بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التداخل في وزني معلقة عبيد وأثره على نشوء بحر المخلع

2026-06-08 36 قراءة مختلفات سليمان أحمد أبو ستة
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التداخل في وزني معلقة عبيد وأثره على نشوء بحر المخلع
سليمان أحمد أبو ستة
المقدمة
لم يسبح أحد من الشعراء مثل سبح عبيد بن الأبرص (554 م) الذي تتبع فيه بحور الشعر غير المستعملة في عصره، ولا غاص وراء قوافيها النادرة، مغاصه. قال مفتخرا :
سَلِ الشعراء هل سبحوا كسبحي || بحورَ الشعر أو غاصوا مغاصي
لســــــــــــــــــــاني بالقريض وبالقــــــــــوافي || وبالأشعـــــار أمهر في الغواصِ
من الحوت الذي في لجــــــــّ بحــــــــــــر || يجيد السبح في اللجج القماصِ
وهو حين قرّر أن يختار لمعلقته وزنا ينظمها عليه، كان ذلك الوزن هو الذي أسماه الخليل بن أحمد (791ه) مجزوء البسيط، بضربه المقطوع:، ونؤثر أن نسميه (العبيدي) نسبة لأول من نظم عليه، وهو عبيد بن الأبرص.
س س و|س و|س س و || س س و|س و|س[س][و]
حتى إذا شرع في نظم معلقته وجد أن هذا الوزن، ورقمه في الجدول الدوري: [7: 8]، يتداخل مع وزن آخر كان الدور فيه مزدوجا، وهو المخلّع الذي سنختار له اسما ألصق بمبدعه الأول هو (الأبرص) ورقمه الدوري: [3: 4]، أما وحداته العروضية فهي كما يلي:
س س و [س]|س [س] و [س] || س س و [س]|س [س] و [س]
ثم إن عبيدا لم يلبث بعد ذلك أن اكتشف، أنّ السبب وراء ذلك التداخل ربما كان يرجع في المقام الأول إلى اختياره للقطع ضربا لقصيدته تلك، فلو أنه بدلا من ذلك، اتجه إلى الإذالة فيه أي: (مستفعلان)، كما صنع عدد من الشعراء اللاحقين ومنهم المرقّش الأصغر والأسود بن يعفر وغيرهما ، لجنّب نفسه الوقوع في مطبّ التداخل الذي وصم قصيدته بالاضطراب حتى أن الأخفش الأوسط (215 ه) جعله عيبا وزنيا، قال:"وفي الشعر (الرمل) وهو عند العرب عيب. وهو مما تسمي العرب، وهو كل شعر مهزول ليس بمؤلف البناء، ولا يحدون في ذلك شيئا. وهو نحو قول عبيد:
أقفر من أهله ملحوب || فالقطبيات فالذنوب
[القوافي للأخفش ص 72]
ولقد كان أول شاعر بعد عبيد يختبر هذا الوزن المقطوع هو تلميذه امرؤ القيس، وذلك في قصيدة له من سبعة عشر بيتا أولها:
عيناك دمعهما سِجال || كأنّ شأنيهما أوشالُ
ولأن عدد أبيات بحر العبيدي في تلك القصيدة لم يكد بالكاد يتجاوز الخمسة أبيات، فقد صار التفوّق فيها يميل إلى ناحية بحر (الأبرص) من حيث ذلك العدد. ثم جاء الأعشى (629 م) الذي اطّلع على تجربتي عبيد وامرئ القيس في النظم على هذا الوزن، ليحاول من جانبه أن يظلّ متشبّثا بالنظم على وزن (الأبرص) وحده دون (العبيدي)، الذي لم ينزلق إليه إلا مرّة واحدة في قصيدته تلك، وذلك حيث يقول :
قمنا إليكم ولم يبردْنا || نَضْحٌ على حَمْينا قَرارُ
وهذا البيت موافق لبيتي عبيد رقم 27 ورقم 37، والأول منهما اتهمه المعرّي بالخلل في وزنه .
ومن الواضح أن الأعشى في قصيدته تلك، كان مسبوقا بقصيدة أخرى على الوزن نفسه وضعها سلمي بن ربيعة. وبذلك فقد حسم هذان الشاعران مسألة التداخل تلك بشكل نهائي في ذلك الزمن من الجاهلية، بحيث استقر النظم بعدهما وإلى يومنا هذا، على بحر (الأبرص) وحده صافيا.
ولعل من نافلة القول أن نذكر هنا أن الخليل بن أحمد (175 ه) لم يعرف المخلّع بالوزن الذي أثبتناه في الجدول الدوريّ لليحور، والذي كان رقمه فيه [3: 4] وذلك من خلال دوره المزدوج أو المضاعف. ذلك أن العروض الثالثة التي اخترعها الخليل للبسيط تعدّ في نظري وهميّة من ناحية، ومخالفة لأصل من أصول علم العروض، يمنع القطع في العروض، من ناحية أخرى، قال التبريزي: "والعروض الثالثة منه مقطوعة، ووزنها مفعولن، ولها ضرب واحد مثلها ". وأما كيفية الوصول لرقم كل دور من أدوار العروض، فيتمّ عن طريق ملاحظة ترتيب وروده على المحور المعيّن من المحاور التسعة للجدول الدوريّ، نحو مجزوء البسيط مثلا، إذ هو البحر الثالث على المحور الرابع كما في الجدول المرفق أدناه، وهذا ما يجعل الرقم الكامل للأوزان الشعرية، مستعملها ومهملها، يصل إلى خمسة وأربعين نسقا أو دورا.
الرموز المستخدمة:
س: السبب الخفيف ويساوي مقطعا طويلا: (-) أو قصيرا: (ب)
و: الوتد المجموع ويساوي مقطعين: قصيرا فطويلا: (ب -).
[و]: الوتد المقطوع ويساوي مقطعا طويلا: (-).
{و}: الوتد المذال، ويساوي مقطعا مديدا: (-)
[س]: السبب الخفيف ملتزم البسط ويساوي مقطعا طويلا: (-).
<س>: السبب الخفيف ملتزم القبض، ويساوي مقطعا قصيرا: (ب).
الجدول الدوري للأوزان
1 – س
2 – و س
3 – و س س
4 – و س س س
5 – و س و س س
6 – و س و س س س
7 – و س و س س و س
8 – و س و س س و س س
9 – و س و س س و س س س
معلقة عبيد وعدد أبياتها خمسون:
أرقام أبيات مجزوء البسيط: 1، 5، 6، 7، 8، 12، 13، 14، 15، 16، 18، 19، 20، 21، 22، 23، 28، 29، 30، 32، 33، 38، 40، 41، 42، 43، 44، 45، 50.
نسبة عدد أبيات مجزوء البسيط 29/50= 58%
أرقام أبيات مخلع البسيط: 2، 3، 4، 9، 10، 11، 17، 24، 25، 26، 27، 31، 34، 35، 36، 37، 39، 46، 47، 48، 49.
نسبة عدد أبيات مخلع البسيط 21/50= 42%
ملاحظتان على وزن المعلقة:
(1) الأولى أن الشعراء اتّبعوا في النظم على المخلّع أسلوبا في التفعيل جعله أقرب إلى مجزوء البسيط منه إلى المخلّع. ويمكن فهم ذلك من النظر إلى بعض أبيات ابن الرومي التي وثّق فيها تفعيل هذا البحر في إحدى قصائده الهجائية، قائلا:
مستفعلن فاعلن فعولن || مستفعلن فاعلن فعول
بيت كمعناك ليس فيه || معنى سوى أنه فضول
فالبيت الأول مساو إلى حدّ بعيد للبيت التالي:
مستفعلاتن متفعلاتن || مستفعلاتن متفعلاتن
وهو تفعيل بحر المخلّع، إلا أنه أقلّ منه دقّة حيث يمكن فيه تحويل متفعلاتن إلى مستفعلاتن بالزحاف، في حين لا يمكن تحويل فاعلن إلى فاعيلن في مجزوء البسيط، وذلك لاختلاف الوحدات السبب-وتدية في كلا التفعيلين. والملاحظ أن هذا التفعيل المختلّ ظل مستخدما في تحليلات العروضيين المحدثين منطلقا في مسيرته تلك منذ ابن الرومي وحتى اليوم .
(2) وأما الملاحظة الثانية فهي حول قول المعري:
"وفيها أبيات خارجة عن الوزن، منها قوله:
والمرء ما عاش في تكذيبٍ || طول الحياة له تعذيبُ
فلقد أحسّ المعرّي هنا بخلله من جرّاء قطع العروض فيه وإن لم يستطع التصريح بكنه هذا الخلل هنا، ومع ذلك فقد كانت له ملاحظة أخرى شبيهة بتلك في نقده لديوان البحتري حيث قال :
"وقوله:
" ليس ينفكّ هاجياً مضروباً || ألف حدّ أو مادحاً مصفوعا
قوله مضروباً فيه زحاف لم تجر عادة المحدثين باستعماله، وهو قليل في أشعار المحدثين، وإنما يجيء في آخر البيت أو في نصفه الأول إذا كان مقفّى، مثل قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال || وسؤالي فما تردّ سؤالي
فإن لم يكن البيت مقفّى كُرِه أن يستعمل مثل هذا".
إن (الزحاف) الذي يعنيه المعرّي هنا هو علة القطع في العروض والضرب، وهو مرفوض إذا لم يكن البيت مقفى أو مصرّعا. وقد أزالت ملاحظته الأخيرة هذه ما علق بالذهن من غموض تفسير المعرّي أول الأمر لها.
وفي الأبيات التي استشهدنا بها أيضا بيت آخر يبدو أن المعري لم يطّلع عليه، وهو قوله:
مضبرّ خلقها تضبيراً || ينشقّ عن وجهها السبيبُ
حيث قد جاء في نسخة أخرى، خاليا من القطع في عروضه، قال:
مُضبّر خَلقها كُمَيتٌ || ينشقّ عن وجهها السبيب
أما امرؤ القيس فقد ذكرنا بأعلاه أنه اضطرب مثل هذا الاضطراب في ثلاثة أبيات من قصيدته التي تبدو وكأنها جاءت معارضة لقصيدة عبيد، ومع ذلك فقد ظلت السيادة فيها للمخلّع دون مجزوء البسيط.

الخاتمة
منذ أن أتم عبيد ثم امرؤ القيس قصيدتيهما الفريدتين المتداخلتين، اختفى كل أثر بعدهما لأي قصيدة من مجزوء البسيط بضربه المقطوع. فأما المذال منه فاستمر قليلا في شكل مقطّعات متفرّقة ثم لم يلبث أن اختفى هو الآخر وذلك قبل أن يبزغ أول نور لفجر الإسلام. وأما الذي انبرى وحده للاستعمال فكان هو المخلّع، الذي، وإن برئ من التداخل فإنه لم يبرأ بعد نهائيا من أثره الذي وجدناه في بيت لابن الرومي، وزنه بتفاعيل مجزوء البسيط وليس المخلع. وأحسب أن عذره في ذلك أن الخليل لم يسمع بالمخلّع ولذا فلم يكن هذا النسق ضمن أي من دوائره الخمس، إلا بأن يفترض له الجزء، وقمنا من جانبنا بتحديد رقمه الخاص به في الجدول الدوري للأوزان ليكتسب بذلك شرعية اعتماده وزنا مقبولا من أوزان الشعر العربي.
وإذا ما كان من توصية يوصى بها في خاتمة هذا البحث، فلا أقل من أن يعرض كل وزن مستدرك على هذا الجدول ليعرف أولا ما إذا كان مدرجا به، وما إذا كان ثمة ما يتداخل معه من أوزان فيتجنبها الناظم مسبقا، وقبل أن يختلط بغيره كما اختلط مجزوء البسيط بمخلّعه.

المراجع:
- ديوان ابن الرومي، تحقيق د. حسين نصار، ط 3، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 2003 م.
- ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس، تحقيق د. محمد حسين، المطبعة النموذجية، القاهرة.
- ديوان عبيد بن الأبرص، شرح أشرف أحمد عدرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1994 م.
- شرح ديوان امرئ القيس، تأليف حسن السندوبي، ط 7، المكتبة الثقافية، بيروت، 1982 م.
- عبث الوليد في الكلام على شعر أبي عبادة البحتري، تحقيق: ناديا على الدولة، رسالة ماجستير نوقشت بجامعة القاهرة 1976م.
- فحول البلاغة، اختيارات من جمع وتأليف محمد توفيق البكري، مؤسسة هنداوي، 2017 م.
- في عروض الشعر العربي، د. محمد عبد المجيد الطويل ، ط 1، نادي أبها الأدبي، 1405 ه.
- في نظرية العروض العربي، سليمان أبو ستة، دار الإبداع، عمان، 1992 م.
- الوافي في العروض والقوافي للتبريزي، تحقيق: فخر الدين قباوة، ط 6، دار الفكر سوريا، 2007 م.
- Sir Charles Lyall, The Diwans of Abid Ibn Al-Abras,of Asad and ‘Amir Ibn At-tufail, of ‘Amir of Ibn Sa’sa’ah, Edited for the first time from the MS. In the British Museum.
Leyden: E. J. Brill, Imprimerie Orientale
London: Luzac & co. 46, Great Russel Street, 1913.
-

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال