بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من سبسي الباي إلى كرسي الرئاسة: كيف حولت تونس عبيد القصور إلى حكّام جمهورية

2026-06-30 77 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من سبسي الباي إلى كرسي الرئاسة: كيف حولت تونس عبيد القصور إلى حكّام جمهورية
في سنة 1702 لم يكن مقتل محمد بن مراد مجرد حادث اغتيال عابر في دهاليز القصور التونسية بل كان بمثابة قطع الحبل الشوكي لإيالة عثمانية تترنح فوق بركان من الفوضى.
سقطت الدولة المرادية وانفتحت بوابات الجحيم السياسي فالقبائل الداخلية
تلك الوحوش الجغرافية العصية على التدجين رأت في تداعي المركز فرصتها التاريخية للانقضاض على ما تبقى من هيكل السلطة.
في تلك اللحظة الحرجة حاول الداي إبراهيم الشريف إعادة مركزة الدولة بقبضة حديدية عارية فبدأ حكمه بمهادنة الرعية لكن سرعان ما تحول إلى مفترس جبائي يسلب الأموال بالقوة لتمويل آلته العسكرية.
غير أن التاريخ لا يمنح الطغاة المرتجلين وقتا طويلا ففي سنة 1705 وقع إبراهيم الشريف في أسر داي الجزائر، لتستيقظ تونس على فراغ سياسي مرعب كاد يمحو كيان الإيالة من الخارطة.
من وسط هذا الرماد والذعر الجماعي برز ضابط عثماني ذو أصول أناضولية رضع لبان المكر السياسي والعسكري منذ الصغر يُدعى الحسين بن علي التركي. هذا الرجل الذي بدأ مسيرته كجسد مملوك يباع ويشترى لدى دايات الجزائر قبل أن يتدرج في رتب جيش تونس ليتولى قيادة فرقة الخيالة عرف كيف يلتقط اللحظة.
في سنة 1705 بايع أعيان الحاضرة الحسين بن علي معلنين ولادة السلالة الحسينية التي ستحكم البلاد لأكثر من قرنين ونصف لكن الصدمة التشريحية لبنية هذه الدولة الجديدة تكمن في عقيدتها الجينية:
القطع المطلق مع أي استناد إلى العصبية القبلية المحلية أو القوة الشعبية.
أدرك المؤسس أن القبيلة كائن لا يمكن الوثوق به وأن الاعتماد عليها يفرض تقاسما للسلطة لا تطيقه النزعة الاستبدادية للبلاط.
من هنا ولدت الدولة الهجينة جهاز حكم معزول عن شعبه يستورد قوته وولاءه من الخارج عبر المماليك والعبيد الأجانب شاحذا سيفه لقطع أي صلة رحم مع المجتمع المحلي. وتعمق هذا الانفصال البنيوي عقب الحرب الباشية الحسينية بين سنتي 1728 و1756 وهي الحرب الأهلية الطويلة التي شقت القبائل التونسية إلى نصفين متناحرين واستنزفت دماء المجتمع مما سمح للقصر بأن يفرض نفسه كحكم وحيد ومستبد فوق أشلاء مجتمع ممزق.

هكذا ومنذ عهد علي باي الثاني بين سنتي 1759 و1782 وحمودة باشا الحسيني بين سنتي 1782 و1814 تحول المماليك إلى العمود الفقري الفعلي للاستبداد.
لم تكن هذه النخبة مجرد طبقة عسكرية تقليدية بل كانت مسخا بشريا فريدا جُلب من القوقاز وجورجيا والبلقان واليونان وسردينيا عبر شبكات الرق المتوسطية. وفي قصر باردو دارت عجلة تكنولوجيا سيكولوجية مرعبة تقوم على غسيل الذاكرة البنيوي.
يُعزل الطفل المملوك عن عائلته ولغته وثقافته ويُلقى به في الدهليز أو حجرات السرير ليعاد برمجته عبر تربية صارمة تقطع نسبه فلا يعرف وطنا سوى القصر ولا يرى إلها سياسيا سوى الباي الذي يصبح أباه وسيده ومالك أنفاسه.
من عتمة هذا الدهليز خرجت كائنات سياسية التهمت مقدرات تونس.

أحد هؤلاء كان يوسف صاحب الطابع المملوك المولدافي الذي اشتري صغيراً و وهب لحمودة باشا سنة 1781. تحول هذا الصبي إلى رئيس للوزراء والآمر والناهي في المال والتجارة بحلول سنة 1782.
لم يكتف يوسف بالنفوذ بل أسس سلطة كليبتوقراطية احتكرت التجارة الخارجية ولزمات القمح والشاشية و بنى مركبا معماريا في الحلفاوين ليمجد ثروته الفاحشة قبل أن تنتهي ملحمته بصدمة اغتياله غدرا داخل دهاليز قصر باردو إثر مؤامرة بلاطية حيكت بدم بارد.
والسيناريو نفسه تكرر مع مصطفى خزندار اليوناني المولود باسم جيورجيوس سترافلاكيس الذي أُسر طفلا بعد مجزرة خيوس وتربى في القصر ليصاهر العائلة الحاكمة بزواجه من الأميرة لالا كلثوم.
تحول خزندار إلى مهندس إفلاس تونس ومزق اقتصادها بالاستدانة الربوية من البنوك الأوروبية وعقد الصفقات الفاسدة مع القناصل الأجانب حتى عزل سنة 1873 ومات وحيدا.
وفي ذات السرايا كان إسماعيل قائد السبسي المملوك السرديني الذي اختطفه القراصنة وجلبوه طفلا يتولى خطة قائد السبسي وهي مهمة الإشراف على مراسم تدخين الباي وتبغه ،خطة بالغة الحساسية تتطلب ولاء أعمى مخافة أن يتسلل السم عبر مجاري الدخان.
هذا المملوك السرديني ترقى ليصبح واليا وجامعا للضرائب ومستحوذا على الأراضي مفرخا نسلا مخزنيا ممتدا عبر الأجيال ليصل أحفاده مثل الباجي قائد السبسي إلى هرم السلطة في القرن الحادي والعشرين.

كانت الدولة الحسينية تدار كإقطاع مالي مغلق يتقاسمه الباي وحاشيته عبر نظام اللزمات وهو التحالف العضوي بين السلطة والمال الفاسد الذي تجسد في أبشع صوره من خلال مسيرة محمود بن عياد.
هذا الرجل المنحدر من أصول مخزنية من جزيرة جربة استغل سنوات الجفاف العجاف في أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر وحصل من أحمد باي على تفويض مطلق لاستيراد القمح وتصدير الزيت.
وبدعم من خزندار والقابض العام نسيم شمامة احتكر بن عياد سبعين لزمة دفعة واحدة فكان يشتري الحبوب من الفلاحين الجائعين بأثمان بخسة ويبيعها لجيش الباي بأسعار فاحشة، مكدساً ثروة شخصية قاربت 60 مليون ريال.
وفي صيف سنة 1852 وتحديدا في 14 جوان حدثت الصدمة الكبرى.
توجه والد محمود بن عياد شخصيا إلى الباي وحذره من أن ابنه يجهز للهروب بأموال الدولة وسجلاتها لكن الباي المصاب بشلل الإرادة السياسي لم يحرك ساكنا.
شحن بن عياد مئات الصناديق المحملة بالذهب ودفاتر حسابات الدولة وعقود ديونه الوهمية ضد الخزينة وفر إلى فرنسا حيث حصل فورا على الجنسية الفرنسية لحماية ثروته.
ورغم أن الجنرال حسين ألف كتابا كاملا لفضح الفضيحة بعنوان حسم الألداد في نازلة محمود بن عياد إلا أن القضاء الفرنسي المتواطئ حمى السارق ليموت بن عياد ثريا في إسطنبول سنة 1880 تاركا الخزينة التونسية قاعا صفصفا ممهدا الطريق لظهور الكومسيون المالي الأجنبي وحذو نسيم شمامة حذوه بالفرار حاملا ما تبقى من أموال دار الجلد إلى إيطاليا.

حين يفرغ المركز من المال يبدأ بامتصاص دماء الأطراف.
في سنة 1864 قرر محمد الصادق باي مضاعفة ضريبة المجبة من 36 ريالا إلى 72 ريالا لتسديد ديون خزندار للبنوك الأوروبية.
كان هذا القرار بمثابة حكم بالإعدام على سكان الدواخل الذين يفتك بهم الجوع والأوبئة. هنا انطلقت الشرارة الكبرى بقيادة علي بن غذاهم الماجري العدل الشرعي ذو الحظوة الصوفية التجانية.
تحول بن غذاهم إلى باي الشعب وتوحدت خلفه قبائل ماجر والفراشيش وعيار وجلاص مشعلين عصيانا شاملا زلزل عروش باردو ومطالبين بإلغاء المجبة والدستور الجديد وإقالة القواد المماليك.
وأمام هذا الإعصار القبلي استخدم مصطفى خزندار سلاح المماليك الأزلي: المكر والرشوة. قدم عفوا كاذبا ووعد بخفض الضرائب وأغدق الأموال لشراء ذمم بعض الشيوخ لينجح في شق وحدة القبائل.
وبمجرد تفتت الجبهة تحركت المحلات التأديبية بقيادة الجنرال أحمد زروق والجنرال رستم بكل وحشية.
دكت القرى بالمدافع وصودرت المواشي وأعدم القادة ميدانيا وفرضت خطايا مالية قاسية كسرت ظهر الداخل التونسي لعقود.
أما علي بن غذاهم فقد فر إلى الجزائر لكنه استدرج بعفو وهمي سنة 1866 عبر وساطة شيوخ الطريقة التجانية ليدخل فخ الأسر.
نقل مكبلا بالأغلال إلى سجن باردو حيث كان الباي يتلذذ برؤيته مهانا من النافذة ثم ألقي في سرداب الكراكة المظلم بحلق الوادي ليموت تحت التعذيب والجلد بالسياط في أكتوبر 1867.
هذا السحق الممنهج للقوى الحية في سنة 1864 هو الذي شرع الأبواب للمستعمر الفرنسي فعندما زحف الجنرال بريار إلى قصر باردو في 12 ماي 1881 لفرض الحماية لم يجد جيشا يقاوم لأن البايات كانوا قد جردوا القبائل من سلاحها وقتلوا روح المقاومة لديهم.
وفي صدمة تاريخية كبرى أدركت فرنسا أن من ولد في القصر لن يقاتل دفاعا عن الخيمة فلم تدمر جهاز الدولة القديم بل أعادت تدوير النخبة المملوكية وعائلات المخزن محولة أبناء المماليك وكتّاب البلاط إلى مترجمين وقواد محليين يثبتون أركان الاستعمار. وفي المقابل طاردت فرنسا فرسان المقاومة الحقيقية فنفت علي بن خليفة النفاتي بطل الجنوب ليموت في طرابلس ونصبت المشنقة للبطل محمد الدغباجي ابن الحامة الذي فر من الجندية الفرنسية ليخوض ملاحم جبل بوهدمة والزلوزة.
وفي سنة 1924 سار الدغباجي نحو حبل المشنقة بثبات أسطوري في الساحة العامة بالحامة أمام ذهول أهله بينما دفنت أسماء الضو الغربي ومصباح الجربوع والمنوبي الجرجار في سراديب النسيان.

وحين أشرق فجر الاستقلال في 20 مارس 1956 تكررت اللعبة البنيوية ذاتها بنسخة عصرية. لم تسلم مفاتيح الدولة الفتية إلى الفلاقة ومقاومي الجبال الذين واجهوا الرصاص بل جرى تسليم منظمة للسلطة لفائدة النخبة الحضرية والبرجوازية المتعلمة في باريس.
وتجسد هذا الشرخ التاريخي في الصراع الدموي بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف حيث مثل بورقيبة براغماتية التدرج والاندماج مع الغرب بينما مثل بن يوسف التطلعات العروبية والكفاح المسلح الشامل.
تحالف بورقيبة مع آلة الحماية الفرنسية والاتحاد العام التونسي للشغل لتصفية اليوسفيين وسيق قادة الثورة الميدانيون مثل حسن شندول إلى محاكم الشعب الاستثنائية ليعتلوا المشانق أو يودعوا السجون، بينما تم اغتيال قادة آخرين في عواصم المنفى.
وفي هذه الجمهورية الوليدة خلع المملوك والمخزني القديم الجبة والشاشية ليرتدي البدلة الباريسية الحديثة متحولا إلى إداري عصري وبيروقراطي تكنوقراطي لكنه احتفظ بذات الجينات البنيوية:
تقديس المركز وإقصاء الدواخل والأطراف واعتبار الديمقراطية والحرية خطرا يهدد الدولة.
حافظت عائلات البلاط السابقة على حظوتها وثرواتها بفضل قربها من ماكينة الحزب الحاكم ليرتقي آل قائد السبسي سلالة المملوك السرديني إسماعيل في مناصب الدولة الجمهورية حتى اعتلاء رئاسة الجمهورية بينما عاد الفلاقة والمقاومون إلى الهوامش المنسية.
عاش أبناء الدغباجي في فقر مدقع وأُقصي رفاق فرحات حشاد وطويت صفحات مجاهدي الجنوب ليبقى التاريخ الرسمي التونسي يكتب بأقلام من سكنوا القصور لا بدم من رقدوا في القبور.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال