بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جربوع باع تونس: من سرير الباي إلى صفقة الإستعمار

2026-06-06 275 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جربوع باع تونس: من سرير الباي إلى صفقة الإستعمار
كان الغسق الرمادي يثقل فوق سقوف باردو الحزينة غسق يشبه لون الحبر الفاسد الذي جفت به معاهدات البيع والشراء في ذلك النهار المشؤوم من ربيع 1881.
لم يكن الأمر مجرد سحابة صيف عابرة أو مناوشة حدودية كما روجت لها صحف باريس بل كان انخلاعا كاملا للتاريخ
و سقوطا مدويا لجسد مثخن طعنه أبناؤه في عتمة الغرف المؤثثة بالحرير والدموع.

فاجعة الثاني عشر من مايو 1881 يوم أن وقع محمد الصادق باي على صك العبودية المسمى بمعاهدة باردو لم تكن سوى الفصل الأخير من مسرحية رعب طويلة بدأت فصولها قبل ذلك بعقود وتحديدا منذ أن انفتحت شهية السرايا على القروض والملذات وشرعت الإيالة في بيع جلدها قطعة قطعة للبنوك الأجنبية والمغامرين الآفاقيين.

قبل أن يدب دبيب الموت في مفاصل الدولة كانت تونس في عهد الباي مصطفى الذي انتهى حكمه عام 1837 تعيش على كفافها العزيز لا تمد يدها لغرباء ولا يثقل كاهل فلاحيها دين أجنبي.
كانت الأرض تلد قمحها والناس تأكل خبز الصبر والستر لكن ما إن أطل عهد محمد الصادق باي عام 1859 حتى تفتقت عبقريات القصر عن مشاريع البذخ الأجوف وقصور الطين والرخام المستورد التي لا تنتهي لتبدأ رحلة السقوط في مستنقع الديون.
أصبحت التساكر وهي تلك السندات الحكومية التالفة تباع في الأسواق بأبخس الأثمان وتلتقطها أيدي القناصل والمرابين الليفورنيين والفرنسيين والجنويين ليتحول الفساد من سلوك فردي إلى بنية مؤسساتية تبتلع الأخضر واليابس.

في هذا المناخ الذي تفوح منه رائحة العفن السياسي لم يعد المستنقع يكتفي بصغار اللصوص بل أفرز حيتانا كبارا برعوا في قضم اللحم الحي للإيالة قبل أن يقفزوا من السفينة الغارقة.
كان محمود بن عياد قد شق الطريق بفراره الأسطوري حاملا ثروة البلاد وتلاه نسيم شمامة قائد الطائفة اليهودية وقابض مالية الدولة الذي حزم حقائب الخزينة وطار بها إلى ليفورنو عام 1873 تاركاً وراءه بلداً ينزف وديوناً تتنازعها القوى الكبرى، لتصبح جنسيته وترثته موضوعا للمساومات الدبلوماسية التي تذل هيبة الدولة.

وسط هذه الخرابة العظيمة كان هناك صبي يتسكع في أزقة الحاضرة يرقب بعينين جائعتين ومتقدتين بالغل والشهوة صعود هؤلاء الأكابر ويتعلم في مدرسة الشارع كيف يبيع ويشتري في سوق الذمم، صبي سيصبح قريبا الحاكم الفعلي لإيالة تونس والمهندس الحقيقي لخرابها النهائي.

إنه مصطفى بن إسماعيل الفتى الذي ولد حوالي عام 1850
في أزقة بنزرت الباردة لأب لم يترك له اسما ولا نسبا وأم يهودية تدعى منانة اختارت أن تلقي بنفسها في أحضان الحاضرة بعد أن أشهرت إسلامها وتزوجت من رجل يدعى إسماعيل منح الصبي لقبا يحتمي به من عار المجهول.

لكن الموت لم يمهل هذا المأوى الصغير فمات الزوجان والصبي لم يتجاوز الثامنة ليجد نفسه قاذورة من قاذورات الشوارع يقتات على أعقاب السجائر الفاخرة التي يرميها المالطيون والإيطاليون على أرصفة المقاهي ويشتغل صبيا في حانة يعاقر فيها بحارة المتوسط الخمر والخطايا.
من ذلك القاع و من الروائح الكريهة للخمارات وحياة الفوضى والتشرد صقل مصطفى وعيا براغماتيا حادا كالشفرة وعيا لا يؤمن بقيم ولا بوطن بل بالفرصة التي يجب اقتناصها مهما كان الثمن الأخلاقي.
حين انتقل للعمل صانعا متواضعا في دكان حلاق بسوق البلاط لم يكن يدري أن ملامحه الصبوحة ووسامته الأنثوية ستكون هي رأسماله الأكبر.
هناك رصده أحد ضباط المماليك من أولئك الذين يحرسون أسرار الحاشية فرأى في طراوة عوده وغنج نظراته البضاعة المزجاة التي يبحث عنها محمد الصادق باي الحاكم الذي أضنته السنون ومالت به غرائزه نحو تفضيل الغلمان ومجالسة الحسان من الذكور.
غُسل الصبي من درن الشارع وأُلبس الحرير ودُفع به إلى ردهات قصر باردو لتبدأ واحدة من أغرب قصص الصعود الحميمي في التاريخ الحديث حيث تتقرر مصائر الشعوب فوق الأسرّة الوثيرة والوسائد المعطرة.
في القصر لم يعد مصطفى ذلك الجربوع الحافي بل غدا الغلام المدلل الذي خصصت له حجرة لا تبعد إلا خطوات عن مخدع الباي الخاص، حجرة تتدلى منها ستائر الديباج ويخدمه فيها عبد زنجي وتأتيه أطباق الطعام على سفن النحاس الأصفر والذهب.
كان الصادق باي قد وقع في شباكه وقوع المريض بمرضه تعلق به تعلقا مرضيا أفقده كل بصيرة وسيادة حتى غدا مصطفى هو العين التي يرى بها والأذن التي يسمع بها.
غير أن هذا الصعود السريع جلب عليه غيرة العسكر والقدامى.
وفي ليلة من ليالي السمر بعد أن انفض السامر وخرج الصبي مخمورا بانتصاره الجسدي استقبله أمير لواء العسة علالة بن فرجية وهزه بقوة مستخدما غمد سيفه الحديدي الذي ترك أثرا في ضلوعه صرخ في وجهه بنبرة جافة كالحجر قائلًا يا مسخ يا جربوع الشوارع إياك أن تصدق أنك أصبحت سيدا في هذا القصر لأن الباي قد وهبك ليلة في فراشه
أنت هنا جاسوس لي تنقل لي دبيب الأنفاس في مخدع ولي النعم وإلا فمكانك الكوري بين البغال والخيول ترعى روثها.

تلك الصدمة النفسية العنيفة لم تكسر مصطفى بل أيقظت فيه وحشا كاسرا أدرك أن البقاء في هذا البلاط يتطلب الهيمنة المطلقة أو الفناء.
غيّر جربوع الشوارع جلده وتحول من غلام مستسلم إلى متآمر محترف فاستغل ضعف الباي ليزيح علالة بن فرجية وغيره من رتب العسكر وبدأ يرتقي في الرتب العسكرية والمدنية بسرعة البرق دون أن يفك خطاً أو يقود فصيلاً.
ولم يكتفِ بنفوذ الجسد بل كان يدخل إلى مخدع الباي عرّافة يهودية عجوزاً تقيم طقوس السحر والشعوذة وتقرأ الطالع لتربط قلب الحاكم بقرارات غلامه حتى أصبح الباي كالمسحور لا يرد له أمرا ولا يقطع دونه رأيا.
لكن إدارة دولة تتهاوى لا يمكن أن تتم بالفراش وحده فأسس مصطفى ما عرف في باردو بالثالث الآسن، شبكة من الأفاقين الذين أداروا البلاد بالوكالة لحساب مصالحهم الضيقة وقناصل الدول الكبرى.
كان الضلع الأول في هذه الشبكة هو علالة بن الزاي الباندي والصعلوك الذي جاء من قاع المدينة ليكون الذراع الأمنية القذرة يرهب الناس ويبيع مناصب القياد والولايات لمن يدفع أكثر وكان حلقة الوصل السرية مع القنصل الفرنسي ثيودور روسطان.
أما الضلع الثاني فكان إلياس مصلي الشامي الكاثوليكي الذي تلوى في ردهات الدبلوماسية واختلس أموال الأوقاف والجمعيات فأعاده مصطفى إلى منصبه ليكون المترجم والمهندس لمعاهدات التنازل والبيع.
ولم تكتمل اللعبة إلا بالضلع الثالث لوجيا مصلي تلك المرأة الجينوية الساحرة زوجة إلياس وعشيقة القنصل الفرنسي روسطان في آن واحد والتي كانت جسدا يتنقل بين غرف الوزير وقصر القنصلية تنقل الأسرار وتصيغ السياسات عبر علاقة غرامية فاضحة أثارت هزات سياسية حتى في باريس نفسها خلال محاكمة روسطان ورشيفور عام 1881 حين فضح الصحفي هنري روشيفور كيف تسيل دماء الجنود الفرنسيين في أفريقية من أجل تسهيل صفقات البورصة لعشيق رستم هانم وشبكتها العفنة في تونس.

حين حاول الوزير الأكبر المصلح خير الدين باشا التونسي أن يقيم أود الإيالة في منتصف السبعينيات مطبقا سياسة تقشف صارمة حدت من مصاريف الباي وحاشيته ومنظما للجباية والتعليم العصري في المدرسة الصادقية
رأى مصطفى بن إسماعيل وثالوثه الآسن في هذا القانون سيفاً مسلطا على رقابهم يمنعهم من نهب ما تبقى في الحصالة.
شن مصطفى حرب دسائس شعواء ضد خير الدين
ألّب عليه شيوخ الزيتونة المحافظين بدعوى أن إصلاحاته بدعة غربية تخالف الدين ونسج في أذن الباي الخائف فرية كبرى مفادها أن خير الدين يتآمر مع الباب العالي في إسطنبول لعزله وتنصيب نفسه واليا عثمانيا.
وتحت وابل الدسائس والضغط النفسي استسلم خير الدين وقدم استقالته في يوليو 1877 وغادر البلاد وعيناه تدمعان على وطن يسرع نحو المقصلة.
بإزاحة خير الدين خلت الساحة تماماً لأبي النخبة فتولى مصطفى الوزارة الكبرى ورئاسة الكومسيون المالي في أغسطس 1878 ليتحول الفساد إلى مهرجان يومي من النهب والسلب.
لم يترك بن إسماعيل مالا للأرامل أو الأيتام إلا واختلسه وسطا على أوقاف المدرسة الصادقية في هنشير عفور وهنشير رمبالية ليضمها إلى أملاكه.

وحين عزل الوزير الأسبق مصطفى خزندار اقتحم بن إسماعيل قصره ليدق الحلق والتحف والمجوهرات وينقلها إلى بيته بل إنه لم يتورع عن نهب قصر باردو نفسه عندما كان الباي يحتضر وينتقل إلى قصر سعيد حيث شوهدت عربات الوزير تنقل الأثاث والتحف في وضح النهار وسط ذهول الحرس والأهالي.

في عالم الجيوسياسية كان مصطفى يلعب لعبة أخطر من قدراته الجربوعية فصار مثل البندول يتأرجح بين القوى المتنافسة دون وعي بعواقب الأمور.
في البداية ارتمى في أحضان فرنسا مدفوعا بنفوذ لوجيا وروسطان فمنحهم امتياز خط حديد جندوبة الذي سهل دخول الجيوش لاحقا وحصل مقابل ذلك على حماية فرنسية سرية في السابع عشر من يونيو 1879 جعلت منه مواطناً فرنسياً يحمل الحصانة وهو على رأس حكومة تونس.
لكن بريق الذهب الإيطالي أغواه في أواخر عام 1880 فباع خط السكك الحديدية تونس حلق الوادي المرسى لشركة إيطالية وأثار قضية الانفيدة الكبرى بنزاعاتها العقارية المعقدة ضد الشركات الفرنسية متوهماً أنه يستطيع التلاعب بباريس وروما معا.

هذا الغباء السياسي والتقلب الانتهازي أصاب حكومة جول فيري في باريس بالذعر من احتمال ضياع القفص التونسي لصالح إيطاليا فقررت فرنسا حسم الموقف بالحديد والنار. فبركت قضية قبائل خمير على الحدود الجزائرية كذريعة واهية وحركت جيشا جرارا قوامة خمسة وثلاثون ألف جندي
عبر الحدود في الرابع والعشرين من أبريل 1881.

وعندما ضربت المدافع الفرنسية حصارها حول قصر سعيد خارت قوى الوزير الهمام وعاد ليركع تحت أقدام روسطان لعقد صفقة الخيانة الأخيرة:
إقناع الباي بالتوقيع مقابل خمسة ملايين فرنك فرنسي نقدًا ووعد بتثبيته على العرش وولاية العهد.
دخل مصطفى على محمد الصادق باي المريض وكان الحاكم يرتجف رافضا التوقيع على ورقة العار فمارس عليه غلامه كل أنواع الترهيب النفسي، صرخ في وجهه قائلًا وقع يا مولانا وإلا فإن عسكر فرنسا سيدكون القصر فوق رؤوسنا وسيباد آل ثمان وتنهب الحاضرة لم يبق لنا إلا الطاعة أو الذبح.

وفي لحظة انكسار تاريخية خط الباي قلمه فوق معاهدة قصر سعيد في الثاني عشر من مايو 1881ليسلم مفاتيح البلاد للمستعمر ويسدل الستار على سيادة دامت قروناً.

لكن الخيانة لا تثمر إلا العلقم فبعد وفاة الصادق باي في أكتوبر 1882 دون عقب وتولي علي باي الثالث ركل الجميع مصطفى بن إسماعيل ككرة بالية.
طالب الشعب وعلي باي بعزله وتخلت عنه فرنسا بعد أن أدت الخدمة وحلت بول كامبون محيرا عاما جديداً ينظف الساحة من بقايا الفضائح القديمة.

هرب مصطفى إلى باريس حاملا معه أكياسا من الجواهر والذهب المنهوب لكن باريس التي استقبلته كخائن ابتلعته في صالات قمارها وخمورها وسهراتها الماجنة حيث أحاط به النصابون والنساء حتى قشروا ثروته بالكامل وتركوها على بلاط الموائد الخضراء.
رحل بعد ذلك إلى إسطنبول حوالي عام 1883 وهناك يلف الغموض فترته الأخيرة وتتصارع الروايات حول نهايته فبينما تصر الرواية الفرنسية والتقليدية لجون غانياج على أنه مات عام 1887 في حالة من الخصاصة المطلقة والفقر المدقع يتسكع جائعا في شوارع الآستانة منبوذا تبصق في وجهه الجالية التونسية حتى دفن في مقابر الغرباء وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين.
مصطفى بن إسماعيل لم يترك وراءه سوى اسم يقرن باللعنة وتشريح تاريخي مرير يثبت أن عروش الطغيان التي تبنى على شهوات الغرف المظلمة وتصفية المصلحين لا بد أن تنتهي ببيع الأوطان في سوق النخاسة الدولي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال