بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

شباب النهضة في الذكرى الخامسة والأربعين: من استعادة الشرعية التاريخية إلى البحث عن أفق وطني جديد قراءة بقلم: حنان الحيدري

2026-06-08 245 قراءة مقالات رأي حنان الحيدري
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
1
شباب النهضة في الذكرى الخامسة والأربعين: من استعادة الشرعية التاريخية إلى البحث عن أفق وطني جديد

قراءة بقلم: حنان الحيدري
لا يمكن قراءة بيان المجلس الوطني لشباب حركة النهضة الصادر بمناسبة انعقاد دورته الخامسة تزامنا مع الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس الحركة باعتباره مجرد وثيقة تنظيمية أو خطابا احتفاليا يستعيد محطات الماضي، بل يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة موقع الحركة وشبابها داخل مشهد سياسي تونسي يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدا منذ الاستقلال

فالبيان الصادر في لحظة تتقاطع فيها الأزمة الاقتصادية مع الانسداد السياسي وتراجع الثقة في المؤسسات، حمل ثلاث رسائل مركزية: رسالة إلى الذاكرة، ورسالة إلى السلطة، ورسالة إلى المستقبل

الذاكرة باعتبارها مصدرا للشرعية

منذ تأسيسها مطلع الثمانينيات بنت حركة النهضة جزءا مهما من شرعيتها على سردية النضال ضد الاستبداد، وما رافق ذلك من اعتقالات ومنافي ومحاكمات وإعدامات طالت مناضليها ويعيد بيان الشباب استحضار هذه الذاكرة ليس فقط بوصفها جزءا من التاريخ التنظيمي للحركة بل باعتبارها رأسمالً رمزيا وأخلاقيا في مواجهة واقع سياسي جديد

فالحديث عن خمسة وأربعين عاما من الصمود لا يهدف إلى التأريخ فحسب وإنما إلى التأكيد على أن الحركة ما تزال ترى نفسها جزءا من معركة الحريات والديمقراطية في تونس وأن ما تعرضت له في مراحل مختلفة من تاريخها يمنحها وفق رؤيتها، مشروعية خاصة في الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية

غير أن اللافت أن البيان لم يكتف باستدعاء الماضي بل حاول توظيفه لفهم الحاضر من خلال الربط بين تجارب القمع السابقة وما تعتبره الحركة اليوم تراجعا عن مكتسبات الثورة

من نقد السلطة إلى نقد المرحلة

في جوهره يندرج البيان ضمن سلسلة المواقف الرافضة للمسار السياسي الذي تشكل بعد 25 جويلية 2021 لكنه لا يقدم اعتراضا إجرائيا على قرارات بعينها بقدر ما يطرح نقدا أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والسياسة

فالوثيقة تعبر عن تخوف من تراجع منطق التشاركية لصالح منطق التركيز الفردي للسلطة، ومن تقلص فضاءات العمل الحزبي والمدني ومن توسع دائرة الملاحقات القضائية للمعارضين ومن هذا المنطلق، يربط البيان بين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبين غياب التوافق الوطني والحوار السياسي

هنا يبرز تصور واضح لدى شباب النهضة مفاده أن التنمية والاستقرار لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن الحريات العامة وأن الديمقراطية ليست ترفا سياسيا بل شرطا من شروط معالجة الأزمات البنيوية التي تعيشها البلاد

جيل ما بعد الثورة وأسئلة المراجعة

أكثر ما يميز البيان هو أنه صادر عن مؤسسة شبابية داخل الحركة وهو ما يمنحه بعدا مختلفا عن البيانات السياسية التقليدية

فشباب النهضة اليوم ليسوا بالضرورة أبناء تجربة الثمانينيات والتسعينيات بل هم أبناء مرحلة الثورة وما بعدها ولذلك فإن خطابهم يجمع بين الوفاء للهوية التاريخية للحركة وبين البحث عن أدوات جديدة للعمل السياسي

ويبدو أن المجلس الوطني للشباب يحاول تقديم نفسه كفضاء للتجديد الفكري والتنظيمي داخل الحركة من خلال الدعوة إلى تطوير الخطاب السياسي والانفتاح على التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع التونسي

فالبيان لا يتحدث فقط عن الدفاع عن الديمقراطية، بل يدعو أيضا إلى تجديد الممارسة السياسية وتطوير الأفكار والمقاربات، وهي إشارة يمكن فهمها في سياق النقاشات الواسعة حول مستقبل الإسلام السياسي الديمقراطي ودور الأحزاب التقليدية وقدرتها على مخاطبة الأجيال الجديدة

منطق الشراكة لا منطق الغلبة

من بين الرسائل الضمنية التي يحملها البيان التأكيد على أن تونس لا يمكن أن تدار بمنطق الإقصاء أو الغلبة السياسية فالحركة التي كانت طرفا رئيسيا في التجربة الديمقراطية بعد الثورة تبدو عبر شبابها، متمسكة بفكرة الحوار الوطني باعتبارها الآلية الوحيدة القادرة على إدارة الاختلافات داخل المجتمع

وفي هذا السياق، يكتسب حديث البيان عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي دلالة تتجاوز التضامن الإنساني ليصبح جزءا من تصور أشمل يعتبر أن بناء الاستقرار الدائم يمر عبر احترام الحقوق والحريات وضمان التعددية السياسية

ما وراء البيان

في مستوى أعمق، يكشف بيان المجلس الوطني لشباب النهضة عن معركة تتجاوز الحركة نفسها إنها معركة تتعلق بالسؤال الذي ما يزال مطروحا في تونس منذ أكثر من عقد: كيف يمكن التوفيق بين مطلب الدولة القوية ومطلب الحرية؟ وكيف يمكن بناء استقرار سياسي دون التضحية بالتعددية؟

ومن هذه الزاوية، تبدو الذكرى الخامسة والأربعون لتأسيس الحركة مناسبة لإعادة طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الديمقراطية التونسية ودور الشباب في صياغة العقد السياسي القادم

فالرهان الحقيقي الذي يطرحه البيان ليس فقط الدفاع عن حركة النهضة أو عن مناضليها، بل الدفاع عن فكرة أوسع مفادها أن الأوطان لا تبنى بالإقصاء وأن الاختلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى خصومة وجودية، وأن مستقبل تونس سيظل رهين قدرتها على إنتاج فضاء مشترك يجمع بين الحرية والعدالة والتنمية والديمقراطية

التعليقات والردود

1
الأزهر دلاع
2026-06-08
الرهان اليوم ليس فقط استعادة الشرعية التاريخية أو التذكير بمسيرة امتدت خمسة وأربعين عاما، بل القدرة على تحويل التجربة بكل نجاحاتها وأخطائها إلى مشروع وطني متجدد يستوعب تطلعات الأجيال الجديدة. فالأوطان لا تبنى بالإقصاء ولا تستقر بالغلبة، وإنما بالحوار والشراكة واحترام الحقوق والحريات. وما يلفت الانتباه في خطاب شباب النهضة هو السعي إلى الجمع بين الوفاء للمبادئ والانفتاح على أسئلة المستقبل، لأن تونس اليوم في حاجة إلى أفق وطني جامع أكثر من حاجتها إلى مزيد من الاستقطاب والخصومات

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال