تدحرجت تونس في ستينيات القرن العشرين نحو مسلخ الحزب الواحد بقوة جارفة كقطار أعمى يظن أن السكة خُلقت لأجله وحده ومن لم يرتضِ السجود في معبد بورقيبة كان مصيره السحق.
في عمق هذا المسخ التاريخي لم يكن أحمد التليلي
(1916 - 1967) مجرد نقابي يطالب بفتات الخبز للعمال بل كان الخطيئة الأصلية التي أرادت السلطة البورقيبية دفنها حية
و كان الصوت العاري الذي صرخ بالخراب قبل أن يبتلع الخراب مفاصل الدولة.
ولد هذا الرجل في 10 أكتوبر 1916 بصر قفصة في ثرى ملعون بالفقر معجون بالصلابة أرض تنتج غبار المناجم والرجال الذين لا تنحني رقابهم بمرسوم رئاسي.
هذا الضيق واليتم لم يروضا وحشيته الفكرية بل دفعاه لنبوغ استثنائي قاده إلى المدرسة الصادقية بالعاصمة
وهناك حيث تُطبخ النخب على نار هادئة انخرط التليلي في الصدام المبكر.
لم يكن رجلا يتقن الوقوف في طابور المصفقين فقاد مظاهرات تلميذية حاشدة تنديدا باعتقال علي بلهوان فكان الثمن طردا حاسما في سنة البكالوريا.
ألقي به هذا الطرد في جمر المنافي المبكرة لينتقل إلى الجزائر بين عامي 1938 و1941حيث اشتغل كاتبا عموميا ومترجما وتشرّب أدبيات العنف الثوري في صفوف حزب الشعب الجزائري بقيادة مصالي الحاج.
وثمة سر عائلي صامت شكل وعيه الأيديولوجي الشرس فشقيقه علي التليلي المعروف في أقبية النضال باسم علي الروج كان كادرا متقدما في الحزب الشيوعي التونسي.
وفي ذلك الحوش العائلي الصاخب تعايش الفكر الدستوري مع الفكر الأحمر مما منح أحمد أنيابا فكرية مبكرة استوعبت حتمية التعددية وقبول الصدام في وقت كانت فيه النخبة الحاكمة في تونس تخصي الفضاء العام وتتجه بسرعة نحو صياغة عقيدة القائد الأوحد.
بعد عودته إلى تونس معلما في بلدة الطار اصطدم بالمدير الفرنسي فطرده الاستعمار لينتهي به المطاف في قطاع البريد مستغلا خطوطه الجغرافية والتنظيمية في نسج خيوط اتحاد النقابات المستقلة بالجنوب مع رفيق دربه فرحات حشاد وهو الحراك الذي أسفر عن ولادة الاتحاد العام التونسي للشغل عام 1946.
لم تصنع التليلي المكاتب المكيفة بل صنعته جبال عرباطة الوعرة ودخان الرصاص إذ ترأس المجلس الوطني للمقاومة وفي نهاية عام 1949 التقى بالحبيب بورقيبة سرّاً لتأسيس شبكة الفدائيين. وقاد بنفسه عملية السطح التاريخية في
13 فيفري 1952 برفقة فدائيي الحوض المنجمي والشيخ العربي العكرمي ليدك دوريات الجندرمة الفرنسية في
أم العرائس فكان العقاب سجونا ومحتشدات دامت حتى
عام 1954 في زعرور والسجن العسكري.
ولم يكن التليلي مناضلا محليا محاصرا بل كان مهندس الدبلوماسية النقابية السرية وضرباتها العابرة للقارات
فقد ارتقى إلى منصب نائب رئيس الجامعة العالمية للنقابات
الحرة السيزل ونجح مع حشاد في سحب الاتحاد عام 1951
من قبضة المنظومة الشرقية إلى السيزل الغربية ليخلق للحركة الوطنية مظلة دولية تحميها من عسف الاستعمار.
والأهم من ذلك ما بقي طويلا تحت بند السري للغاية في أرشيفات الدولة فقد تسلم ملف العلاقات مع الثورة الجزائرية بالتنسيق مع وزير الداخلية الطيب المهيري وأدار عمليات تهريب السلاح عبر الحدود بل وتسلل إلى قاعدة هويلس الأمريكية بطرابلس ليشري ذمم الجنود بالمال وأبرم صفقات سلاح معقدة في روما مع أحمد محساس بقيمة تجاوزت 50 مليون فرنك فرنسي جاعلا من تونس رئة حقيقية لجيش التحرير الجزائري رغما عن أنف الحسابات الضيقة.
حين اعتلى التليلي الأمانة العامة للاتحاد بين عامي 1956 و1963 كان يدرك بعقلية الذئب الجبلي وعمق المفكر أن النقابة التي تعيش على فتات المنح الحكومية هي نقابة مخصية لا محالة وأن السيادة لا تكتمل إلا باستقلال القرار العمالي عن خزينة الدولة.
ومن هنا بدأ بناء الإمبراطورية المالية للاتحاد لتكون درعا ضد التدجين والابتزاز البورقيبي.
شرع في جانفي 1958 بفرض نظام الاقتطاع الآلي بنسبة 1% من أجور العمال ليقطع حبل السرة الذي يربط المنظمة بمالية الدولة.
وفي 1 ماي 1959 أسس مطبعة جريدة الشعب لكسر احتكار السلطة للكلمة المكتوبة وتمدد في عام 1964 نحو السياحة بإنشاء نزل أميلكار ليردف ذلك كله في 12 ماي 1965 بتأسيس بنك الشعب الذراع المصرفية التضامنية التي أدارت مدخرات الكادحين بعيدا عن هيمنة الدولة النقدية وهو ما رأى فيه القصر الرئاسي إعلانا صريحا عن وجود دولة داخل الدولة لا بد من سحقها بقوة الحديد والنار.
هنا انفجر الصدام العنيف حول مقصلة التعاضد الإجباري التي قادها أحمد بن صالح بدعم مطلق من بورقيبة ابتداء من
عام 1961.
لم يكن التليلي يرفض الاشتراكية كعدالة بل كان يكره الوصاية البيروقراطية والفرض القسري الذي يدمر الملكية الصغرى وحرية الإنسان التونسي.
وتكشف شهادات تلك الحقبة عن مأساة مرعبة مسكوت عنها حيث سُحق صغار الفلاحين وحُولت أراضيهم إلى تعاضديات فاشلة يديرها موظفون جهلة وتلاشت فئة التجار الصغار وانتشرت المجاعة ليزحف الفقراء نحو العاصمة
فكانت الأجهزة الأمنية تحت إشراف الوالي عمر شاشية تعتقل النازحين في عتمة الليل وتلقي بهم كالمواشي في شاحنات عسكرية نحو محتشد الهوارب القسري قرب القيروان.
وبلغ الهوان الإداري حد التزييف القذر فكان المسؤولون يصبون المياه عبر الصهاريج في الآبار الناضبة لإيهام بورقيبة والعدسات بوجود طفرة مائية بفضل التعاضد بينما كان الفلاحون الحقيقيون يطردون ويستبدلون بمديرين يتقاضون أجورا فلكية دون إنتاج حقيقي في أكبر عملية نصب اقتصادي في تاريخ تونس الحديث.
رفض التليلي أن يكون شاهدا بالأجر على هذا الانهيار فدفع الثمن إقصاء شاملا من الاتحاد والحزب وبلدية قفصة عام 1963 ثم غادر تونس سراً في جوان 1965 نحو مناف أوروبية بعد أن حاصره الأمن.
ومن هناك من جنيف كتب مانيفستو التشريح الديمقراطي الأقسى والأعنف في تاريخ البلاد رسالته الشهيرة لبورقيبة
في 25 جانفي 1966.
لم يداهن ولم يركع بل بصق الحقائق في وجه الحاكم المستفرد متسائلا عن تحويل القضاء إلى مصلحة تابعة للداخلية وضرب المحاماة وسجن عميدهم ووصف برلمان الحزب الواحد بالمسرحية الصورية المقززة التي تهدر فيها الأموال واقترح بسخرية لاذعة تعيين النواب بمرسوم توفيرا للمصاريف. واستخدم جملته الشرسة التي خلعت شرعية النظام: لقد تقلصت الديمقراطية شيئا فشيئا كما تنكمش قطعة الجلد.
جن جنون بورقيبة وبدلا من الرد أمر بتوزيع الرسالة سرّا على أعضاء ديوانه السياسي ليقول لهم بتهكم مريض:
انظروا كيف يريد هذا الرجل أن يظهر بمظهر الأكثر ديمقراطية مني.
وظلت هذه الرسالة محجوبة برقابة حديدية طيلة 12 عاما ولم يرها الشعب التونسي إلا في عام 1978 حين تجرأت جريدة الرأي المعارضة على نشرها مسبوقة بدراسة كتبها الأستاذ الحبيب بولعراس.
خلف الكواليس بدأت فصول اللعبة الأخيرة إذ تذكر مذكرات منصور الشفي أن الحبيب عاشور زار التليلي في أواخر جانفي 1967 ووجده ناصباً صدره للمرض والعوز الشديد. وتحركت خيوط القصر سريعا لئلا يتحول الرجل إلى قنبلة معارضة موقوتة في الخارج.
وفي 31 جانفي 1967 التقى التليلي بالباجي قائد السبسي وزير الداخلية في مقر البعثة بجنيف ودام النقاش 9 ساعات كاملة لوضع مسودة تصالح تحفظ ماء وجه الرئيس ورفض التليلي بعزة نفس عمالية كبرى أموالا عرضها السبسي لشراء صمته تحت غطاء العلاج.
وفي اليوم التالي دخلت نائلة بن عمار شقيقة وسيلة بورقيبة على خط التفاوض لتأمين غطاء عائلي يحمي التليلي من بطش جماعة بن صالح فور عودته.
ثم تلا ذلك لقاء مع محافظ البنك المركزي الهادي نويرة في 28 فيفري 1967 حيث تلاقت رؤاهما حول حتمية السقوط المدوي لتجربة التعاضد.
وفي 25 مارس 1967حطت الطائرة بمطار العوينة ليعود التليلي إلى وطنه مهدودا بالمرض ولكن محاطا بقلوب آلاف النقابيين والعمال الذين غص بهم منزله.
وفي أفريل صاغ محمد المصمودي رسالة تصالح منقحة سلمها التليلي للسبسي ليوصلها إلى بورقيبة مما أثار حنق أحمد بن صالح الذي صرخ في الصحافة هائجا كالثور الجريح: إن ثعابين تحوم حول القصر وسأتصدى لها.
تتلاحق الفصول تراجيديا وبعنف فالرجل الذي نهشه المرض كان يقضي ليالي أفريل 1967 الأرق في مقهى نزل الكلاريدج مع الشفي وعاشور غارقا في الكتب كمن يودع الدنيا.
وفي 13 ماي 1967 طار إلى فرنسا ليدخل مستشفى سانت أنطوان بباريس وأجريت له جراحة عاجلة في 31 ماي.
وفي تلك الأيام أصدر بورقيبة قرارا متأخرا بالعفو عنه وإلغاء رفته من الحزب في مناورة سياسية مكشوفة لترطيب الأجواء لكن الطعنة القاتلة لم تكن بيولوجية بل كانت قومية سحقت ما تبقى من روحه.
فبينما هو على سرير الشفاء انفتحت أبواب الجحيم في
5 جوان 1967 ونزلت نكسة حزيران كالصاعقةفتبخرت
معنوياته بالكامل ويبكي رفيقه الحبيب عاشور بحرقة في شوارع تونس من قهر الهزيمة ويهرع لبريد شارع شارل ديغول ليرسل برقية تضامن لبورقيبة مع جمال عبد الناصر.
وفي يوم الأحد 25 جوان 1967 أسلم أحمد التليلي الروح
في مستشفى سانت أنطوان عن عمر ناهز 50 عاما.
وحين عاد الجثمان إلى العاصمة عاشت تونس ليلة عصيبة ومرعبة إذ زحف أهالي فصة وعمال المناجم يحملون الفؤوس والقلوب الحزينة وعلى رأسهم شقيقه مطالبين بقوة السلاح بنقل الجثمان ليدفن في أرض الجنوب.
لكن القصر الرئاسي ارتعد خوفا من أن تتحول الجنازة إلى عاصفة حمراء تقتلع تجربة التعاضد والبرجوازية الناشئة فجاء الدكتور الصادق المقدم في ليل بهيم مبلّغا العائلة بالأمر الرئاسي الصارم الذي لا راد له:
يدفن التليلي في مربع المناضلين بمقبرة الجلاز بالعاصمة بجانب الطيب المهيري ويكلف الباهي الأدغم بالتأبين الرسمي لامتصاص الغضب.
غير أن اللغز الأشد بشاعة ظل يهمس به في الكواليس
فقد أكد نجله المؤرخ الدكتور رضا التليلي في شهادات تاريخية موثقة أن والده أسرّ لعائلته قبيل وفاته بأنه مستهدف بالتصفية الجسدية من قبل أجنحة في السلطة وأشار صراحة إلى شكوكه العميقة في تعرضه لعملية دس السم له خلال فترة صراعه المرير مع النظام.
إن التدهور الصاعق والمرب لصحته فور عودته من المنفى وفي ذروة كسر العظام مع تيار أحمد بن صالح يترك علامة استفهام ضخمة ومخضبة بالدماء لم يمحها الزمن.
مات التليلي لكن النبوءة الشرسة لم تمت فبعد وفاته بسنتين فقط انهار صنم التعاضد بالكامل وأقيل بن صالح وسجن عام 1969 وتفككت المنظومة البيروقراطية الفاسدة لتنقذ تونس من مجاعة محققة تماما كما خطت يد الرجل في رسالته الممنوعة.
دفع التليلي حياته ثمناً لقول لا في وجه صنم الاستبداد وبقيت سيادته المالية وأطروحاته التعددية هي البذرة الحية والوحيدة التي أثمرت لاحقا مجتمعا مدنيا تونسيا عصيا على التدجين والكسر والخصاء السياسي.
أحمد التليلي : صوت العمال ..ضمير الوطن
2026-06-07
216 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال