بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الاستيطان في تونس: قراءة موجزة في جذور المصطلح وتحولات الخطاب

2026-06-05 196 قراءة مقالات رأي باسم جوادي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الاستيطان في تونس: قراءة موجزة في جذور المصطلح وتحولات الخطاب
المقدمة

تتداخل الألفاظ، في الخطاب العام التونسي، أحياناً بأكثر من دلالة، خاصة عندما تتعلق بقضايا الهوية والأمن القومي. ومن بين المصطلحات التي برزت بقوة خلال السنوات الأخيرة، كلمة "الاستيطان"، التي لم تعد حكراً على السياق الاستعماري الكلاسيكي، وانتقلت لوصف واقع جديد يتعلق بوجود مهاجرين أفارقة من جنوب الصحراء في تونس.
هذا الاستخدام اللافت دفعني للتساؤل عمّا إذا كان هذا "الاستيطان" مجرد ترجمة للمصطلح الغربي، أم أنه حمولة تاريخية وسياسية معينة؟ وكيف انتقل هذا المصطلح من دائرة الأكاديميا والتاريخ إلى قلب الخطاب الإعلامي والسياسي اليومي؟
خصوصا مع صدور تصريحات من رئيس الجمهورية تحدث فيها عن مخاطر "استيطانية" تهدد الهوية العربية والإسلامية لتونس، معتبراً أن هناك مخططات لإغراق البلاد بمهاجرين غير نظاميين. وهذه التصريحات قد فتحت باباً واسعاً لنقاش مجتمعي حول هذه المسألة.
لذلك، فإنّ هذا المقال يهدف إلى القيام بشيء بسيط لكنه ضروري، وهو: تفكيك المصطلح، بحيث نتتبّع جذوره اللغوية في التراث الغربي، ثم ننظر كيف تعاملت النصوص التأسيسية في الإسلام مع قضايا العرق واللون والانتماء، ثم نعود إلى الحالة التونسية لنفهم: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الكلمة بالذات؟

(1) الجذور اللغوية والتاريخية لمصطلح "الاستيطان" وارتباطه بالقوة:
لفهم الدلالة التي حملها مصطلح "الاستيطان" (Settlement) حين انتقل إلى السياق التونسي المعاصر، لا بد من العودة إلى نشأته في اللغات الغربية، حيث تشكلت معانيه الأولى وارتبطت – منذ البداية – بعلاقات القوة والسيطرة:

أ. الأصل اللاتيني: من الزراعة إلى التملك
تعود الجذور القديمة للمصطلح إلى الفعل اللاتيني (colere)، والذي كان يعني "الزراعة" و"حراثة الأرض" و"الإقامة بقصد تعميرها"، وهذا المعنى الزراعي - في الثقافة الرومانية - كان يعني أصالةً حراثة الأرض، إلا أنه لم يكن بريئا؛ فقد كانت تعني أيضا: تملّك تلك الأرض وتحويلها من حالة البرية إلى حالة الملكية الخاصة. ومن هذا الفعل اشتقت كلمة (Colonia)، التي كانت تشير في البداية إلى "الضيعة الزراعية" أو "المزرعة"، ولكنها تحولت، مع توسع الإمبراطورية الرومانية، إلى مؤسسة سياسية بالكامل؛ تتضمن مستوطنات يُرسَل إليها المواطنون الرومان (غالباً من قدامى المحاربين) للاستقرار في الأراضي المحتلة حديثاً.
وكان الغرض من هذه المستوطنات مزدوجاً؛ فمن ناحية، تخفيف الضغط السكاني في روما نفسها، ومن ناحية أخرى، ترسيخ السيطرة العسكرية والثقافية على المقاطعات الجديدة. وقد كان المستوطن الروماني (colonus) غالبا إما جندياً سابقاً أو مواطناً مُكلفاً بمهمة استعمارية صريحة: جعل الأرض "رومانية" بالقوة والعمران معا.

ب. الأصل الجرماني: الجلوس بمعنى التثبيت
وفي الوقت نفسه، كان الجذر الجرماني القديم يطور مساراً موازياً. حيث حمل الفعل (settle)، المشتق من الجذر الهندي-الأوروبي ( *sed- الذي يعني "الجلوس")، مضافا إلى مطلق الجلوسِ معاني "التثبيت" و"الترتيب" و"الفرض". فعندما يقول الإنجليزي القديم: (setlan)، فهو يعني بالتحديدِ: "وضع الشيء في مكانه وجعله مستقراً". وهذا المعنى يحمل نزعة تحكمية: فإنّ مَن "يُثبّت" شيئاً ما، فإنما يخضعه لإرادته.
وقد تطور هذا الفعل في اللغة الإنجليزية الوسيطة إلى عبارة (settlen) ليعني "النزول إلى مكان والإقامة فيه"، لكن مع إيحاء دائم بالاستيطان النظامي المنظم، دون الحلول العابر. في تبشير دائم بالمفهوم الاستعماري الذي سيظهر بقوة في العصر الحديث.

ج. التحول الحاسم: الاستيطان كمرادف للمستعمرة (القرن السابع عشر)
التحول الجذري حدث عندما بدأت الإمبراطوريات الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، هولندا) في توسيع نفوذها عبر المحيطات. وفي هذا السياق، تم استخدام مصطلح (settlement) في الوثائق الإنجليزية لأول مرة بمعنى "المستعمرة" (colony) في تسعينيات القرن السابع عشر، وهو التعريف الذي سجله قاموس أوكسفورد، وعبّر عن هذا الاستخدام المبكر بقوله:"مجتمع من رعايا الدولة يستقرون في بلد جديد"[1]. وهو ما يؤكد أن"الاستيطان قد أصبح أداة من أدوات الدولة القوية لتوسيع سيطرتها على أراضٍ جديدة، ونقل مواطنيها إليها، وإحلالهم مكان السكان الأصليين أو إخضاعهم. وفي أمريكا الشمالية، على سبيل المثال، كانت المستوطنات الإنجليزية الأولى (جيمستاون 1607، بليموث 1620) تُسمى settlements، وكان المستوطنون (settlers) يتلقون دعماً من التاج البريطاني أو من شركات استعمارية خاصة، وكان الهدف المعلن هو "تطوير" الأرض التي كان يسكنها قبائل السكان الأصليين[2]. ومع مطلع القرن الثامن عشر، أصبح مصطلح settler مرادفاً للمهاجر الأوروبي الذي ينتقل إلى مستعمرة بهدف الاستقرار الدائم والتملك والزراعة، وغالباً على حساب السكان المحليين.

د. الاستعمار الاستيطاني: عندما يصبح الاستيطان إبادة
وفي القرن العشرين، صاغ الباحثون مفهوم الاستعمار الاستيطاني (Settler Colonialism) لوصف شكل خاص من الاستعمار يختلف عن الاستعمار الاستغلالي التقليدي (الذي كان يكتفي بنقل الثروات دون استبدال السكان)، حيث أن الاستعمار الاستيطاني، كان يهدف أساسا إلى إحلال المستوطنين محل السكان الأصليين، وبناء مجتمع جديد على أنقاض المجتمع القديم. وأشهر الأمثلة على ذلك: المستوطنون البريطانيون في أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، والمستوطنون الفرنسيون في الجزائر، والمستوطنون الألمان في ناميبيا، والمستوطنون الإسرائيليون في فلسطين. ويشرح الباحث باتريك وولف هذا النموذج معتبرا أن المستوطن لا يأتي "ليعمل الأرض" فقط، وإنما "ليصبح الأرض" ويطمس كل أثر للسكان السابقين[3]. وهذا هو الأكثر قسوة، وهو الذي يجعل من مصطلح "الاستيطان" شحنة سياسية وأخلاقية ثقيلة للغاية.

هـ. الفارق الجوهري بين الاستيطان واللجوء:
عند مقارنة "الاستيطان" بما يُسمَّى "اللجوء" أو "النزوح"، يظهر فرق بنيوي لا يمكن تجاوزه:
- الاستيطان (بمعناه السياسي والتاريخي): هو عملية منظمة تقوم بها مجموعة (أو دولة) قوية، تنتقل عمداً إلى أرض مأهولة بآخرين، بقصد الاستقرار الدائم والإحلال مكان السكان الأصليين أو فرض سيطرتها عليهم. وعادة ما تكون دوافعه سياسية واستعمارية وتوسعية، وليس الهروب من خطر محدق. فالمستوطن حامل لمشروع قومي، وغالباً ما يدعمه جيش أو شركة استعمارية.
- اللجوء / النزوح : هو انتقال مجموعة ضعيفة (أفراد، عائلات، قبائل) هرباً من الحرب أو المجاعة أو الاضطهاد. وغالبا ما تكون دوافعه قسرية وجودية، ويهدف للوصول إلى أرض آمنة، وليس الاستيلاء على أرض الآخرين أو طردهم.
وبناءً على هذا الفارق، يمكن القول إن وصف مهاجرين أو لاجئين أفارقة في تونس بأنهم "مستوطنون" هو تحريف للمعنى التاريخي والسياسي للمصطلح. فمن الواضح أن هؤلاء الناس لم يصلوا على متن أساطيل حربية، ولم يدعمهم تاج استعماري، ولم يأتوا بقصد إحلال أنفسهم مكان التونسيين. فقد عبروا الصحاري وركبوا القوارب المتهالكة هرباً من الفقر والحرب والقمع في بلدانهم الأصلية، مثل السودان والصومال وساحل العاج.

(2) النموذج الإسلامي المؤسس – بطلان التمييز العرقي:
بعد أن تبيَّن أن مصطلح "الاستيطان" في لغاته الغربية الأصلية كان مرتبطاً بالقوة والإمبريالية والاستعمار، يجدر بنا أن ننظر إلى النموذج المقابل الذي تأسست عليه الأخلاق السياسية والاجتماعية في الإسلام، خصوصاً في ما يتعلق بالتمييز على أساس اللون أو العرق أو الأصل.
أ. النص التأسيسي: خطبة الوداع
ففي حجة الوداع (632 ميلادية)، وقف النبي أمام أكثر من مائة ألف مسلم وخطب خطبته الشهيرة التي تعتبر بمثابة دستور أخلاقي للأمة، ومن بين ما قاله: "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى"[4]. وهذه العبارة بمثابة إعلان صريح بإبطال كل امتيازات الجاهلية القائمة على النسب والقبيلة واللون. ففي مجتمع كان فيه العبد الأسود يُباع ويُورَث، وفي ثقافة كانت تتفاخر بالأنساب، جاء النص التأسيسي ليقول إن المعيار الوحيد للتفاضل هو السلوك والأخلاق والتقوى، وليس شيئاً من صفات الجسد أو الأصل. وهذا الموقف النظري الواضح سينعكس لاحقاً في ممارسات وسير جسدت المساواة عملياً، مثل:

ب. بلال بن رباح: العبد الحبشي الذي رفع الأذان في الكعبة
وهو واحد من أبرز الأمثلة على هذا النموذج، فقد كان بلال حبشياً (من الحبشة)، أسود اللون، وكان عبداً لرجل من بني جمح. عُذِّب في مكة لأنه أسلم، واشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه. اختاره النبي محمد بنفسه ليكون أول مؤذن للمسلمين؛ أي صاحب الصوت الذي يعلن التوحيد والوقت للصلاة خمس مرات كل يوم [5].
وعند فتح مكة (630 م)، صعد بلال إلى أعلى الكعبة – وهي أقدس بقعة في الجزيرة العربية – وأذن للصلاة، وهو حبشي أسود كان بالأمس القريب عبداً يُعذب في الرمال. وهذا المشهد كان له دلالة هائلة، وهي أنّ الإسلام لم يكتفِ بنفي التمييز العرقي نظرياً من خلال الخُطب، ولكنه أقامه أيضا عملياً في أقدس مكان، وعلى لسان أسود البشرة.

ج. جون بن حوي: النوبي المسيحي الذي استشهد مع الحسين
وإذا كان بلال رمزاً للمساواة في زمن النبي، فإن جون بن حوي يقدم نموذجاً مماثلاً بعد نصف قرن، فقد كان جون نوبياً (من النوبة في جنوب مصر وشمال السودان)، أسود اللون، مسيحياً في الأصل. كان قد اشتراه الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري وأعتقه، ثم انتقل إلى خدمة الإمام الحسين بن علي.
ولما خرج الحسين إلى كربلاء (680 م)، كان جون معه. وعشية المعركة، عرض الإمام الحسين على أصحابه أن ينصرفوا ليلاً لأنه لا يريد إرغام أحد على القتال. فكان جون أول من رفض، وقال مقولته الخالدة: "يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة أخذلكم؟! ريحي نتَن، وحسبي لئيم، ولوني أسود، فتنفّس عليَّ فأدخلالجنة.. لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم"[6].
وفي يوم عاشوراء، قاتل جون بشجاعة حتى قُتل. وكان الحسين يقف على جثته ويقول:"اللهم بيّض وجهه، وطيّب ريحه". وجاء في الأخبار أن جسده فاح منه رائحة المسك بعد وفاته.
فكان جون بن حوي نموذجا للوفاء ونوبيا أسودا مسيحيا يقاتل حتى الموت دفاعاً عن حفيد النبي العربي، ليصبح أيقونة في التراث الإسلامي السني والشيعي على حد سواء.

د. الجاحظ ورسالة "مفاخرة السودان على البيضان":
وبعد حوالي قرنين من الزمان، وتحديداً في العصر العباسي (القرن التاسع الميلادي)، ظهرت حركة أدبية سياسية عُرفت بـ "الشعوبية"، كان بعض أتباعها من الفرس يعتدون على العرب وينسبون لأنفسهم فضلاً على حساب القبائل العربية، وفي بعض تجلياتها تحولت الحركة إلى نزعة عنصرية ضد العرب (وليس بالضرورة ضد السود).
لكن في خضم هذا الجدل، وقف الأديب الكبير الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر) ليكتب رسالة فريدة بعنوان "فخر السودان على البيضان" أو "مفاخرة السودان على البيضان". وفي هذه الرسالة، التي تعتبر سبقاً في الأدب العالمي في تناول قضية المساواة العرقية، أخذ الجاحظ يعدد مناقب السود (أهل السودان) على البيض، واستشهد بنماذج مثل لقمان الحكيم (الذي قيل إنه حبشي)، وبلال بن رباح، وغيرهما من الشخصيات السوداء التي حققت مكانة عالية في العلم والحكمة والزهد. وانتقد بشدة فكرة تفوق جنس على آخر، مؤكداً أن المعيار هو الفضيلة والفعل، لا لون الجسد. وهذه الرسالة كانت في معرض الردّ غير المباشر على التعصبات العرقية التي بدأت تظهر في بعض أوساط العصر العباسي، وأثبتت أن النخبة الفكرية الإسلامية في أوج ازدهارها كانت تمتلك وعياً نقدياً حاداً بقضايا التمييز والمساواة.
ولكي نكون دقيقين، لا يمكن إنكار أن بعض مظاهر التعصب العرقي ظهرت في تاريخ الإسلام، خاصة في العصر العباسي، لكننا في المقابل من المهم ملاحظة أنّ:
- هذه الحركة كانت استثناءً تاريخياً، لا قاعدة، وقد نقدها علماء وأدباء كبار في وقتها (مثل الجاحظ نفسه).
- لم تكن موجهة ضد السود تحديداً، بل كانت في جوهرها صراعاً عربياً-فارسياً على الهوية والامتياز.
- تيارات التعصب العرقي لم تتحول أبداً إلى أيديولوجيا رسمية أو عقيدة دولة في الإسلام الكلاسيكي، وظل النموذج السائد هو نموذج الاندماج والمساواة (مع وجود ممارسات تمييزية في بعض العصور، لكنها لم تُشرعن دينياً).
ولذلك يمكن القول إن النموذج الإسلامي المؤسس، في جوهره النصي وفي نماذجه التطبيقية الأولى (بلال، جون، الجاحظ)، كان نقيضاً للتمييز العرقي، وجعل من التقوى والفعل الإنساني معياراً للكرامة، متجاوزاً بذلك أعرافاً قبلية وعنصرية كانت سائدة في زمنه ولازالت.
وعندما نضع مصطلح "الاستيطان" (المحمّل تاريخياً بمعاني القوة والاستعمار) في مواجهة هذا النموذج الإسلامي، نجد تناقضاً حاداً. فالمسلمون، وفق نصوصهم التأسيسية وسير أعلامهم، لا يمكنهم وصف لاجئين أو مهاجرين ضعفاء بأنهم "مستوطنون" دون أن يتناقضوا مع تراثهم الأخلاقي. فالنموذج الإسلامي يقول بأن الإنسان مكرّمٌ بفعله وبغض النظر عن لونه، وأن الولاء ليس للأرض أو العرق بل للفكرة والعدل والتقوى.
لكن هذا التحليل النظري يقودنا إلى سؤال عملي حول كيفية حدوث ونشوء هذا الخطاب التونسي المعاصر الذي يستخدم مصطلح "الاستيطان" بنبرة تحذيرية ضد الأفارقة؟

(3) التحول التونسي – كيف أصبح المهاجر "مستوطنًا" ؟
بعد أن استعرضنا الجذور اللغوية لمصطلح "الاستيطان" وارتباطه بالقوة من جهة، والنموذج الإسلامي المؤسس القائم على نفي التمييز العرقي من جهة أخرى، نصل إلى قلب هذا المقال وبالتساؤل عن:
- لماذا وفي أي سياق استُخدم هذا المصطلح في تونس؟
- وكيف انتقل وصفُ مهاجرين أفارقة ضعفاء إلى "مستوطنين" يشكلون خطراً وجودياً على الهوية الوطنية؟
وهذا التحول، في نظري، إنما هو نتاج تشابك ثلاثة عناصر رئيسية: خطاب سياسي متصاعد، استيراد نظريات مؤامرة عنصرية من الغرب، وأزمة اقتصادية واجتماعية عميقة جعلت من السهل تحويل هؤلاء المهاجرين إلى "كبش فداء".

أ. خطاب 21 فيفري 2023: اللحظة الفارقة
في 21 فيفري 2023م، أدلى رئيس الجمهورية التونسية بتصريح لفت الانتباه داخلياً ودولياً خلال اجتماع المجلس الأمني القومي، تحدث فيه عن وجود "جحافل من المهاجرين غير النظاميين" من أفريقيا جنوب الصحراء، واصفاً إياهم بأنهم جزء من "مخطط إجرامي" يهدف إلى "تغيير التركيبة السكانية" لتونس، و"تحويلها إلى بلد إفريقي محض لا انتماء له للأمة العربية والإسلامية".
والمهم هنا هو أن الرئيس لم يصف المهاجرين بأنهم "لاجئون" أو "مهاجرون غير نظاميين"فحسب، بل استخدم كلمة "استيطان" و "مخطط استيطاني". وهذا الاستخدام، كما رأينا في النقاط السابقة، يحمل إرثاً ثقيلاً من الاستعمار والإحلال القسري. وبتحميل المهاجرين هذه الصفة، تم تحويل صورتهم في الوعي العام من بشر يبحثون عن الأمان (أو عن فرصة عمل) إلى غزاة يهددون الكيان الوطني. وهذا هو جوهر التحول الخطابي حيث لم يعد الأمر يتعلق بإدارة الهجرة غير النظامية، بل بالدفاع عن الوجود الهوياتي ضد مؤامرة خارجية.

ب. استيراد نظرية "الاستبدال العظيم": من أوروبا إلى تونس.
نظرية "الاستبدال العظيم" (Le Grand Remplacement) هي نظرية مؤامرة عنصرية صاغها الكاتب الفرنسي رينو كامو في كتابه الصادر عام 2011 [7]، وتنص على وجود مخطط من النخب العالمية (الدولية) لاستبدال السكان الأوروبيين الأصليين (البيض المسيحيين) بمهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط، بهدف إضعاف هويتهم وتذويبها. وقد تم تبني هذه الرؤية وتغذيتها من قبل اليمين المتطرف الأوروبي وأصبحت أحد أعمدة خطاب الكراهية ضد المهاجرين.
وما حدث في تونس اليوم هو استيراد حرفي تقريباً لهذه النظرية، لكن مع استبدال "الأوروبيين البيض" بالتونسيين "العرب المسلمين"، وفجأة، وبين ليلة وضحاها، تحول وجود بضع مئات أو آلاف من المهاجرين الأفارقة (نسبة لا تتجاوز 0.5% من السكان، كما سنرى) إلى "تهديد وجودي" يهدف إلى "أفرَقت" تونس وسلبها هويتها العربية والإسلامية. وهذا الاستيراد يُظهر أن الخطاب التونسي قد يكون تأثر بشكل واضح بالتيارات الشعبوية الأوروبية، وأعاد إنتاجها في سياق محلي يبحث عن "عدو خارجي" لتوحيد الصفوف وإلهاء الرأي العام عن الأزمات الداخلية، على الرغم من أن ملف الهجرة في تونس يحظى بأهمية أمنية وإنسانية حقيقية، ولكن تحويله إلى "مخطط استيطاني" هو قفز فوق الواقع بكثير.

ج. الممارسات الميدانية بعد الخطاب: من الكلام إلى الفعل
ولم تبقَ التصريحات في دائرة الكلام، بل تحولت سريعاً إلى سياسات وممارسات ميدانية. ففي الأيام والأسابيع التي تلت الخطاب، شهدت تونس:
- حملة اعتقالات وترحيل جماعية: أوقفت خلالها السلطات التونسية مئات المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء في مدن متعددة (صفاقس، تونس العاصمة، ..) ونقلتهم إلى مناطق صحراوية على الحدود مع ليبيا والجزائر، في ظروف وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها "لا إنسانية". ووفق تقرير Human Rights Watch الصادر في يوليو 2023، تم ترحيل أو نقل قسري لنحو 1200 شخص في يوليو وحده، وتعرض الكثير منهم للضرب والإهانة والسرقة [8].
- وتزامنت الحملة مع خطاب إعلامي معادٍ، وصفت فيه وسائل الإعلام المهاجرين بعبارات عنصرية فاضحة، وتم تداول أخبار غير مؤكدة عن "جرائم" ارتكبوها، مما زاد من حدة الكراهية في الشارع.
- ونتج عن ذلك: تسجيل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية ارتفاعاً حاداً في حالات الاعتداء اللفظي والجسدي على الأفارقة، وحالات طرد من المساكن والمنازل المستأجرة، ومنع من الخدمات الأساسية.
- وقد تسببت كذلك هذه الحملة في إرباك عمل المنظمات الإنسانية التي تقدم المساعدة للاجئين والمهاجرين، ودفعت البعض إلى تقليص أنشطتها خوفاً من الملاحقة أو وصمها بـ"توطين" المهاجرين.

د. الحقائق السكانية مقابل الهستيريا الخطابية: الخطر الوهمي
ولعل أكثر ما يفضح حجم المبالغة في هذا الخطاب هو النظر إلى الأرقام. فوفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) والتقارير الرسمية، فإن عدد المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء في تونس لا يتجاوز نسبة ضئيلة جداً من إجمالي السكان (تشير بعض التقديرات إلى أقل من 1%). بل إن عدد طالبي اللجوء واللاجئين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تونس كان حوالي 9,000 شخص فقط (اعتباراً من يناير 2023). وحتى لو أضفنا المهاجرين غير النظاميين غير المسجلين، فإن العدد يبقى بعيداً جداً عن أي احتمال "لتغيير التركيبة السكانية" أو "أفرَقت" البلاد.
وهذه الفجوة الهائلة بين الحجم الحقيقي لوجود المهاجرين وحجم التهويل الخطابي ("جحافل"، "مخطط استيطاني"، "خطر ديموغرافي") تكشف - بناء على رأي بعض المنظمات[9] - أن الأمر بناء سياسي وأيديولوجي متعمد، تم تضخيم "تهديد" المهاجرين فيه لتبرير سياسات معيّنة، ولتحويل أنظار التونسيين عن مشاكلهم الحقيقية: البطالة، التضخم، تردي الخدمات، والعجز السياسي.

هـ. صراع الهوية كأرض خصبة للخطاب:
وكل هذا لم يكن ليحدث لولا أن تونس تعاني أصلاً من أزمة هوية عميقة ومتصاعدة. فمنذ الاستقلال عام 1956، بنيت الدولة التونسية نموذجاً جمهورياً علمانياً منفتحاً على الغرب (فرانكفونياً)، معتمداً على "تَونسة" المؤسسات وإقصاء المرجعية الإسلامية التقليدية إلى حد كبير. وهذا النموذج، رغم إنجازاته في عدّة مجالات، إلا أنه قد خلق شعوراً بالاغتراب لدى قطاعات واسعة من الشعب التونسي التي ظلت متمسكة بالهوية العربية والإسلامية.
ومع فشل النموذج الاقتصادي والاجتماعي (الذي تفاقم بعد ثورة 2011)، انفجر صراع الهويات:
- العروبة الإسلامية: تيار يرى في الانتماء للأمة العربية وللدين الإسلامي أساس الهوية، وينتقد التبعية للغرب.
- الأمازيغية: تيار يدافع عن الهوية الأمازيغية (البربرية) التي طُمست لعقود، ويطالب بالاعتراف الرسمي باللغة والثقافة الأمازيغيتين.
- القرطاجية (المتوسطية): وهو تيار أحدث نسبياً، يحاول استنهاض المجد الغابر لقرطاج (الحضارة الفينيقية-البونية)، ويقدم نفسه كبديل حداثوي "متوسطي" ومختلف عن العروبة والإسلام والأمازيغية.
وفي خضم هذا الصراع، يبحث كل تيار عن "عدو خارجي" يتحد ضدّه. وقد كان أسهلهم والأكثر رمزية هو "المهاجر الأسود"، الذي يمثل النقيض التام لكل هذه السرديات؛ فهو ليس عربياً، ولا مسلماً غالباً، ولا أمازيغياً، ولا متوسطياً (بل "إفريقي" من جنوب الصحراء). وبتوظيف نظرية "الاستيطان"، تم تحويل هذا الإنسان الفارّ من ظروف قاهرة إلى عدو وجودي يجب مواجهته. فأصبحت العنصرية -للأسف- وسيلةً لتوحيد الشعب المنقسم حول هويته، ولو مؤقتاً.
وهذا التحليل يظل ناقصاً إذا لم نعقد مقارنة مباشرة بين القيم التي يقوم عليها النموذج الإسلامي التأسيسي (الولاء للفكرة والأخلاق) والقيم التي يقوم عليها الخطاب القومي الراديكالي (الولاء للأرض والعرق). هذه المقارنة هي جوهر المحور الخامس والأخير من المقال.

(4) المقارنة الجوهرية – الولاء للفكرة (النموذج الإسلامي) مقابل الولاء للأرض والعرق (القوميات الفاشية)
بعد أن تتبعنا الجذور اللغوية لمصطلح "الاستيطان" وارتباطه بالقوة، ثم استعرضنا النموذج الإسلامي المؤسس القائم على نفي التمييز العرقي، ثم حللنا التحول التونسي المعاصر وكيف استورد خطابه نظريات المؤامرة العنصرية، نصل الآن إلى المفارقة المركزية التي بني عليها هذا المقال كله:

أ. أين يكمن الفرق الحقيقي؟
فليس الصراع اليوم بين "تونس العربية" و"تونس الأمازيغية" و"تونس القرطاجية" حقيقة، وإن كانت هذه سرديات مشروعة بحد ذاتها، ولكل منها سياقها التاريخي وجمهورها، بل الصراع الحقيقي هو بين نموذجين متناقضين للولاء:
. النموذج الأول: الولاء للفكرة (العقيدة، القيم الإنسانية، التقوى، العدل)
. النموذج الثاني: الولاء للأرض والعرق (الحدود، الدم، الأصل، الهوية الجامدة).
والنموذج الأول هو الذي أسس له النص القرآني والنبوي، وجسدته شخصيات مثل بلال وجون بن حوي. في حين أن النموذج الثاني هو الذي استعملته كلّ الأنظمة القومية في القرن العشرين وما بعده إلى اليوم.

ب. النموذج الإسلامي: الولاء للفكرة
القرآن الكريم يضع المعيار بوضوح {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، والتقوى فعل قلبي وسلوك فردي، لا علاقة له بلون البشرة أو المنشأ القبلي أو الإقليمي. وكذلك نصّ خطبة الوداع التي أُعلن فيها سقوط كل فضائل الجاهلية القائمة على النسب والعنصرية. وفي هذا النموذج:
- الولاء يكون للإسلام كأخلاق وتوحيد، وللعدالة كقيمة مطلقة.
- الأرض (الوطن) فضاء لإقامة الدين والعدل، ويمكن أن يهاجر منها المستضعف فيها إذا لم يستطع أن يعيش فيها بحرية (وخذ مثلا كمثال: الهجرة النبوية نفسها).
- الآخر المختلف (في اللون، الدين، الأصل) لا يعتبرُ تهديداً وجودياً، بل هو إنسان يُكرم ويُعامل بالعدل، فالآية الكريمة تقول: {جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}[الحجرات:13]، أي ليتعارفوا ويتعاونوا.
وهذا النموذج لا يمنع حب الوطن، فحب الوطن غريزة مشروعة. لكنه لا يرفع الوطن إلى مرتبة القيمة المطلقة التي تبرر إقصاء الآخرين وكراهيتهم.

ج. النموذج القومي الراديكالي (الفاشي): الولاء للأرض والعرق
وفي مقابل ذلك، نجد النموذج الذي بدأ يتبلور في أوروبا القرن التاسع عشر وبلغ ذروته في الفاشيات الأوروبية (النازية، الفاشية الإيطالية، حكم فرانكو)، ثم استوردته بعض الأنظمة العربية في القرن العشرين في شكل قومية متطرفة. وفي ظل هذا النموذج:
- مركز الولاء هو الأرض والحدود والعرق.
- الآخر المختلف (الأسود، الأجنبي، المخالف في الدين) هو تهديد وجودي يجب إقصاؤه أو طرده أو احتواؤه بالقوة.
- العلاقة مع الآخر هي صراع على الموارد والهوية: فهو يهدد وظائفي، وثقافتي، ونقائي العرقي.
- الأيديولوجيا التي تغذي هذا النموذج هي نظريات المؤامرة العرقية، مثل نظرية "الاستبدال العظيم" التي استوردها الخطاب التونسي حرفياً من اليمين المتطرف الأوروبي.
وفي هذا النموذج، أصبح مصطلح "الاستيطان" مفهوماً مركزياً حيث لا يعتبر المهاجر الأسود ضحية فقر وحروب، بل هو "مستوطن" أرسلته قوى خفية (غربية، يهودية، إخوانية، حسب نسخة المؤامرة) لسرقة الأرض والهوية.

د. تونس اليوم: أين تقف؟
وإذا طبقنا هذا التحليل على الخطاب الرسمي التونسي، نجد أن تونس اليوم تتبنى بوضوح النموذج الثاني، وتتخلى عن جوهر النموذج الأول الذي كان يفترض أن يكون مرجعيتها الثقافية والدينية والقانونية (جزئيا)، للأسف.
وما يحدث ليس مجرد "تشدد أمني" أمام موجة هجرة غير نظامية -وهو مشروع نسبيا إن كان كذلك-، ولو كان الأمر كذلك، لكان الحل هو المعسكرات الآمنة والفحص الصحي والتسجيل القانوني وإعادة التوطين أو الترحيل المنظّم وفق القانون. لكن ما نراه هو هستيريا خطابية وكراهية ضد مجموعة عرقية بأكملها، باسم الدفاع عن "الهوية الوطنية" ومواجهة الاستيطان".
والمفارقة أن هذا الخطاب العنصري يأتي من دولة ذات أغلبية مسلمة، تفتخر بتراثها الإسلامي، وتستدعيه في عدة مناسبات.

وختاما، فإن ما ندعو إليه من خلال هذا المقال الوصفي-التحليلي هو: فصل النضال من أجل الحقوق المشروعة (حقوق الأمازيغ، حقوق المرأة، إصلاح العلمانية، الديمقراطية، محاربة الفساد) عن استخدام المهاجرين كورقة رخيصة للضغط. فلا يمكن لشعب عانى من الاستبداد والفساد أن يبني مستقبله على كراهية ضعفاء مثله.
وكذلك العودة إلى النموذج الإسلامي في قبول الآخر باعتباره ضرورة إنسانية وحضارية، وربما هي السبيل الوحيد لإنقاذ تونس من الانزلاق إلى هاوية العنصرية والقوميات الفاشية، التي لم تجلب لأي أمة عبر التاريخ إلا الدمار والعار.

-------
[1] Oxford English Dictionary – "settlement","colony".
[2] أنظر: Patrick Wolfe, "Settler Colonialism" (1999)
[3] المرجع السابق.
[4] البخاري، صحيح البخاري، كتاب الحج.
[5] ابن سعد، الطبقات الكبرى، ترجمة بلال بن رباح
[6] الطبري، تاريخ الرسل والملوك، أحداث سنة 61 هـ
[7] Renaud Camus, Le Grand Remplacement (2011).
[8] Human Rights Watch, "Tunisia: No Safe Haven for Black African Migrants, Refugees" (19 July 2023).
[9] المنظمة الدولية للهجرة (IOM) – تقرير تونس 2023، والبيانات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في تونس.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال