بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كيف نتفقه في الدين؟

2026-06-09 26 قراءة مقالات فكر عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التفقه في الدين علامة الخيرية، لكن كيف يتم ذلك؟ البداية بفهم معنى التفقه في الدين، فالإسلام ليس مسيحية تُعنى بالجانب الروحي في الإنسان، بل هو منظومة متكاملة تتناول قلب المسلم وعقله وجوارحه، وتخاطبه كفرد وكواحد من أسرة وكعضو في مجتمع ينتمي إلى البشرية كلها، في إطار توجيهات قرآنية وحديثية تهدف إلى جعله يحسن التعامل مع الله ومع الناس ومع الكون كله، أي أن التفقه في الدين يعني اكتساب الفهم الصحيح و الوعي العميق بقضايا العبادة والسياسة والتجارة وكل الأنشطة البشرية، ولتوجيه حركة المسلم توجيها صحيحا في كل نواحي الحياة قامت المذاهب الإسلامية، وكلها تبلور الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وتقيس عليها وتجتهد لتضبط حركة المسلم – فردا ومجتمعا – بها...فكيف نتفقه في الدين؟
الشريعة الإسلامية تتضمنها المذاهب الأربعة أساسا – مع بقاء باب الاجتهاد مفتوحا لأهله – فيحسن بالمسلم أن يبدأ بالتفقه بمذهب بواحد منها لتفادي التشويش الفكري والنفسي، حتى إذا كان من طلبة العلم الشرعي وبلغ درجة النظر انتقل إلى الفقه المقارن أي النظر في المذاهب الأخرى وأدلتها، ذلك أننا في عصر لا يسعه مذهب واحد، ولا يحده رأي واحد، بل يحتاج إلى عقول كثيرة، ولا يمكن للتراث الفقهي أن يجيب عن أسئلة القرن الخامس عشر الهجري ويحل مشكلاته، لذلك على العامي أن يقتدي بالعالم (ومذهب العامي هو مذهب مفتيه)، كما يجب على طالب العلم الشرعي أن يخرج من قوقعة الاصطفاف المذهبي ويدخل رحاب الإسلام الواسع، ويطلب مزيدا من العلم بهمة عالية وطموح كبير ليكون مجتهدا يصلح لعصره كما أخذ عن مجتهدين أنجبهم عصرهم، وبدل التوقف عند عتبة باب الإعجاب بالأولين يجب اقتحام باب الاجتهاد مثلهم بعد استكمال أدواته كما فعلوا، ولا يضر طالب العلم شيء مثل التعصب المذهبي – وهو الاقتناع بأن مذهبه حوى الحق كله بينما المذاهب الأخرى لا اعتبار لها ولا تستحق الالتفات إليها – وهو فكر يعيق إنتاج المعرفة كما يعيق تحرك المسلم في الحياة، والتحرر من التعصب المذهبي شرط أساس للترقي في مدارج العلوم الشرعية وطرق باب الاجتهاد بجد، ذلك أن التعصب المذهبي سجن في فضاء الإسلام الرحب...في هذا السياق أقترح على أصحاب الهمم العالية النهل من هذه الكتب الأمهات في الفقه المقارن التي تقدح ملكة الاطلاع :
- المغني لابن قدامة: هو أساسا كتاب في الفقه الحنبلي لكن مؤلفه يعرض أقوال مختلف المذاهب ويناقش أدلتها بطريقة علمية نافعة.
- المحلى لابن حزم: هو كتاب في المذهب الظاهري لكن صاحبه يعرض أقوال الحنفية والمالكية والشافعية ويناقشها بعمق كبير (مع تحفظنا على أسلوبه في الرد على الأئمة، وقد قيل "لسان ابن حزم وسيف الحجاج سواء).
- نيل الأوطار للشوكاني: والشوكاني لم يكن متمذهبا، وكتابه شرح لكتاب "منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار" للمجد ابن تيمية جدّ شيخ الإسلام، يورد فيه الأقوال ويناقشها ويرجح بعضها على بعض.
لم أذكر كتاب "بداية المجتهد" لابن رشد رغم أنه في الفقه المقارن لأنه – بخلاف الكتب السابقة – صعب جدا لا يقدر عليه إلا المتخصصون.
قلت ما سبق لأن العلم لا يؤخذ من فيسبوك أو يوتيوب ولكن من حلقات العلم والدورات المتخصصة والكتب المعتمدة بإشراف العلماء الفحول، لأن الطالب لا يأخذ من هذه المحاضن المعرفة النافعة وحدها بل يترعرع في أحضان الأدب الذي لا يفيد علم إلا بتوفره، كما أشير إلى أن دعوتي إلى الاستظلال بظلال الفقه المقارن لا يعني بحال الانخراط في اللامذهبية، فتلك – كما قال الدكتور البوطي – أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية، والفرق بينهما شاسع، فالفقه المقارن يحوي علوم الأولين ولا يتنكر للعلم مهما كان مشربه، وينظر في الأقوال والأدلة بموضوعية وإنصاف، ويميل مع الحق حيث مال، ينما لا تعني اللامذهبية سوى الانفلات من العلم الرصين، وإسلامه إلى كل من هب ودب تحت غطاء الكلمة الآثمة "نحن رجال وهم رجال" التي يرددها من لا علم له ولا أدب، وهذه اللامذهبية ليست اتجاها علميا بل هي مدرسة مشاغبة جمعت بين إغلاق العقل وسوء الطوية، اتخذت من بعض الشيوخ المعاصرين مرجعية مقدسة، تقول عنهم هم وحدهم أتباع السلف الصالح، وتلغي تراث المسلمين العلمي كله بجرة قلم، وتنتقص من الأئمة الأربعة فضلا عن غيرهم، بينما يقوم الفقه المقارن على أكتاف هؤلاء الأئمة وتقديرهم والاحتفاء بتراثهم وخدمته، بحيث يضيف اللاحق إلى السابق بدل إلغائه وتجاوزه، والحقيقة أن الفقه المقارن يجعل الطالب ينشرح صدره وتتسع مدارده ويزيد تواضعه، بينما تزيد اللامذهبية أتباعها تعصبا وغرورا.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال