حين تخلع الجغرافيا أثوابها القديمة لا تفعل ذلك دفعة واحدة بل تترك خلفها دائما خيوطا غير مرئية تشد الحاضر إلى زوايا الماضي المعتمة.
في السرديات التي تبنيها الأنظمة لتبرير شرعيتها يظهر الاستقلال التونسي بين عامي 1955 و1956 كقصة صعود ملحمية مسار عقلاني تدرجي قاده الحزب الحر الدستوري الجديد ليرسي دعائم دولة حديثة من ركام الحماية.
غير أن التاريخ الحقيقي لا يكتب بمداد الاحتفالات والخطب الحماسية التي تطلق من الشرفات بل يختبئ في الغرف الرطبة لقلعة فينسين الباريسية حيث ترقد الصناديق الاستخباراتية والأرشيفات السيادية المهربة كشاهد صامت على ليل المفاوضات الطويل ، ليل لم يكن فيه نقاش السيادة سوى عملية مقايضة معقدة رتبت مصالح المستقبل على حساب دماء وأرض لم تجف تضحياتها بعد.
في تلك القلعة الفرنسية الحصينة تنطق الوثائق الدبلوماسية والعسكرية المفرج عنها بما أغفلته كتب التاريخ المدرسية.
ما جرى لم يكن قطيعة راديكالية مع المستعمر بل كان هندسة دقيقة لانتقال أعرج توافقت فيه النخبة البورقيبية مع سلطات الحماية على صياغة مشهد سياسي واقتصادي يضمن بقاء الجوهر الاستعماري تحت قشرة وطنية. وراء هذا التوافق تنهض ثلاثة ملفات مفصلية غيبتها الرواية الرسمية:
أرشيف سيادي جرى ترحيله ليكون حبل سرة أمنيا يربط الدولة الناشئة بباريس وتصفية دموية مريرة للتيار اليوسفي الذي رأت فيه فرنسا تهديدا لوجودها في شمال إفريقيا فاشترطت سحقه كقربان للاعتراف بالدولة وأخيرا صفقات عقارية وامتيازات اقتصادية مريبة قادها مقاولو الاستقلال للاستحواذ على تركة المعمرين والشركات المغادرة.
يبدأ الغموض من اللحظة التي حزمت فيها الإدارة الاستعمارية حقائبها مستبقة إعلان الاستقلال بنقل الأرشيف الأمني والدبلوماسي التونسي بالكامل إلى فرنسا. لم تكن تلك العملية مجرد نقل لملفات ورقية بل كانت تجريدا للدولة التونسية الناشئة من ذاكرتها الأمنية العميقة وإبقاء لأوراق الضغط الاستراتيجي في يد باريس.
في هذا الفضاء المتخم بالسرية كان الحبيب بورقيبة وابنه الحبيب بورقيبة الابن المعروف بلقب بيبي يتحركان في صالونات باريس وفنادقها كحلقات وصل حيوية.
الابن الذي ولد في باريس عام 1927 وتلقى تعليمه في معهد الدراسات السياسية هناك لم يكن مجرد ديبلوماسي بل كان العقل الحركي الذي أدار القنوات الخلفية مع الأوساط الحكومية الفرنسية تاركا خلفه مع الوفد التونسي أكواما من المراسلات السرية ومحاضر الجلسات الثنائية التي تكشف تداخل المصالح.
تثبت ملفات السلسلة 2H والصناديق الاستخباراتية لوزارة الدفاع الفرنسية أن المفاوض التونسي وافق على إبقاء الملفات الأمنية الحساسة تحت الإشراف المباشر للاستخبارات الفرنسية لفترة انتقالية.
كانت سلسلة 2H تحتوي على تقارير تفصيلية ترصد تحركات المقاومة المسلحة وشبكات الفلاقة بينما تضمن علبة 2H 338 تتبعا دقيقا لأنصار صالح بن يوسف وإدارة مراكز الاعتقال.
وفي علبة أخرى تحمل رمز 1H 1698 وثق المكتب الاستخباراتي الثاني تفاصيل التنسيق العسكري التونسي الجزائري ومساعي بورقيبة لإجهاض تشكيل جبهة مغاربية مشتركة.
حتى القوانين الأساسية لجيش التحرير التونسي المودعة في ملفات السلسلة 2H كانت تحت أعين الفرنسيين مما سمح لباريس بمراقبة السلوك الأمني للنظام الجديد وتأمين مصالح الشركات والرعايا الأوروبيين مع بناء التشكيلات المسلحة شبه القانونية التي استخدمها البورقيبيون لاحقاً لتثبيت سلطتهم.
هذا التوافق الأمني لم يكن ترفا سياسيا بل كان ثمنا مدفوعا بالدم لتصفية الحركة اليوسفية كشرط هيكلي لولادة الدولة.
لم تكن اليوسفية مجرد خلاف حزبي على القيادة بين بورقيبة وصالح بن يوسف بل كانت صراعا بين رؤيتين:
رؤية يوسفية ترى في معاهدة الحكم الذاتي لعام 1955 خيانة عظمى وتكريسا للاستعمار غير المباشر ورؤية بورقيبية براغماتية تعتمد سياسة المراحل.
وثائق المكتب الثاني للاستخبارات الفرنسية تكشف الرعب الذي عاشته باريس من أطروحة صالح بن يوسف الذي كان ينسق مع القادة الثوريين الجزائريين في تونس من أمثال أحمد بن بلة والسعيد عبد الحي وشيحاني بشير لتأسيس جيش تحرير مغاربي موحد يطرد فرنسا من شمال إفريقيا بأسرها.
أمام هذا الخطر المشترك تلاقت مصالح البورقيبية مع التوجهات الفرنسية فعجلت باريس بمنح الاستقلال السياسي في 20 مارس 1956 لتفريغ الثورة الجزائرية من قاعدتها الخلفية التونسية وإجهاض الجبهة المشتركة.
وفي مقابل هذا الاعتراف منحت سلطات الحماية جماعة الحزب الدستوري الجديد صلاحيات الحفاظ على النظام العام وجهاز الشرطة بشكل متسارع. وبدعم فرنسي مباشر شكل البورقيبيون ميليشيات مسلحة خارج الأطر القضائية رمت بكل ثقلها لملاحقة القواعد اليوسفية وعناصر الفلاقة وتصفيتهم جسديا وعسكريا في فيافي الجنوب والغرب التونسي.
كان هذا النزيف الداخلي يحظى برعاية كاملة من الاستخبارات الفرنسية لضمان استقرار النظام الجديد وهو المسار الدموي الذي توج لاحقا باختراق استخباري أنهى حياة صالح بن يوسف في ألمانيا عام 1961 ليموت معه مشروع المعارضة الجذرية للدولة الناشئة.
ومع هدوء أصوات الرصاص في الجبال بدأت تتشكل في العاصمة والمدن الكبرى ملامح طبقة جديدة من مقاولي الاستقلال، شبكات مصالح مالية وعقارية مريبة نشأت في ظلال السلطة وعائلاتها وأصهارها لتدير صفقات تجارية مجحفة مع الشركات الاستعمارية المغادرة والمالكين الأوروبيين الفارين.
حسمت الاتفاقيات الاقتصادية والمالية لعام 1955 وتحديدا في فصليها 33 و34 طبيعة هذا الارتباط إذ منحت النصوص الشركات الفرنسية حق الأفضلية والمحسوبية المطلقة في الحصول على رخص التنقيب والاستثمار واستغلال الثروات الباطنية كالبترول والغاز والملح عبر شركة كوتوزال عند تساوي الشروط ولم تكن الدولة التونسية تملك الحق في تعديل آجال هذه الامتيازات إلا بموافقة صريحة من باريس مما قيد السيادة الوطنية لعقود وتجلى ذلك بوضوح في اتفاقية عام 1958 لمد خط أنابيب النفط من حقول عين أميناس بالجزائر إلى ميناء الصخيرة التونسي على طول يتجاوز 510 كيلومترات وفق ترتيبات وعمولات بخسة حددتها فرنسا منفردة.
على الجانب الآخر كانت تركة المعمرين العقارية تمثل الغنيمة الأكبر. بموجب اتفاقيات خاصة لإعادة شراء أملاك الأجانب شملت العملية ما يقارب 8000 مسكن وعقار تجاري وسكني عهد بالتصرف فيها إلى الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية وإدارات أملاك الأجانب لكن هذه العملية لم تذهب إلى مستحقيها من الفقراء والمعدمين بل تحولت إلى آلية خلفية للإثراء السريع وتوزيع المغانم على كبار موظفي الدولة وإطارات الحزب الحاكم والتجار والمقربين من القصر الرئاسي.
ومع نهاية الستينات وانهيار تجربة التعاضد الزراعي انقضت هذه الفئات النافذة على الأراضي الفلاحية المسترجعة مستغلة انهيار الأسعار لتشتري أخصب المساحات بأثمان بخسة لتولد إقطاعية تونسية جديدة ورثت امتيازات المعمرين الفرنسيين وحافظت على ذات البنية التقليدية القائمة على تهميش الريف والأطراف لصالح المركز.
القراءة المتأنية لهذه المرحلة الانتقالية بعيدا عن أساطير التأسيس الرسمية تفضي إلى حقيقة بنيوية قاسية ان الدولة الوطنية الحديثة لم تولد من رحم قطيعة كاملة مع المستعمر بل كانت نتاج هندسة دقيقة جرى فيها تسليم السلطة السياسية لنخبة محددة مقابل ضمانات أمنية واقتصادية حيوية لباريس.
دفع ريف تونس وجنوبها وغربها الثمن الأكبر في هذه المعادلة سواء بالدم في معركة تصفية اليوسفية والفلاقة أو بالتهميش الاقتصادي الناجم عن نشوء طبقة إقطاعية وتجارية ارتبطت مصالحها ببقاء التبعية.
واليوم كلما فتحت علبة أرشيف جديدة في قلعة فينسين يسقط جزء من القناع، لتظهر الجذور التاريخية العميقة لغياب العدالة الاجتماعية والتنمية غير المتكافئة بين الجهات باعتبارها ندوبا قديمة غارت في جسد تونس منذ لحظة ميلادها القيصري.
الهندسة السرية للانتقال السيادي في تونس 1955-1956: التوافقات الأمنية، تصفية اليوسفية، واقتصاديات الاستقلال في ضوء أرشيف قلعة فينسين
2026-06-28
56 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال