعية متأتية عن القوة وناتجة عنه)، فإن الاتفاقات تبقى إذن هي الأساس لكل سلطة بين البشر". والإنسان لا يتخلى عن شيء إلا بأن يعطيه بإرادته أو أن يبيعه. ثم يتوصل روسو إلى حتمية العقد بقوله " أن تخلي الإنسان عن حريته هو تخلي عن حقه كإنسان(إذ يعتبر روسو أن الحرية من الحقوق الطبيعية) وعن حقوقه الإنسانية، بل عن واجباته. فليس هناك أي تعويض ممكن لمن يتنازل عن كل شيء، وإن تنازلاً كهذا مناف لطبيعة الإنسان" وأن أي أتفاق بهذا الصدد هو " أتفاق باطل ومتناقض، بأن نشترط من جانب سلطة مطلقة (يقصد الدولة) ومن الجانب الآخر(يقصد المواطن) طاعة بلا حدود".(92)

لا شك أن روسو قد وضع العقد الاجتماعي في جدلية محكمة، ثم يتقدم بتؤدة بطرح أفكاره،/ فيصل إلى ضرورة العقد الاجتماعي بالذات، فيقول " أن شروط العقد الاجتماعي محدود بدقة إلى درجة أن أي تعديل يجعلها باطلة لا أثر لها، بحيث أنها وإن كانت ربما لا تذكر صراحة أبدا، تكون نفسها في كل مكان، وهذه الشروط يمكن اختصارها في شرط واحد، ألا وهو التنازل الكامل من جانب كل مشارك عن جميع حقوقه للجماعة، والأحوال متساوية للجميع، وأخيراً فإن كل واحد إذ يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد ..!".(93)

إن روسو يثبت لنا هنا فهمه الدقيق القانوني لشروط العقد، وقد بين لنا أن قاعدة أفكاره التي سينطلق منها كما يلي :

1. أن الشرط الأساس في قيام أي مجتمع سياسي، هو التعاقد، بما في ذلك الأسرة(العائلة).
2. إن القوة هي قدرة مادية، وليست هناك آثار أخلاقية ينجم عن استخدامها، فالخضوع للقوة فعل من أفعال الضرورة وليس الإرادة، وهو بذلك يدين بشكل تام نظرية الحكم والسلطة بواسطة القوة والغلبة، ويختلف مع كثيرين ممن سبقوه من الفلاسفة، ويختلف حتى مع أفلاطون الذي يؤمن أن القوة هي العدالة.
3. أن لا سلطة لبشر على بشر إلا بالتعاقد، وكون أحدهم قوياً لا يمنحه حقاً إضافياً، وليس هناك سوى الاتفاق والتعاقد كأساس لشرعية كل علاقة.
4. إن الإنسان لا يتخلى عن شيء يملكه إلا بإرادته أو بالبيع، والإنسان لا يمكن أن يتخلى عن حريته لأنه بذلك يتخلى عن إنسانيته. وروسو يعتبر الحرية من الحقوق الطبيعية، ولا يوجد أتفاق يتم بموجبه التنازل عن الحرية.(لاحظ شدة تأثير نظرية الحقوق الطبيعية منذ العهد الإغريقي حتى مونتسيكيو على أراء المفكرين).
5. أن العقد الاجتماعي هو تنازل طوعي للفرد، ولكن ليس لفرد آخر، ولا لسلطة معينة، بل للمجموع، وللمجتمع بأسره شرطه الأول أن يفعل الآخرون مثله تماماً ويصبح للجميع حقوق و التزامات متساوية يحددها العقد، وبذلك لا يتنازل الفرد عن حريته، بل يهبها للمجموع لقاء عقد جماعي.

فالعقد الاجتماعي بهذا المعنى هو خضوع للجميع وليس خضوعاً شخصياً، انه خضوع للعقد والقانون، ولكن إذا تنازل الإنسان عن حريته، وهي من حقوقه الطبيعية، ترى ما لذي يكسبه لقاء ذلك ؟

يقول روسو" إن ما يفقده الإنسان بالعقد الاجتماعي هو حريته الطبيعية، وحقاً لا محدود في كل ما يغريه ويستطيع بلوغه، أما ما يكسبه فهو الحرية المدنية وملكية كل ما هو في حيازته"، وما في حيازته يتألف من الماديات والمعنويات أيضاَ، الملكية وكرامته، وحريته ضمن القانون. والقانون هو عدم إلحاق الأذى بالآخرين. فيقول روسو" إن نزوة الشهوة لوحدها هي عبودية، والطاعة للقانون الذي نسنه لأنفسنا هي الحرية".(94)

ثم يقول روسو عن مصلحة الأفراد في العقد الاجتماعي، بتقديرنا تعبر أفضل تعبير عن الإرادة في الحياة الجمعية :" أنهم يقومون بمبادلة مفيدة، أن يستبدلون وجوداً قلقاً وغير مستقر، بوجود أفضل وأكثر أمناً، ويحصلون على الحرية بدلاً من استقلالهم الطبيعي، وعلى أمنهم الخاص بدلاً من القدرة على الأضرار بالآخرين، وعلى حقهم بجعله الاتحاد الاجتماعي لا يقهر بدلاً من قوتهم التي بوسع آخرين التغلب عليه. إن حياتهم نفسها التي كرسوها للدولة تكون بذلك محمية على الدوام".(95)

أما في الدولة / الإداة الجامعة المانعة للإرادة الجمعية، التي يقر روسو بأهميتها فيقول" ليست الدولة سوى شخص معنوي تقوم حياته على صيانة اتحاد أعضائه. وأهم غاياته هو صيانة بقاءه، فلا بد من قوة إكراه شاملة من اجل تحريك وتهيئة كل جزء على النحو الملائم للكل، كما تمنح الطبيعة الإنسان السلطة المطلقة على جميع أعضاءه، فإن الميثاق (الدستور ـ العقد الاجتماعي) يمنح الهيئة السياسية(الحكومة) سلطة توجيه الإرادة العامة".(96)

إذن فإن روسو يعرف الدولة بوصفها أداة خير وقوة بيد الكل من اجل مصلحة الكل، وهذا التعريف لا يخلو من البساطة في التصور، فالأمر لا يستقيم على هذا النحو، وروسو بنفسه يدرك هذا الأمر فيعود بعد صفحات قليلة ليعدل بعض من آرائه بقوله " فكما أن إرادة خاصة لا يمكن أن تمثل الإرادة العامة، فإن الإرادة العامة تغير من طبيعتها عندما تطبق على موضوع خاص".(96) إذن فالإرادة العامة يمكن أن تخطئ أيضا عندما نبحث عن مصالح فرد أو مجموعة أفراد، فهناك إذن فرصة، أو إمكانية أن تجنح الإرادة العامة نحو الخاص وتغير من ووظيفتها وتخطئ، فالعدالة فكرة نبيلة حتماً ولكنها ليست واقعية بشكل مطلق.

إننا نرى أن روسو يكاد أن يتبين ذلك بقوله في الصفحات اللاحقة " إن جميع هذه الأشكال، أو على الأقل الأرستقراطية والديمقراطية قابلة للزيادة والنقصان(لم يكن روسو قد بلغ بعد الدولة الرأسمالية والإمبريالية بعد)، بل يملكان حرية واسعة إلى حد ما في التصرف،إغذ تستطيع الديمقراطية ضم الشعب كله، أو تضيق لتشمل نصفه، أي الاقتصار على اقل عدد ممكن دون تحديد".(97)، أي أن روسو يقترب هنا من نظرية أن الدولة هي أداة الطبقة المسيطرة، ولكنه لا يذكر ذلك بوضوح، فمساحة الفكر الاجتماعي م الاقتصادي في أعماله محدودة، فهو ما يزال تحت وطأة تأثير الإنسانيات والأخلاقيات بعد، وأنه يقترب من تعريف الديمقراطية بأنها ذلك المسموح به الذي تمنحه الطبقة المسيطرة للآخرين(برأينا)، ولكنه لم يكن ليتبين ذلك بالدقة التي نلحظها اليوم.

وفي إشارات مهمة إلى الحكومة والأمير (الحاكم)، يعتبر روسو الحكومة " أنها هيئة وسيطة بين الرعايا وصاحب السيادة من اجل الاتصال المتبادل بينهما، مكلفة بتنفيذ القوانين والمحافظة على الحرية المدنية والسياسية على السواء" و " إنني أطلق اسم الحكومة أو إدارة عليا على الممارسة الشرعية للسلطة التنفيذية وأسم أمير أو والٍ أو حاكم على الشخص أو الهيئة المكلفة بهذه الإدارة، وذلك أن القوى الوسيطة التي تؤلف علاقاتها، علاقة الكل بالكل، أو علاقة صاحب السيادة بالدولة، توجد في الحكومة. فالحكومة تتلقى من صاحب السيادة الأوامر التي يصدرها إلى الشعب".(98)

ويعبر روسو عن رؤية دستورية ثورية في عصره في تقييد سلطات الملك(الأمير ـ الحاكم) بقوله " إن إرادة الأمير السائدة ليست، أو يجب أن لا تكون إلا الإرادة العامة أو القانون، وقوته ليست إلا القوة العامة المركزة فيه".(99) وبذلك يريد روسو القول أن الأمير ينطق بناء على الأوامر العاملة المتمثلة بالقانون، أما إذا حدث وأن فعل العكس، أي نطق عن هوى ورغبة شخصية أو مزاجية، فإن رابطة الدولة التي يقبع الأمير على قمة هرمها تبدأ بالانحلال، وإذا حاول الأمير أن يعيد ضبط الأمور والعلاقات إلى نصابها بالقوة، فإن الدولة ستقع في شرك الظلم والاستبداد وقهر الناس والسلطات معاً.

ويتطرق روسو إلى قضايا اقتصادية مهمة، منها قوله " إن فائض عمل الأفراد هو الذي ينتج الضروري للجمهور" ثم يتطرق إلى الإنتاج وتفاوته بين دول العالم يتوقف على خصوبة البيئة وطبيعة الأرض والمنتجات وقوة سكانها، وعوامل أخرى. وفي أرائه تلك تبسيط مقبول لنظريات اقتصادية معقدة لم يكن روسو مؤهل لحلها، وفي صفحات أخرى نجد مفارقات كثيرة، فيصف بعض الشعوب بالمتوحشين، وبعضها بالشعوب البربرية الهمجية. ثم يتحدث عن أطعمة وأمزجة وبشرة ملساء، وأجسام سمينة، ويربط كل ذلك بالسياسة والاقتصاد بصورة لا تخلو من الطرافة، ولكنها تفتقر إلى العلمية. ومن طريف أرائه أيضا" أنه لا يسمح مطلقاً بوجود عاصمة" وعلى الحكومة أن تقيم بالتناوب في عدة مدن. (100)

ويقرر روسو بجلاء واضح، أن الشعب مصدر السلطات بقوله " ما من قانون أساسي في الدولة لا يمكن إبطاله(من الشعب) حتى الميثاق الوطني" ولكنه يقع في خطل واضح بقوله " ولما كان المواطنون ليسوا إلا أصحاب مصلحة واحدة فإن الشعب لم تكن له إلا إرادة واحدة"(101) والخطل هنا هو كيف يكون لشعب كامل بكامل فئاته وطبقاته مصلحة وإرادة واحدة موحدة، غذ هي مختلفة حتى في التوجهات العامة ناهيك عن التفاصيل.

وكنا قد ذكرنا في أماكن متفرقة، تأثير العلماء والفلاسفة بالفلسفة الإغريقية حتى في عصر الليبرالية والتنوير، وهي ظاهرة مهمة تستحق منا الانتباه، فيقول روسو " إن الديمقراطية تنحل إلى غوغاء(عندما يساء استخدام الحكم) والأرستقراطية إلى أوليغارشية، والملكية إلى طغيان".(102) ونلاحظ أن هذه هي شروح جديدة وتكرار لأفكار أفلاطون في الجمهورية، ولكنه يرجع ويقول بأسى " إن الديمقراطية الحقيقية لم توجد ابداً ولن توجد ابداً ".

ولسبب جوهري في التناقضات التي نلاحظها لكثرة أراء المفكرين والفلاسفة، هي أن أرائهم كانت نتاج تفكير وتأمل ونوايا نبيلة في تخليص المجتمعات من أسباب الصراعات التي كانت تشهدها تلك المجتمعات، وكان كل مفكر يضيف على الفكر السياسي شيء أو أشياء، ولا يمكننا افتراض أن أرائه جميعاً صائبة. وإن تراكم الأفكار والآراء بالإضافة إلى التجربة كانت الأساس لتطور الفكر السياسي. وقد أسهبنا في مبحث جان جاك روسو لأهميته التاريخية (رغم نواقصه وثغراته)سواء في تطور الفكر السياسي، أو على صعيد التطورات اللاحقة في بلاده فرنسا، حيث أصبحت كتاباته رمزاً للثورة والثوار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
86. رسل، برتراند: نفس المصدر، ص153
87. كرم، يوسف: نفس المصدر، ص193
88. كرم، يوسف: نفس المصدر، ص194
89. سعد، فاروق: الأمير، ص264
90. الطعان، د. عبد الرضا: تاريخ الفكر السياسي الحديث، ص450
91. روسو، جان جاك: العقد الاجتماعي، ص36/39
92. روسو: نفس المصدر، ص44/42
93. روسو : نفس المصدر، ص43
94. روسو: نفس المصدر، ص55
95. روسو: نفس المصدر، ص73
96. روسو: نفس المصدر، ص70/72
97. روسو: نفس المصدر، ص116
98. روسو : نفس المصدر، ص106
99. روسو: نفس المصدر، ص110
100. روسو: نفس المصدر، ص133/156
101. روسو: نفس المصدر، ص143
102. روسو: نفس المصدر، ص118

هذا المبحث مستل من مؤلفنا الاستهلال والاستكمال/ الجزء الثاني

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال