بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الهوية الجينيّة و السيادة الإسميّة : ديموغرافيا التمازج و التحول القبلي في تونس

2026-06-01 81 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الهوية الجينيّة و السيادة الإسميّة : ديموغرافيا التمازج و التحول القبلي في تونس
تخيل جدارا قديما من حجر الصوّان تضربه رياح الجنوب العاتية لقرون فيتغير لونه ويتغطى بغبار المعارك والرحيل لكن جوهره يظل هو نفسه صلبا عصيّا على الفناء.
هذا الجدار هو ديموغرافيا البلاد التونسية، تاريخ صامت مكتوب بالدم والملامح قبل أن يُكتب بحبر المؤرخين.

حين تقف اليوم في زقاق مائل بتونس العاصمة أو تتأمل قصر سطر مهدوم في أقصى الجنوب فإنك لا تنظر إلى مجرد جغرافيا بل إلى مسرح هائل جرت فوقه واحدة من أعظم عمليات الانصهار البشري في شمال إفريقيا.
إنها قصة الأرض التي عربت لسانها لكنها رفضت أن تبدل دماءها الأمازيغية الأولى.
تنهض العلوم الجينية المعاصرة اليوم وتحديدا تلك التحاليل العميقة التي قادها المشروع الجينومي لمنظمة ناشيونال جيوغرافيك لترفع الستار عن حقيقة مذهلة تكاد تشبه الصدمة المعرفية إن 88% من الجينات الحية في أجساد التونسيين المعاصرين هي جينات شمال إفريقية أمازيغية أصيلة نبتت من هذه التربة ولم تغادرها بينما تتقاسم النسب الباقية أطياف وافدة من أصول أوروبية بنسبة 5% وعربية بنسبة 4% وإفريقية جنوب الصحراء بنسبة 2%.
هذا الرقم ليس مجرد إحصاء بل هو برهان سوسيولوجي على أن جحافل القبائل والفتوحات التي توالت على هذه الأرض لم تكن إحلالا سلاليا يمحو ما قبله بل كانت موجات ثقافية ذابت في المحيط الأمازيغي الشاسع فتعلمت الكتل القبلية الأصلية لغة الوافد الجديد ومنحته في المقابل بقاءها الأبدي على الأرض.
تبدأ الرواية في العتمة الأولى للتاريخ حيث كانت نصوص الإغريق والرومان تتحدث بوجل ودهشة عن كائنات بشرية تتحرك في هذه الفيافي أطلقوا عليهم أسماء مثل الناسامونين والماكاي والقارامونت والأوليميدين والجيتول.

هؤلاء لم يكونوا مجرد عابري سبيل بل كانوا النواة الحية والمادة الخام التي تلاقحت عبر العصور لتهب للمؤرخين والنسابة المسلمين في ما بعد الهيكل العظيم للأنساب الأمازيغية. هنا وضع ابن حزم الأندلسي في جمهرة أنساب العرب وجلس ابن خلدون في خلوته ليفكك في مقدمته شجرة هذا الشعب العجيب.
قسّموا هذا العالم إلى جذعين عملاقين ينحدران من سلفين مشتركين هما برنُس ومادغس الملقب بالأبتر، ابني بَرّ.
ومن هذين الغصنين تفرعت البطون التي اقتسمت تضاريس تونس وتداخلت في ما بينها عبر تحالفات ومصاهرات معقدة جعلت الفواصل بين البرانس والبتار تذوب في بوتقة العيش المشترك تماما كما تذوب السواقي في النهر الكبير.

لو قدر لك أن تحلق فوق الخريطة الاجتماعية التونسية في القرون الماضية لرأيت كتلً قبلية أشبه بالدول الصغيرة تتحرك بنظام عشائري صارم وتفرض هيبتها على الجغرافيا. في المقدمة تسير قبيلة هوارة الأمازيغية البرنسية المنحدرة من هوار بن أوريغ وهي كنفدرالية بشرية هائلة ملأت الشرق والغرب ومن رحمها ولدت كنفدرالية جلاص العظيمة التي جعلت من القيروان والوسط التونسي عرشا لها
وغدت في عهود البايات رقما عسكريا صعبا لا يمكن تجاوزه. ومن هوارة أيضا انبثقت قبائل ورغة الشرسة التي تحصنت في جبل ورغة وحول الكاف وأولاد سيدي يحيى بن طالب الذين تمددوا من قابس جنوبا إلى باجة شمالا بلغة هوارية مستعربة فريدة وقبائل شارن والزغالمة في الكاف وسليانة وصولا إلى أيت مدنين الذين حفروا اسمهم في تراب الجنوب وأسسوا مدينة مدنين قبل أن تبتلعهم كنفدرالية ورغمة.

وعلى الضفة الأخرى للأنساب تجر قبيلة لواتة البترية ثقلها الجغرافي لتربط بين تونس وليبيا.
في جبال تطاوين يقف سكان بلدة شنني المعلقة كحراس لزمان قديم محتفظين بلسانهم الزناتي المعرب ونمط عيشهم المرتبط بالقصور الصحراوية الحصينة.
ومن لواتة خرجت عشائر أولاد علي الحنانشة في منطقة الرقبة وعرش السواسي في الوسط الشرقي وإيجاطوفن الذين انصهروا لاحقا في التجمع القبلي الأكبر جنوبا.
وهنا بالتحديد ينفتح المشهد على كنفدرالية ورغمة الكبرى الركيزة الأنثروبولوجية التي وصفتها التقارير العسكرية الفرنسية الأولى بذعر واضح عام 1884 بأنها دويلة بربرية شبه مستقلة تبسط نفوذها بين ابس والحدود الليبية وتسيطر على جفارة والظهير الجبلي.
ورغمة التي تعني بالأمازيغية العرش المتلاحم تنحدر من قبيلة أيت دمر الزناتية العريقة ورغم أن الدارجة التونسية استقرت في ألسنتهم عبر الزمن إلا أن عائلات الدويرات وشنني بقيت تنطق بلسان زناتي نقي وتتوزع هذه الإمبراطورية القبلية بين عروش الودارنة والتوازين وعكارة وغمراسن والجليدات والخزور والحواية والجبالية، في تلاحم ديموغرافي فريد.
أما الجنوب الغربي فهو حكاية أخرى صاغتها واحات نفزاوة الشعب الأمازيغي البتري الذي يعود تاريخه إلى العصور الرومانية حين كانوا يُعرفون بقبيلة النبجني أولئك المقاتلون الأشداء الذين استوطنوا خط الدفاع الروماني لحماية تجارة الحدود حتى إن الإمبراطور هادريان منح شيوخهم حق المواطنة الرومانية عام 128م تأميناً لثغور إمبراطورية روما. تشير الوثائق إلى أن النواة الصلبة لنفزاوة جاءت في هجرة تاريخية بعيدة من الريف الشرقي للمغرب الأقصى لتستقر في شط الجريد حيث أسسوا مدينة نفزاوة التاريخية التي كانت تضم سورا عظيما وستة أبواب قبل أن تمتد إليها يد الدمار في القرن 16م على يد العثمانيين وتطمر الرمال ما تبقى منها في رأس العين جنوب قبلي.
من هذه الواحات خرج العمالقة طارق بن زياد وأبو داود القبلي النفزاوي الذي حمل العلم الإباضي من البصرة والمنذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة الأسطوري في عهد عبد الرحمن الناصر والشيخ محمد بن عمر النفزاوي مؤلف الروض العاطر بطلب من الحاكم الحفصي عام 1420.
وطوال قرون توزع هذا مجتمع الواحات الذي يضم نحو 60 قرية ليشهد على عبقرية استقرارهم في مناطق بلاد الزوي وقبلي والشارع ودوز وجوارها.

وفي المرتفعات الغربية والهضاب العليا كانت الأرض تهتز تحت سنابك خيل قبائل أخرى لا تعرف الخنوع.
هناك تنام قبيلة كتامة البرنسية في عباءة حلف أولاد عيار المستقر في سليانة ومكثر والروحية وكسرى الأثرية وهم الذين هجروا الشرق الجزائري قديما واحتضنوا فصائل من بني سليم ليصبحوا حلفا فلاحيا متماسكا يضم عروش مسهل والحراتي وتمر وولد يونس والسعادنة.
ومن كبرياء هذه القبيلة خرج الفارس علي بن عمار العياري الذي قاد جبهة مقاومة مرعبة ضد الاحتلال الفرنسي عام 1881 حاشدا آلاف المقاتلين وهو الكبرياء نفسه الذي دفع القبيلة ثمنه تهميشا تنمويا في عهد الاستقلال نتيجة ولائها لصالح بن يوسف ضد الحبيب بورقيبة.
وإلى الجنوب منهم قليلا تجلس قبيلة مطماطة التاريخية في بيوتها المحفورة تحت الأرض في هندسة عجيبة تتحدى القيظ والنسيان حيث تلمع قرية تامزرط المعلقة فوق القمم كآخر القلاع الشاهدة على لغة وثقافة الأمازيغ القديمة وقيم التويزة محتضنة دماء جاءت من المغرب الأقصى وطرابلس الغرب.
لكن إذا ذكرت الحرب والرعي والسطوة العسكرية في الوسط الغربي فلا بد أن يرتجف التاريخ لذكر كنفدرالية الفراشيش القبيلة الشاوية الرهيبة التي تتأصل من الفريكس الذين خُلِّد ذكرهم في الملاحم اللاتينية القديمة في القرن 6م حين قاد زعيمهم أنطلاس ثورة لا تبقي ولا تذر ضد البيزنطيين وجعل من تالة عاصمة له.
ينقسم الفراشيش في بنيتهم الأنثروبولوجية إلى ثلاثة بطون كبرى تسمى برادع وهي رضوان وعزيز ومعمر وتتفرع إلى أفخاذ وعروش كبني وزّاز وأولاد ناجي وأولاد محمد وأولاد غيدة والحرشان.
هؤلاء كانوا النواة الصلبة لرجال الفلاة الذين دوخوا المستعمر الفرنسي في الجبال وكانوا هم أنفسهم اليد الضاربة في محاولة الانقلاب العسكري ضد بورقيبة عام 1962م بقيادة الأزهر الشرايطي والعربي العكرمي مما جعل العلاقة بين جبال تالة والسلطة المركزية في تونس علاقة حذر وتوجس دائمين.
هذه الجغرافيا البشرية لم تكن مستقرة بل كانت تغلي كالمرجل مدفوعة بالحروب والأوبئة وغضب الحكام مما أنتج تغريبات وهجرات غيرت ملامح البلاد.
انظروا إلى جبال خمير في الشمال كيف تحولت من معقل حصين لهوارة إلى لوحة تلاقح مذهلة اندمجت فيها دماء بني هذيل وعرب الفتح مع بقايا الأمازيغ ثم جاءت الهجرات الهلالية والسليمية لتكمل اللوحة فتشكل حلف بني خمير الجبلي الذي رفض دفع الضرائب للبايات وكان تمردهم واحتماؤهم بالغابات الكثيفة الذريعة التي تحججت بها فرنسا لتغزو البلاد في 24 أفريل 1881.
وعلى النقيض من هذا التمازج يبرز جبل وسلات كمسرح لأبشع تراجيديا تهجير قسري في تاريخ تونس الحديث
هناك كان يعيش عسكر وسلات 40 ألف نسمة يصنعون بارودهم ومدافعهم بأيديهم في استقلال تام عن الدولة.
لكن في الحرب الأهلية بين الحسينية والباشية انحازوا لشق علي باشا فلجأ إليهم عام 1728 ثم تمكن بمساعدتهم من استعادة العرش عام 1735 فدفعوا الثمن غالياً لاحقاً في عام 1759م حين حاصرهم علي باي بن حسين لثلاث سنوات كاملة، فقطع عنهم المؤونة حتى أكلوا الجلود ثم أمر عام 1762 بهدم حصونهم بالقوة وحرق أشجار زيتونهم التاريخية وتفريقهم شتاتا في الحواضر والمدن ليتحول الجبل العظيم إلى خراب تسكنه البوم وتتحول قصتهم إلى مرثية تبكيها الأغاني الشعبية التونسية حتى اليوم تماما كما حدث مع قبائل الماطيس التي هجرت جبل مطوس في الجنوب لتستقر على ضفاف وادي مجردة في مجاز الباب هربا من الجفاف.
وحين وضعت الحرب الأوزار وأعلنت تونس استقلالها وبناء دولتها الحديثة أدرك بورقيبة أن تفكيك العصبية القبلية هو السبيل الوحيد لإخضاع المجتمع لسلطة القانون المدني فأصدر ترسانة تشريعية صارمة كان أبرزها قانون الحالة المدنية لعام 1957 ثم قانون اللقب العائلي المؤرخ في 26 ماي 1959.
أُجبر كل تونسي على اختيار لقب ثابت لعائلته في تصريح رسمي ينتهي في 1 ديسمبر 1959 ورغم أن القانون في فصله الرابع منع الألقاب ذات الأصول غير العربية إلا أن المشرع وضع استثناء ذكيا وتاريخيا حين قال:
ما عدا الألقاب التي سبق استعمالها من قديم بالمغرب العربي. هذا الاستثناء الصغير كان الطوق الذي أنقذ الهوية الاسمية الأمازيغية لتونس حيث بقيت الألقاب العريقة مسجلة في دفاتر الحالة المدنة فظهر لقب الغربي كفرع أمازيغي مغاربي ينتشر في كل مكان والماجري والعياري والفرشيشي والورتاني والنفزاوي والجلاصي والورغي والشارني والوسلاتي كشواهد قانونية حية على دماء الأجداد.
وبجوارها اصطفت الألقاب التي تروي قصص الهجرات الأخرى كالهمامي والدبابي من نبع العرب والترهوني والورفلي والغرياني القادمين من طرابلس والبجاوي والقسنطيني من الجزائر والغرناطي والقرطبي والشرفي الحاملين لدموع الأندلس وصولا إلى التركي وبوشناق من بقايا العهد العثماني.

تاريخ تونس القبلي ليس ماضيا دُفن في المقابر بل هو كائن حي يتنفس تحت جلد الحاضر.
لقد حمت الجبال الوعرة والملاجئ الحصينة في خمير ووسلات ومطماطة وجربة جينات السكان الأصليين ولغتهم وثقافتهم لقرون وصمدت هذه النواة الصلبة أمام كل عواصف التعريب والتهجير ليبقى المجتمع التونسي المعاصر برغم حداثته وقوانينه المدنية وألقابه المسجلة وفيا لجذوره الأولى مجتمعا يرتدي عباءة الثقافة العربية بقلب وأصل وجينات أمازيغية لم تفرط يوما في تراب الأرض.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال