بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس بين تحولات الهوية ومنطق الدولة: قراءة في ضوء جغرافيا الحرب وجغرافيا الاختبار

2026-06-29 51 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس بين تحولات الهوية ومنطق الدولة: قراءة في ضوء جغرافيا الحرب وجغرافيا الاختبار
يبدو أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تفرض إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي حكمت النقاشات الفكرية والسياسية في العالم العربي منذ مرحلة ما بعد الاستقلال. فلم يعد الانقسام الرئيس قائماً بين دول متقدمة وأخرى نامية، أو بين أنظمة ديمقراطية وأخرى سلطوية فحسب، بل أخذ يتشكل تدريجياً وفق معيار آخر يتمثل في القدرة على إنتاج عناصر القوة الاستراتيجية. ومن هذا المنظور يمكن التمييز بين فضاءين متمايزين: جغرافيا الحرب التي تمتلك المعرفة والصناعة العسكرية والتكنولوجيا والقدرة على فرض موازين القوة، وجغرافيا الاختبار التي تتحول إلى مجال تُجرَّب فيه الأسلحة، والنماذج الاقتصادية، والسياسات الدولية، والتحولات الاجتماعية.
ضمن هذا الإطار النظري، تكتسب التجربة التونسية أهمية خاصة، لأنها تكشف أن الصراع حول الهوية، على أهميته التاريخية، لم يعد كافياً لتفسير التحديات التي تواجه الدولة الوطنية. فالإشكال المركزي لم يعد مقتصراً على تعريف هوية المجتمع أو طبيعة مرجعيته الثقافية، وإنما أصبح يتعلق بقدرة الدولة على إنتاج شروط السيادة، وبناء المعرفة، وامتلاك أدوات الردع، والتحول من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في النظام الدولي.
وفي هذا السياق برزت خلال العقود الأخيرة مفارقة فكرية تستحق التأمل. فمن جهة، عرفت حركة النهضة الإسلامية، التي نشأت امتداداً لحركة الاتجاه الإسلامي، سلسلة من المراجعات الفكرية والسياسية نقلت اهتمامها تدريجياً من سؤال "هوية الدولة" إلى سؤال "المواطنة والديمقراطية والدولة الدستورية". ولم يعد الجدل داخلها يقتصر على المرجعية الإسلامية للتشريع، بل اتسع ليشمل الحريات العامة، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان، وإدارة الاختلاف داخل المجتمع.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه المراجعات لم تكن مجرد تحولات سياسية فرضتها ظروف الانتقال الديمقراطي، بل ارتبطت أيضاً بإعادة قراءة التراث المقاصدي الإسلامي، ولا سيما اجتهادات الإمام الشاطبي في الموافقات، ثم تطويرات الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية. فقد اتجه النقاش نحو توسيع مفهوم المقاصد ليتجاوز الضرورات التقليدية، ويستوعب قضايا الدولة الحديثة، والسيادة الوطنية، والأمن الجماعي، والحقوق الدستورية، بما يعكس تطوراً في فهم العلاقة بين الشريعة والدولة.
وفي هذا السياق برزت اجتهادات تعتبر أن المحافظة على الدولة الوطنية، وصيانة السلم الأهلي، وحماية الاستقلال الاستراتيجي، والحفاظ على القدرة الدفاعية، أصبحت من المصالح الضرورية التي تندرج ضمن مقاصد الشريعة بالمعنى الكلي، باعتبار أن حفظ المجتمع لم يعد ينفصل عن حفظ شروط بقائه وسيادته في عالم تحكمه موازين القوة والتكنولوجيا.
وتتضح أهمية هذه المراجعات عند ربطها بمفهوم جغرافيا الحرب وجغرافيا الاختبار. فالدول التي لا تنتج المعرفة، ولا تمتلك التكنولوجيا، ولا تطور صناعاتها الاستراتيجية، تجد نفسها، مهما بلغت درجة استقرارها السياسي، عرضة للتحول إلى ساحات لتجريب سياسات الآخرين أو اختبار منظوماتهم العسكرية والاقتصادية. وعندئذ يصبح امتلاك المعرفة والردع جزءاً من مشروع النهضة ذاته، لا مجرد خيار تنموي منفصل عنه.
وفي المقابل، يرى عدد من الباحثين أن جانباً من النخب العلمانية التونسية لم ينجز مراجعات فكرية موازية بالعمق نفسه. فقد ظل جزء منها ينظر إلى الدين بوصفه إشكالية سياسية ينبغي الحد من تأثيرها في المجال العام، أكثر من اعتباره مكوناً من مكونات الهوية الحضارية يمكن توظيفه في بناء مشروع وطني جامع. ونتيجة لذلك، بقي جانب معتبر من الجدل الفكري يدور حول قضايا الهوية والصراع مع الإسلاميين، بينما تراجعت الأسئلة المتعلقة بإنتاج المعرفة، والاقتصاد الصناعي، والسيادة التكنولوجية، وموقع تونس في النظام الدولي.
وفي هذا الإطار يمكن قراءة جانب من السياسات التعليمية والثقافية التي عرفتها تونس، ولا سيما خلال فترة الرئيس زين العابدين بن علي. فقد ارتبط اسم وزير التربية محمد الشرفي بمشروع إصلاح تربوي أثار نقاشاً واسعاً بين الباحثين. ويرى منتقدوه أن تلك الإصلاحات سعت إلى إعادة تشكيل المجال الثقافي والتعليمي وفق تصور حداثي ذي نزعة مركزية قوية، في حين يعتبر مؤيدوها أنها كانت محاولة لإرساء منظومة تعليمية أكثر انسجاماً مع متطلبات الدولة الحديثة. ولذلك يبقى تقييم تلك المرحلة رهيناً بالمنطلقات الفكرية والمنهجية التي يعتمدها كل باحث.
غير أن التحولات الدولية الراهنة تكشف أن هذا السجال، على أهميته، لم يعد يمثل التحدي الرئيس الذي يواجه الدولة الوطنية. فالسؤال الحاسم لم يعد: من يمتلك تعريف الهوية؟ وإنما: من يمتلك شروط القوة؟ ومن يستطيع إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وبناء اقتصاد قادر على دعم السيادة الوطنية، بما يسمح بالانتقال من جغرافيا الاختبار إلى جغرافيا الفعل التاريخي؟
لقد أثبتت الخبرة الدولية المعاصرة أن مكانة الأمم لا تحددها فقط طبيعة نظمها القانونية أو حيوية نقاشاتها الفكرية، وإنما تحددها، بدرجة متزايدة، قدرتها على إنتاج العلوم، والتحكم في التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتأمين استقلال قرارها السياسي والاقتصادي. ومن ثم فإن تجاوز الانقسامات الإيديولوجية التقليدية بين الإسلاميين والعلمانيين لا يمثل مجرد خيار للتوافق السياسي، بل شرطاً ضرورياً لبناء مشروع وطني جديد يجعل من الحرية، والمعرفة، والسيادة، والعدالة، والقوة، عناصر متكاملة في نهضة حضارية شاملة.
وعلى هذا الأساس، تصبح معركة المستقبل معركة بناء القدرة الحضارية أكثر من كونها معركة إثبات الهوية؛ فهي انتقال من الهامش إلى المركز، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن جغرافيا الاختبار إلى جغرافيا الحرب بمعناها المرتبط بإنتاج القوة لا بالخضوع لمنطقها. وفي ضوء هذا التحول تتحدد المكانة المستقبلية لتونس، كما يتحدد موقع العالم العربي بأسره في النظام الدولي المتشكل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال