أما غير المسلمين فيحق لهم أن يعبدوا كرة القدم إن شاؤوا، فهم مشركون أصلا، ويحق لهم أن يصيبهم الجنون لفوز فريق أو خسرانه، فالدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم، أما أن تصيب هذه اللوثة المسلمين – وهم أصحاب عقيدة ورسالة وشهادة على الناس - فهذا يحتاج إلى وقفة...يصح أن نقول هذه الأيام: سكوت...أنتم في حضرة الآلهة الكبرى "كرة القدم"، من أجلها سيتخلى المتدين عن دينه، والمثقف عن مكانته، والرزين عن رزانته، سينسى الجميع غزة وإيران والفقر والمرض والمشاكل، وسيعم الجنون والهستيريا، فالمسألة تتجاوز التسلية واللعب كأننا في حضرة آلهة حقيقية.
ولنا أن نلاحظ أن "القوم" اخذوا العالم وشغلونا بكأس العالم، وأن الولايات المتحدة الأمريكية التي هي مأساة العالم تنظم كأس العالم، وأن هناك نوعيْن من الصراخ: صراخ الانتشاء في الملاعب والساحات والمقاهي، وصراخ أهل غزة من القصف الذي لا يتوقف، والحصار المحكم الذي يمنع عنهم الطعام والماء والدواء وكل أسباب الحياة، وهم مسلمون لا يلتفت إلى مأساتهم أحد من المحيط إلى الخليج، والأدهى أن غفلة جماهيرنا العربية المسلمة المخدرة بالكرة يقابلها استمرار الفعاليات القوية في أروبا وأمريكا وأستراليا، تنتصر لغزة وتعرّف بمأساتها، وتفضح ممارسات الكيان الصهيوني...فأي الفريقين أحق بالأمن؟ إن في القلب لغصة من هذا، وفي الفؤاد حرقة كبيرة، كيف لا وقلوب المسلمين تهتز للمباريات أكثر من الصلوات، المقاهي والساحات والمدرجات تمتلئ ساعات قبل البداية وتمتد لساعات، والناس في صبر مشهود وفرح شديد، والمساجد تكاد تكون فارغة طول السنة في الفجر وباقي الصلوات...أليست مأساة ألا ينام المسلم حتى يشاهد المباراة بينما لا يتحرج من النوم وقت صلاة الفجر التي تشهدها الملائكة؟ مسلم يبكي ويتحسر وقد يموت إذا خسر فريقُه، ولا يذرف دمعة على مسلمين يُقتلون أبشع تقتيل يوميا، بل لا يبكي على ذنوبه وهو يعلم أنه مقبل على ربه فيسأله عن عمره فيما أفناه وشبابه فيما أبلاه...يصبر ساعات على مشاهدة مباريات متعددة ويشتكي من إطالة الإمام للصلاة إذا تجاوز خمس دقائق، وطول الخطبة إذا زادت عن ربع ساعة...يحفظ هو وزوجته وأبناؤه وأمه وجدته أسماء اللاعبين وتفاصيل حياتهم، ولا يحفظ أسماء العشرة المبشرين بالجنة، وربما لا يجيد قراءة آية الكرسي...حماس منقطع النظير للكرة وفتور كبير للجنة، فماذا لو كان متحمسا للجنة تحمسه للكرة؟ كأس العالم الحقيقي يوم ينادَى: "فريق في الجنة وفريق في السعير"، والفوز الحقيقي هو "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز"...فأين ذاك الفوز من هذا؟
القضية ليست قضية رياضة ولا ترفيه مباح ولا لعب ولا لهو بل هي مشكلة تعلق القلوب بالكرة حتى يتباهى بعضهم بأنها تجري في عروقه!!! إذا حضر أوانها تتأخر جميع الواجبات مهما كانت، فهل هذه رياضة؟ وما أتعس حال من غلبت عليهم شقوتهم فبدل أن يبكوا على حالهم صاروا يبررون ما هم فيه بالدين والوطنية!!! لا، "قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير"...ميزان الأعمال يوم القيامة كفتان لا ثالث لهما: كفة الحسنات وكفة السيئات ففي أيهما ستوضع حالك مع الكرة؟ وهناك كتاب باليمين وآخر بالشمال، ففي أيهما يكوّن تعلق القلب بالكرة؟
وا أسفاه...أين عقولنا وأين قلوبنا؟ لاعبون ومدربون يتقاضون المليارات من أجل عمل أقدامهم، وفقراء وشباي عاطلون عن العمل يكادون يموتون من أجلهم!!! أليس هذا شيئا يتجاوز الغباء بمراحل، ولا يكفي وصفه بالمخدر؟ فيمَ تنفعنا هذه المباريات والتحليلات والتوقعات والمشاحنات ونحن أمة ذات رسالة: "لتكونوا شهداء على الناس"؟
حياة المسلم جدّ لا ينكر الترويح عن النفس، ووقتُه ساعة وساعة، لكن هذا شيء وامتلاء القلوب بالكرة شيء آخر، وقد ذكروا أن أبا عثمان الواعظ كان في مجلسه فأطل رجل برأسه وسأله "متى يكون العبد صادقا في حب مولاه؟ فقال "إذا خلا من خلافه كان صادقا في حبه"، أي يكون حبه لله صادقا إذا كان قلبه خاليا من التعلق إلا به سبحانه وتعالى لأنه – كما يقول ابن عطاء في حكمه – "كما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يُقبل عليه"...فماذا نجد في حالنا إذا احتكمنا إلى هذا الميزان الشرعي الذي لا يطغى؟ الرياضة ممارسة فعلية في الميدان، سواء كانت فردية أو جماعية، من أفضل أنواعها السياحة، فأين الرياضة عند جماهير مسمّرة في المقاعد او أمام الشاشات تهيج وتموج أمام فريق يلعب من أجل الأموال الطائلة، خسر أو فاز؟ ماذا لو أنفقنا الأوقات والجهود فيما ينفعنا وينفع الأمة في أمور الدنيا والآخرة؟ إن كرة القدم فهي بلاء العصر الذي ابتلع قلوي المسلمين قبل غيرهم، وإلا كيف يتناسون أن أمريكا شاركت بقوة في إبادة غزة، وشنت عدوانا على بلد عضو في منظمة التعاون الإسلامي، واختطفت رئيس دولة من بيته، وهم يذهبون إليها لتلميع صورتها؟
عبد العزيز كحيل
عن الرياضة وكأس العالم
2026-06-16
43 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال