بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الهودج والعرش... كيف ولدت الفتنة الكبرى؟

2026-06-25 96 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الهودج والعرش... كيف ولدت الفتنة الكبرى؟
لم تكن غرف الطين وسعف النخيل الملاصقة للمسجد النبوي مجرد جدران تأوي فتاة قريشية انتقلت من دلال الطفولة في مكة إلى مهام النبوة في المدينة المنورة في حدود عام 624 ميلادي بل كانت تلك الغرف الضيقة بمثابة المركز السري الذي تتجمع فيه خيوط التحولات الاجتماعية والسياسية لجزيرة العرب قاطبة.
في تلك المساحة المتقشفة كانت عائشة تتشرب أدق تفاصيل الوحي وتراقب بذكاء حاد كيف تتحول القبائل المتناحرة إلى مجتمع متراص وكيف يتشكل وعي الدولة من رحم الصحراء القاسية. لم تكن مجرد زوجة بل كانت عينا راصدة وعقلا يلتقط حركة التاريخ في لحظة تشكله الأولى تحفظ الأنساب وتستوعب الشعر القديم وتراقب وفود العرب التي تفد إلى ذلك الفناء الطيني لتكون لاحقا الذاكرة الحية التي ستعتمد عليها الأمة في صياغة تشريعاتها وتوثيق أيامها.
غير أن رياح الصحراء لا تهب دائما بما يشتهي ساكنوها
ففي العام السادس للهجرة وتحديدا في عام 627 ميلادي لم تكن طريق العودة من غزوة بني المصطلق مجرد مسار عبر الرمال الحارقة بل كانت مسرحا لواحدة من أقسى الهزات النفسية التي ضربت وجدان تلك الشابة.
هناك حين انفرط عقدها المصنوع من جزع ظفار وتخلفت عن القافلة تبحث عنه في العتمة لم تكن تدرك أن تلك اللحظة ستفتح أبواب الجحيم السياسي في المدينة.
طوال شهر كامل عاشت عائشة عزلة موحشة داخل حجرتها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها بينما كانت شوارع المدينة وأزقتها تغلي بشائعات وحملات تشويه قادها عبد الله بن أبي بن سلول ببراعة شيطانية لتمزيق النسيج الاجتماعي الجديد.
في تلك الأيام الثقيلة تداخل الشخصي بالسياسي وبدا أن التحالف الهش بين المهاجرين والأنصار على وشك الانهيار. وحين استشار النبي أصحابه جاءت كلمات علي بن أبي طالب عملية وجافة محاولا إبعاد شبح الأزمة عن مقام القيادة وهو الموقف الذي وإن كان نابعا من حسابات سياسية للحظة إلا أنه حفر شرخا صامتا في النفوس، شرخا سيكبر لاحقا لتبتلع هوته آلاف الأرواح.
وحين نصل إلى العام الخامس والثلاثين للهجرةالموافق لعام 656 ميلادي نجد أن المدينة المنورة قد فقدت براءتها الأولى وتحولت إلى عاصمة إمبراطورية تتدفق إليها ثروات فارس والروم ومع الثروة تدفقت طموحات التمرد.
عاشت عائشة تلك الأيام العصيبة وهي ترى وفود الثوار القادمين من الفسطاط والكوفة والبصرة يضربون حصارا خانقا على دار الخليفة الثالث عثمان بن عفان، حصارا امتد لأربعين يوما مُنع فيها الماء عن شيخ جاوز الثمانين.
اختارت عائشة الخروج إلى الحج في مكة ربما في محاولة لسحب الغطاء الروحي عن تلك الفتنة أو أملا في أن يؤدي غيابها إلى تبريد الرؤوس الحامية لكن الأقدار كانت أسرع. في طريق عودتها وتحديدا عند موضع يقال له سرف تلقفها النبأ المفجع، لقد ذُبح عثمان في محرابه وسالت دماؤه على صفحات المصحف.
في تلك اللحظة الفارقة أدركت أن منظومة القيم التي أرساها الجيل الأول قد انهارت تماما وأن صمتها يعني إقرارا بشريعة الغاب فعادت أدراجها إلى مكة لتعلن بصوت تخنقه المرارة بدء حراك سياسي للمطالبة بدم الخليفة المقتول رافضة أن يُترك قتلة عثمان يعيثون فسادا في عاصمة الإسلام.

بدأ الزحف التراجيدي نحو البصرة في العام السادس والثلاثين للهجرة، قافلة ضخمة يقودها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وتتوسطها عائشة في هودجها المصفح بدروع الحديد.
في تلك الرحلة العسيرة عبر الفيافي الموحشة توقفت القافلة ذات ليلة عند بئر ماء يقال له الحوأب وهناك نبحتهم كلاب متوحشة في العتمة. تسرب الرعب إلى قلب أم المؤمنين حين تذكرت تحذيرا قديما عن نباح تلك الكلاب وأرادت أن تعود أدراجها وتنسحب من هذا المجهول المخيف صارخة فيمن حولها أن ردوها لكن عجلة التاريخ كانت قد دارت والضغوط السياسية لمن حولها مع شهادات استُجلبت على عجل لتغيير اسم المكان دفعتها لمواصلة المسير نحو هاوية محتومة في تجسيد مرعب لكيفية ارتهان الفرد العظيم لحركة الجموع العمياء.
وحين ارتفعت شمس ذلك اليوم الخريفي من عام 656 ميلادي على أرض البصرة لم تشهد العرب في تاريخها مقتلة أشد هولا من معركة الجمل.
لم تكن مجرد حرب بل كانت انتحارا جماعيا لجيل كامل. تمركز القتال حول الجمل الذي يحمل هودج عائشة وتحول ذلك الهودج إلى صنم يُراق على جوانبه الدم بغزارة جنونية. تفيد الروايات التاريخية أن ما يقرب من سبعين رجلا من أشراف العرب فقدوا أيديهم بضربات السيوف وهم يتناوبون على الإمساك بخطام الجمل كلما قُطعت يد رجل تقدم آخر ليمسك الخطام حتى يُقتل. وتكاثفت السهام المنهمرة على الهودج حتى صار شكله كالقنفذ من كثرة النبال المغروزة فيه. كان علي بن أبي طالب يراقب هذا المشهد المروع والدموع تملأ لحيته يرى رفاق دربه يسقطون واحدا تلو الآخر في جنون دموي لا يوقفه شيء حتى اضطر لإعطاء الأمر بعقر الجمل لإنهاء تلك المحرقة الوجودية.
سقط الجمل صريعا وانتهت المعركة بآلاف الجثث الممزقة وبصمت ثقيل ابتلع أنين الجرحى في صحراء البصرة.

بعد ذلك الانكسار المروع عادت عائشة إلى المدينة المنورة محاطة بتقدير بالغ من الإمام علي الذي ودعها بنفسه لتبدأ أطول وأعمق مرحلة في حياتها. من عام 656 ميلادي وحتى وفاتها عام 678 ميلادي فرضت على نفسها شبه إقامة جبرية طوعية في غرفتها النبوية متفرغة لترميم ما دمرته السياسة عبر المعرفة. لم تعد تلك المرأة التي تقود الجيوش بل غدت المرجعية الفقهية الأولى تنقل أكثر من ألفين ومئتي حديث وتناقش كبار الصحابة وتستدرك عليهم مؤسسة لمدرسة فكرية تعتمد العقل والنقد في قبول المرويات.
وعبر تلك السنوات كانت تراقب بصمت حزين كيف يتحول مركز الثقل من حجرات المدينة البسيطة إلى قصور دمشق الفارهة مع صعود الدولة الأموية.
وحين دنا الأجل في الليلة السابعة عشرة من شهر رمضان في العام الثامن والخمسين للهجرة أبت أن تُدفن بجوار النبي وأبي بكر خجلا مما اعتبرته زلة خروجها في الفتنة وأوصت أن تُدفن مع صواحبها في مقبرة البقيع ليلا متوارية عن أنظار السلطة لتنطوي في عتمة تلك الليلة الرمضانية سيرة امرأة كانت هي التاريخ نفسه حين يتنفس ويتألم وينهض من جديد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال