عن المقدّس موضوعا للدرس
أنس الشابي
نشرت سلوى الشرفي تدوينة كُتبت بالدارجة تناولت فيها بعض الصحابة والرسول بشيء من الهزء والسخرية الأمر الذي أثار أمم الفايسبوك ضدّها لأنها اعتدت على المقدّسات وفق ما ورد في الكثير من النصوص والبيانات، وقد تجاوزت هذه الهيجة بالبعض إلى تحريض النيابة العمومية على مقاضاتها ممّا دفعها إلى حذف ما نشرت على صفحتها كما فعلت سابقا مع تدوينات أخرى، وهو ما يؤشر على انتشار قدر كبير من التديّن المزيف المتمسك بشكليّات من بينها تقديس بعض الأسماء دون وضعها على محكّ النقد أو انتشار الحجاب بعد سنة 2011 تماهيا مع الوضع الذي نشأ إثر إيصال حركة النهضة إلى الحكم وهي الحركة التي تعتبر المحجبات حاملات للراية الإسلامية كما وصفهن بذلك راشد الغنوشي بجانب انتشار الجمعيّات الدينيّة ذات الاختصاصات المتعدّدة أوقافا وزكاة وتعليما وغيرها من المناشط وهو ما يمثّل تهديدا جديا للمساحات المدنيّة التي أوجدتها دولة الاستقلال ومن بينها إغفال ذكر الدين في الوثائق الرسميّة ومنع التفتيش في عقائد المواطنين فما نشاهده اليوم من دعوة إلى محاكمة الآخرين بتهمة الإساءة إلى المقدّس ليس إلا خطوة أولى لجرّ مؤسّسات الدولة القضائية إلى مربّع التكفير ومن ثم رفع دعاوى الحسبة والتطليق كما حصل لنصر حامد أبو زيد رغم أن الوضع في تونس مختلف عنه في مصر، وممّا يزيد من خطورة ما تشهد الساحة الثقافية والسياسية أن جملة المكتسبات التي تحقّقت بعد الاستقلال تواجه اليوم هجمة شرسة تستهدف أساسا أخونة المجتمع والدولة تشارك فيها بعض مؤسّسات الدولة كبيت الحكمة وجامعة الزيتونة ووزارة الشؤون الدينية وغيرها وهو أمر لم ينبّه إلى خطورته سوى بعض أفراد يعدّون على أصابع اليد الواحدة لأن ما سُمّي النخبة لدينا مشغولة بالفصل 54 وبالقضايا المرفوعة ضدّ هذا الطرف أو ذاك في نفس الوقت الذي يخرّب فيه الإسلاميون أسس البناء الذي سيسقط يوما ما إن تواصل الحال على ما هو عليه وما الهرج الذي حدث بعد التدوينة المذكورة إلا الدليل على ما عليه النخب التي تُسمي نفسها مدنيّة أو يساريّة أو علمانية سمّها ما شئت من ضعف وهوان وبيان ذلك أن مسارعتها بالموافقة الجزئية أو الكاملة أو الاعتراض لم تنبن على تحليل يأخذ في عين الاعتبار جميع المعطيات من بينها:
1) مضمون التدوينة وصياغتها، هي تدوينة فايسبوكية كتبت بالدارجة مع قدر كبير من التنمّر والاستخفاف ببعض الشخصيّات التاريخيّة التي ما زالت حاضرة لا في الذاكرة فقط بل في الممارسات وفي الخطاب اليومي، فقد انتقت صاحبتها بعض الأخبار عن طريق السماع أّثثت بها الهزء الذي شمل كلّ من ذكر في التدوينة، والعارف بالتراث المحايث له يعلم جيّدا أن تراثنا أشبه ما يكون بسفينة نوح من كلّ زوجين اثنين فهو خليط لا ينظمه ناظم بحيث تجد أخبارا ترفع من قدر عائشة إلى حدود التقديس الذي يضعها في مرتبة المفسّر والشارح للأوامر الإلاهية في العبادات وفي غيرها كما تجد أخبارا أخرى تحطّ من شأنها وتسيء إليها وكذا الأمر مع باقي الصحابة، لذا على الباحث الحصيف أن يتأنّى في تناول هذه الأخبار لأنّ الاكتفاء بإشهار بعضها خدمة لأغراض سياسيّة أو إيديولوجيّة انحياز لا يبرّره العلم والحياد عند التناول وهو بجانب ذلك مضرّ سياسيّا لأنّ العامة التي يُتَوجّه لها بالخطاب إن وقع استفزازها فيما تعتقد تتّجه غالبا إلى المزيد من التشدّد والانغلاق كآلية دفاعيّة لأن تقبّل الآراء المخالفة يستلزم امتلاك القدرة على النظر إلى المستقبل والانفتاح والحوار وهو ما لا تقدر عليه الجموع التي تنزع دائما وأبدا إلى التمسك بالقديم وبما ارتاحت إليه، فكلّ التيارات التحديثيّة والتنويريّة في العالم العربي وجدت المعارضة العنيفة والرفض القاطع من أصحاب المصلحة في التغيير وهم العموم، وأسباب ذلك متعدّدة أذكر من بينها ما استجدّ في العشر سنوات الأخيرة وزاد الطين بلّة وأقواها دلالة أن عدد النسخ التي تخرجها المطابع اليوم من أي كتاب باستثناء المدرسية لا يتجاوز500 نسخة لشعب يعدّ 12 مليون نسمة والغريب أن هذه النسخ القليلة تقتني أغلبها مؤسّسات الدولة لتضعها في مخازنها، لقد أصبحنا شعبا لا يقرأ، كلّ هذا بالإضافة إلى أن صاحبة التدوينة لم تعرف بأنها من ذوي العلم والرأي الراجح في المسائل الدينيّة أو التاريخيّة لأنّ جلّ منشوراتها وصفيّة وخفيفة بلا عمق تكتفي بإعادة وتدوير نفس الخطاب وهو ما جعل تأثيرها محدودا ويكاد يكون غائبا إلا لدى الأمم الفايسبوكية
2) ردود الفعل وهي كالتالي:
* ردود رافضة متشنجة من أتباع التيارات الدينيّة التي وصل بها الأمر إلى حدود تحريض النيابة العموميّة على مقاضاة صاحبة التدوينة بحجّة أنّها أساءت إلى المقدّسات ولفظ المقدّس لفظ رجراج لا حدود له ولا يمكن ضبطه فعائشة شخص مقدّس لدى أهل السنة حتى أنهم يأخذون نصف دينهم عن هذه الحميراء ولكنها ليست كذلك لدى الشيعة وهم مسلمون ما في ذلك شكّ، مسألة الأولياء وقبورهم بعضها مقدّس في جهات ولكنها لا تمتلك نفس القدسيّة في جهات أو ظروف مغايرة، القصد أنّ المقدّس ذاتي وهو بالتالي غير موضوعي ولهذا السبب الذات تتنوّع المقدّسات لاختلاف الأزمان والأمكنة والأوضاع بحيث لا يمكن عدّها مقياسا أو محدّدا لِما يُسمّى إساءة تقام على أساسها دعوى قضائية وهو ما يجعل من هذا الطلب غير ذي موضوع، ومن الجدير بالذكر أنّ ما يسمّى جمعية الأئمة أصدرت بيانا كادت أن تطالب فيه بإعدام صاحبة التدوينة والحال أنّ الأئمة غير مؤهلين للنظر في مثل هذه المسائل أو إبداء الرأي فيها لأنهم من ذوي المستوى التعليمي المتوسط فالمجازون منهم لا تتجاوز نسبتهم الخمس من مجموع يفوق العشرين ألف ممّا يسمى إطارات دينية أكثريتها من مستويات تعليمية متدنية من مستوري الحال الذين توقّفوا عند حدود السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، ولو افترضنا جدلا أنّ الخمس من أصحاب الإجازات اجتمعوا فهم لمحدوديّة تكوينهم غير مؤهلين لا على الحكم ولا على الحسم في المختلف حوله من المسائل والقضايا الفكريّة والدينيّة، ولا يجب أن يغيب عن الأذهان أن هذا النوع من الجمعيّات الدينيّة تأسّست جميعها بعد سنة 2011 ومن يومها لم نسمع لها حسّا ولا نشاطا إلا في الوقفات والتجمّعات والبيانات التي تدعو لها حركة النهضة وأبرز الأمثلة على ذلك الهرج الذي أحدثته بعد تنحية إمام جامع سيدي اللخمي ومنع المصلين من أداء صلاة الجمعة لمدّة سبعة أسابيع كاملة وهو ما لم يحدث في أي بلد إسلامي، فهذه الجمعيات أو النقابات هي في نهاية الأمر في خدمة حركة النهضة تحت غطاء وهمي وهو الإمامة التي يتوقّف اقتداء المصلي فيها بالإمام بانتهاء الصلاة.
* ردود مدافعة عن التدوينة وصاحبتها والرفع من شأنهما وكأن فتحا علميّا أتت به سلوى فيما حبّرت مع كمّ مهول من الشتائم للرافضين وهو موقف لا يعتدّ به لأنّه صادر إمّا عن تساند مهني أو وظيفي أو إيديولوجي أو أنه يعبّر عن نوازع نفسيّة لم يتمكّن صاحبها من بلورتها في موقف فكري وسياسي كمعاداة العروبة أو الإسلام مثلا.
* ردود فعل وافقت صاحبة التدوينة في المضمون من ناحية واعترضت على الأسلوب من ناحية أخرى وذلك بالانحراف بالقضية برمّتها إلى مسألة الحريات وحقّها في أن تعبّر عن رأيها والحال أن قضية الحال لا تندرج ضمن الحريات فالتدوينة نشرت وراجت ولم تصادر أو تمنع بل هنالك جهة اعترضت عليها وطالبت بمحاكمة صاحبتها وهو مجرد طلب يندرج هو الآخر في إطار الحريات وإن كان تحريض النيابة العمومية مرفوض ويحمل استقواء بجهة قضائية.
قديما قالت العرب إياك أن يضرب لسانك عنقك فالحذر كلّ الحذر.
عن المقدّس موضوعا للدرس
2026-06-29
93 قراءة
مقالات رأي
أنس الشابي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال