استفحال ظاهرة الجريمة المنظمة بكل أنواعها أمر لا يختلف فيه اثنان، حتى كأننا لسنا بلدا مسلما فيه دين ودروس ومواعظ طول السنة، وتبقى الأولوية هي تطويق الظاهرة والتقليص من حجمها والحيلولة دون تمددها أفقيا وعموديا، ومحاربة الجريمة والمجرمين لن تؤتي ثمارها إلا إذا تحولت إلى قضية مجتمعية بدل أن تبقى من صلاحيات مصالح الأمن والقضاء فحسب، ذلك أن لكل طرف مسؤوليته التي لا تلغي مسؤولية الطرف الآخر، فنحن أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي المسؤولية عندنا جماعية وفردية: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"، فنحن نطالب الدولة بمحاربة المجرمين لكن علينا – كواجب شرعي قبل كل شيء – المساهمة في ردعهم لا في صناعة المزيد منهم، ذلك أن بعضنا لديه ضلع في هذه الظاهرة السلبية الفاسدة ... أجل، فينا من يساهم في صناعة المجرمين بطريقتيْن:
الأولى هي غياب ثقافة التبليغ رغم أنها تدخل بوضوح تام في مفهوم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهي من تغيير المنكر باللسان، ولدى مصالح الأمن والدرك أرقام خضراء يستطيع المواطنون التبليغ من خلالها عما يرونه من منكرات تستدعي تدخل المصالح المعنية، كما أن توفر الهواتف الحديثة يمكّن الناس من توثيق الجرائم وإرسال الصور إلى الجهات المعنية لتكون أدلة إثبات، وهذا يبدأ من التبليغ عن السرعة المفرطة في الطرقات، والتجاوزات الخطيرة خاصة من طرف المركبات الجماعية، إلى التبليغ عن أوكار الفساد والدعارة، وترويج المخدرات والمهلوسات والخمور، مرورا بعمليات السطو والاعتداء على الأشخاص والممتلكات...من فعل هذا فهو عنصر صالح في المجتمع، وعنصر من عناصر محاربة الجريمة، أما من لا يملك الوازع الديني ولا الروح المدنية ولا مقتضيات المواطنة، ورضي أن يكون من السلبيين والمتفرجين فهو يساهم من حيث يدري أو لا يدري في صناعة المجرمين، والزعم أن الأمر لا يعنيه حجة داحضة لأن الجريمة إذا سُكت عنها يتطاير شررها فلا يبقي ولا يذر، وفي الحديث النبوي :" إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه" - رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وما تركت أمة الأمر والنهي إلا عمّهم الله بعقاب عاجل غير آجل، فغياب ثقافة التبليغ والأمر والنهي كارثة، لكن هناك كارثة أكبر منها هي التصفيق للمجرمين.
فالطريقة الثانية لصناعة المجرمين هي التعاطف معهم، والتصفيق لهم كأنهم أبطال يجب تبجيلهم والاقتداء بهم، وهناك من يجعل منهم قدوات، لذلك يتكاثر عددهم بين الشباب والمراهقين من الجنسين رغم حملات التطهير والاعتقال التي تطال المرجوين للممنوعات واللصوص ونحوهم، ويتمّ ذلك عبر إخطارهم بقدوم قوات الأمن لأوكارهم حتى يتواروا وينجوا من المداهمة، فإذا ألقي القبض على أحدهم تجد صفحات فيسبوك مملوءة بالثناء عليه بأزكى العبارات، ويتجمهر خلق كثير حول المحكمة يوم محاكمته، وتمتلئ الصفحات بالدعاء له كأنه إنسان وديع مظلوم !!! في حين هو قد أفسد الشباب، واعتدى على الناس، وروّع الآمنين، وسرق ونهب وعاث في الأرض فسادا، ثم عندما يخرج من السجن يحجون إليه، ويملؤون الدنا بالتبريكات، فيكبر شأنه في أعين الصغار والمغفلين، ويكون ذلك سببا في اتساع نطاق الجريمة وتكاثر المجرمين، وكل من يفعل هذا يدخل – قياسا – في قوله تعالى: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا له عذاب أليم في الدنيا ولآخرة، والله يعلم أنتم لا تعلمون".
إن اجتماع العامليْن السابقيْن ينذر بتفاقم الجريمة رغم كل الجهود الرسمية المبذولة، ونحن مجتمع مسلم كان ينبغي ألا تغيب عن أبنائه شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبدا، فطمسها بذريعة الحرية الشخصية لا يؤدي إلا إلى الفساد العريض الذي يطال المجتمع كله، والإسلام يريد الإنسان الصالح أو – بالتعبير الحديث - المواطن الواعي الذي يتحرك في مجتمع إيجابي، يحس بالرابطة العضوية بين أعضائه، وإنما وقعنا فيما وقعنا فيه من السلبية والانسحاب بسبب طغيان الفكر الغربي الذي يسوقه الأدب والفن والإعلام ومواقع التواصل والنمط الاجتماعي للإنسان المنهزم روحيا، هذا النمط البالغ الخطوة الذي امتد تأثيره إلى الخطاب الديني فانتقل من مصدر للثبات والإقدام والإصلاح إلى ضحية تراوح مكانها في أدبيات الأخلاق "الإنسانية" والمحاسن التي يعرفها جميع الناس، مع قطيعة مؤسفة مع النهي عن المنكر، وملامسة الواقع، والوقوف في وجه الفساد والانحراف، وكان يجب أن يكون المنبر هو الرائد في مواجهة الجريمة والمجرمين بخطاب توعوي قوي هادف يفزّع المؤمن ليبرح مدرجات التفرج وينخرط في التدافع المجتمعي، يقيم صلب الحق، ويتصدى بإمكاناته لدفع الباطل.
عبد العزيز كحيل
حتى لا يساهم المجتمع في صناعة المجرمين
2026-06-29
9 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال