بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الجلاص: سور القيروان و حماة الإباء

2026-05-31 71 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الجلاص: سور القيروان و حماة الإباء
كانت الأرض في وسط الإيالة التونسية الممتدة بين
فجاج القيروان والمنحدرات الوعرة المحيطة بها تبدو في نظر عابري السبيل مجرد سهوب شاسعة منبتة تطاردها الرياح وتغشاها شمس الصيف الحارقة غير أن هذه الجغرافيا الساكنة في الظاهر كانت تخبئ تحت ترابها وفي ثنايا ذاكرتها الشفوية واحدة من أعنف وأعقد قصص التشكل البشري في شمال إفريقيا وهي قصة كونفدرالية قبائل الجلاص التي لم تكن مجرد تجمع لعشائر تبحث عن الكلأ بل كانت كيانا سياسيا واجتماعيا وعسكريا نبت من صميم الأرض الأمازيغية القديمة وصهرته عبر القرون موجات الهجرات والتحولات الروحية واللغوية ليصبح في نهاية المطاف الحارس الأمين لحوزة القيروان واللاعب الأبرز في موازين القوى مع السلطة المركزية في تونس.
إن الباحث في أصول الجلاص أو الزلاص كما يلفظها أهل البلاد يجد نفسه واقفا أمام مرآة تعكس صراع الهويات والأنساك التاريخية في المغرب العربي حيث يتأرجح التوصيف بين الأطروحة الكلاسيكية التي روجت لها الإدارة الاستعمارية الفرنسية عبر أبحاث الجغرافي جان ديسبوا والتي تزعم أن القبيلة مجيج هجين انصهرت فيه الدماء العربية بالبربرية وبين الحقيقة الجينالوجية والتاريخية المحققة التي تعيد هذه الكونفدرالية إلى أرومتها الأمازيغية الصرفة .
الوثائق المحلية العتيقة ولا سيما ما ورد في مخطوط الصروف في تاريخ الصحراء وسوف ترفع نسب القبيلة بوضوح لا لبس فيه إلى الجد الأكبر جلاص بن حبوس بن لماية بن فاتن بن تمصيت بن ضري بن لواتة الأصغر
وهو ما يضع الجلاص مباشرة ضمن بطون بني فاتن
الفرع الزناتي العظيم المرتبط بقبيلة لواتة الأمازيغية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في تاريخ المغرب القديم والوسيط.
وهو الأمر الذي أكده المؤرخ التونسي محمد المرزوقي السلمي مستنداً إلى العلامة أبي الفوز محمد أمين البغدادي الشهير بالسويدي في مصنفه سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب وما دونه قبل ذلك الرحالة المؤرخ ابن فضل الله العمري ليظل معجم قبائل العرب والأشراف في تونس للأستاذ بدر الدين بن محرز الكافي شاهدا على هذا العمق الجينالوجي المعقد لركائز السباسب التونسية.
ولم يكن هذا النسب الأمازيغي مجرد حبر على ورق المخطوطات الصفراء بل كان ينبض في عروق الناس ويسكن وجدانهم الجماعي وهو ما تبدى بوضوح في أبريل من عام 1910 حين وقف المؤرخ الفرنسي بول دوماس يستجوب ثلة من أعيان عرش أولاد إيدير بحضور قايد الجلاص الطاهر بن إبراهيم فجاءت الإجابة جماعية قاطعة ومدوية تعبر عن وعي تاريخي حاد لم تمحه السنون حيث قالوا إنهم أولاد إيدير وكانوا منذ زمن بعيد أسياد هذا البلد وأنهم ينحدرون من أصل بربري وأن جدهم مدفون في خنقة زقلاس
وتتأكد هذه الحقيقة الأنثروبولوجية في أسماء البطون والعروش ذاتها فأسماء مثل إيدير وسنداسن هي أعلام أمازيغية بامتياز ولدت في حضم القارة الإفريقية قبل أن تطأ أقدام الفاتحين العرب هذه الأرض.
بينما جاءت أسماء أخرى مثل أولاد خليفة لتعكس مرحلة لاحقة من مراحل الاستعراب والاندماج الاقتصادي والديني بعد دخول الإسلام وتأسيس الحواضر.
تذوب الأساطير الشفوية في حقائق اللسان لتكشف عن أصل التسمية والرمزية التاريخية التي حفت بالقبيلة منذ أول صدام عسكري بين طلائع الجيوش العربية الفاتحة ومقاتلي البلاد في فجاج الوسط التونسي إذ تروي الذاكرة الشعبية أن لفظ جلاص ليس سوى تحوير للكلمة الأمازيغية المركبة زقلاس المؤلفة من شقين لغويين هما زقا وتعني صاح أو صرخ ولاس وتعني ابتعد أو انزاح لتكون الكلمة في أصلها تجسيدا لصرخات الحرب المتبادلة بين المقاتلين الأمازيغ وهم يذودون عن قراهم ومراعيهم صائحين في وجه المهاجمين لإجبارهم على التراجع والابتعاد وفي مقابل هذه الرواية الحماسية برزت فرضيات غريبة تفوح برائحة الطرائف التاريخية والربط الراديكالي كالإشارة إلى احتمال انتساب البابا الروماني جيلبرت الأول أو جلبرتوس جيلاسيوس الأول الذي تولى السدة الرسولية في روما بين عامي أربعمائة واثنين وتسعين وأربعمائة وستة وتسعين ميلادي إلى هذه القبيلة نظرا للتشابه الصوتي الصرف بين اسم البابا واسم القبيلة وهو طرح وإن ظل رمزيا يفتقر إلى الإثباتات الصلبة إلا أنه يعكس في جوهره مدى تغلغل وعمق المكون المحلي الإفريقي في حوض البحر الأبيض المتوسط وتأثيره في صياغة أحداث العالم القديم.

وتتأسس البنية الاجتماعية لكونفدرالية الجلاص على نظام انقسامي دقيق وصارم يتوزع على مستويات تفاضلية تبدأ من البرذعة وهو العرش الأكبر أو الفخذ ليتفرع بعد ذلك إلى عروش أصغر ثم فرق وصولا إلى اللحمات والنوى الأسرية الضيقة.
تنقسم الكونفدرالية تقليديا إلى أربعة عروش كبرى يطلق عليها محليا اسم البرادع الأربعة يتصدرها أولاد إيدير الذين يضمون العوايسية بومثنانة والنحار وأولاد سعيد والزيادنة والرشين وكليب وتتفرع عنهم لحمات شتى كالأثامنة والسخنة والجوابر والزرانة والمحارزة وينقسم هؤلاء بدورهم إلى بني يدير القبالة وهم أهل فروسية ومغاوير يسكنون بوحجلة والشراردة ونصر الله وأولاد حفوز وبني يدير الظهارى وهم رعاة ومستقرون أما البرذعة الثانية فهي أولاد خليفة وتضم العجاجنة والعزازة والبدارنة والبلاغتة والبريكات والشباطرة والفرجان والفوايد والمجابرة والمخاليف والمواغير والسوالم والثمامة والحمّاد والبلارطة وتتفرع عنهم عائلات كثيرة مثل فاقة وخبوز وخدايمية وعمائر أخرى استقرت في سهول القيروان الشمالية وامتدت حتى تكرونة وسوسة وزغوان وحافظت فروع منها على لسانها الأمازيغي القديم ثم تأتي برذعة أولاد سنداسن التي تمثل الامتداد القبلي نحو غرب وجنوب القيروان وصولا إلى مناطق التماس مع واحات الجريد والسباسب العليا وتضم الفضول والفريوات والهدايا والجريرات والمحافيظ والمساعيد والنقاقطة وأولاد عامر وأخيرا نجد حلف الكعوب والكوازين وبنو كعب بن ربيعة وأولاد أبي الليل الذين تولوا إمارة العرب تاريخيا في إفريقية قبل انصهارهم حلفا مع جلاص لتدعيم القوة الدفاعية للكونفدرالية في مواجهة المخاطر الخارجية.
وكانت هذه الجغرافيا الديمغرافية الشاسعة تمثل حزاما بشريا كثيفا يحيط بمدينة القيروان ويحمي حوزتها التاريخية من هجمات القبائل المجاورة حيث امتد النفوذ الترابي للجلاص ليشمل الشبيكة وحفوز والعلا الواطي وحاجب العيون ونصر الله وبوحجلة والشراردة ورغم هذا التموقع في قلب السباسب فإن فروعا من أولاد خليفة تميزت بالهجرة نحو الشمال الشرقي مستقرة في تكرونة بجرادو والزريبة التابعتين لولاية زغوان.
وإذا كان جل أفراد القبيلة قد تعربوا لغويا في وقت مبكر وصاروا يتحدثون الدارجة التونسية بلكنة محلية مطعمة بظواهر معجمية وصوتية أمازيغية واضحة فإن الخصوصية اللغوية ظلت حية في قرى تكرونة الجبلية المعزولة حتى فترات متقدمة من العصر الحديث.
ومن الناحية العددية أجمعت التقديرات التاريخية السوسيولوجية على أن الجلاص كانت تمثل أضخم تجمع قبلي في تونس بأسرها خلال القرن التاسع عشر إذ ناهز تعداد أفرادها أكثر من ستين ألف نسمة بين سنتي ثمان وخمسين وواحدة وستين وثمانمائة وألف ميلادي وهي نسبة ديمغرافية هائلة تضعها في رأس قائمة القوى القبلية المعاصرة لها متساوية مع غريمتها التقليدية قبيلة الفراشيش في تالة والصرين والجلمة وقبيلة الهمامة في توزر ونفطة وفصة والمكناسي ومتفوقة على المثاليث في صفاقس الذين قاربوا الخمسين ألفا وأولاد سعيد في الساحل ونواحي سوسة الذين ناهزوا الأربعين ألف نسمة.
ولم تنحصر الحركة البشرية للجلاص داخل الحدود الترابية للإيالة التونسية بل إن الضغوط الجبائية المجحفة والنزاعات المحلية المتواترة دفعت بفصائل هامة منها إلى الهجرة نحو الأراضي الليبية في طرابلس الغرب حيث تفيد السجلات التاريخية بأن عائلات جلاصية استقرت في ترهونة ضمن ربع أولاد مسلم وضمت الدخائلية والخضر والنجاحات والربائع وفي مسلاتة بزاوية سيدي عطية حيث استقرت عائلات البكور والصوالح والبلاحسة وقدر تعداد كل تجمع منهما بحوالي ثلاثمائة نسمة بحسب إحصاءات سنة سبع وتسعمائة وألف ميلادي كما استقر فصيل آخر يُعرف بالدبابشة في صبراتة زواغة وينحدر هؤلاء من جدهم سيدي يحيى بن دبابش بن مسعود بن سنداسن بن جلاص اللواتي الوافد من واحة نفطة في بلاد الجريد التونسي التي تميزت بتركيبتها السكانية ذات الأغلبية النفزاوية واللواتية الأمازيغية
ويحمل اسم دبابش تحويرا معجميا لغويا أمازيغيا يعني باللغة العربية البقول وهو لقب كان يطلق تاريخيا على من يشتغل في زراعة أو بيع البقوليات مما يعكس الطابع الحرفي والزراعي المرتبط بنشاط هذه المجموعة المهاجرة.

وفي ظل هذا التمدد البشري خضعت القبائل التونسية لآلية تنظيمية وسياسية شديدة التعقيد عرفت بنظام الصفوف وهو نظام تحالفي إقليمي تجاوز روابط القرابة العشائرية الضيقة ليرتبط بأنماط الإنتاج وحماية طرق التجارة وتنظيم الانتفاع بالمراعي.
وفي هذا الإطار السيادي اندمجت الجلاص بقوة في لعبة التوازنات الإقليمية فحافظت على حلف متين مع قبيلة الهمامة وقبيلة السواسي وقبيلة أولاد سعيد مشكلة محورا قادرا على حشد آلاف المقاتلين لحماية خطوط القوافل وضمان الاستقلال الرعوي.
وفي المقابل ناصبت الجلاص العداء التقليدي التاريخي لكل من قبيلة ماجر وقبيلة الفراشيش أما علاقاتها بالجارة الغربية قبيلة أولاد عيار فقد اتسمت بتأرجح دائم وتوتر بنيوي فرضه التباين في انتماءاتهما الصفية والنزاع المستمر على الموارد الترابية والمراعي في مناطق التماس حيث تراوحت العلاقات بين فترات التفاهم الاقتصادي لتبادل المنتجات والكلأ وفترات الصراع العنيف والإغارات المتبادلة التي تعرف في العرف البدوي بالغزية وهي العلاقات البينية المعقدة التي وثقتها المؤرخة نجاة العياري في مؤلفها الريادي جلاص وأولاد عيار بين التحالف والتوتر.
وتعتبر واقعة تصفية وتشتيت قبيلة الوسالتية سكان جبل وسلات في القرن الثامن عشر المحطة الأبرز والأكثر مأساوية التي تجسد صراعات الجلاص الإقليمية وعلاقتها بالباي احسيني فقد تميز جبل وسلات بتضاريسه الوعرة التي جعلت منه حصنا طبيعيا منيعا استوعب مجتمعا فلاحيا مستقلا وقويا يقارب أربعين ألف نسمة واشتهر بإنتاج أجود أنواع الزيوت وتربية نحل العسل وتحول هذا الجبل عبر القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى ملاذ مفضل لكل الثائرين والخارجين عن السلطة المركزية.
وخلال الحرب الأهلية الحسينية الباشية التي دارت بين حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية وابن أخيه علي باشا انحاز الوسالتية بلا مواربة إلى الشق الباشي ووفروا الحماية العسكرية لعلي باشا وابنه يونس ضد حصار حسين باي الذي حاول اقتحام الجبل عام ثمانية وعشرين وسبعمائة وألف دون جدوى.
وبعد مقتل علي باشا واسترجاع الحسينيين للعرش لجأ حفيد علي باشا إسماعيل باشا إلى جبل وسلات عام تسعة وخمسين وسبعمائة وألف ليعلن الثورة مجددا ففرض
علي باي بن حسين باي حصارا خانقا على الجبل دام ثلاث سنوات قطع خلاله المؤونة عن الأهالي.
وفي عام اثنين وستين وسبعمائة وألف نجح إسماعيل باشا في الفرار نحو الجزائر تاركا الوسالتية وحيدين في مواجهة انتقام الباي.
ولما كان الباي يفتقر إلى جيش نظامي قادر على اقتحام الجبل الوعر لجأ إلى استخدام سياسة التفريق القبلي واستمالة الجلاص حيث أبرم اتفاقا استراتيجيا مع عرش الكعوب التابع لكونفدرالية الجلاص واعدا إياهم بتمكينهم من أراضي وممتلكات وجنان جبل وسلات بالكامل في حال دخلوا في حرب استنزاف وإبادة ضد الوسالتية وأسفر هذا الحلف القبلي المخزني عن اجتياح عنيف للجبل حيث هُزم الوسالتية واستسلموا لطلب الأمان إلا أن العقاب الحسيني كان راديكاليا وغير مسبوق في تاريخ الإيالة إذ أمر الباي بإجلاء السكان بالكامل وتشتيتهم في أنحاء البلاد التونسية وهدم حصونهم وقراهم ومصادرة أراضيهم ومنعهم نهائيا من حق العودة وهو ما وثقه الأكاديمي عبد الواحد مكني في كتابه شتات أهل وسلات من مائة وستين وسبعمائة وألف حتى بداية القرن العشرين.
وخلدت الفنون الشعبية مرثيات تعكس ألم التهجير القسري ومن أشهرها مرثية نا بكر شردت مع العزابة التي تغنت بها الفنانة صليحة تشبيها لحال المرأة الوسالتية المهجرة ونتيجة لهذا الحلف آلت جنان الزيتون وأراضي جبل وسلات الشاسعة لملكية قبيلة الجلاص مما غير الخارطة الجيوسياسية والديمغرافية لوسط البلاد بصفة نهائية.

تراوحت علاقة الجلاص بالمخزن الحسيني بين الاندماج النفعي والاستغلال العسكري المتبادل والتمرد المسلح الشامل عند المساس بحرياتها الاقتصادية وحقوقها المجالية
ففي فترات الاستقرار اعتمد الباي على قياد الجلاص كأدوات لضبط الأمن وجباية الضرائب من قبائل الوسط وتأمين محلة بايلك تونس وهي العلاقة الإدارية والمالية المعقدة التي سلط عليها الضوء المؤرخ لطفي عيسى في دراسته المعنونة عروش جلاص عبر مراسلات العمال والدفاتر الجبائية والمصنفات التاريخية في عهد محمد الصادق باي
إلا أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد تصدعا خطيرا في هذه العلاقة نتيجة الأزمة المالية الحادة للإيالة التونسية ووقوعها تحت طائلة الاستدانة الأجنبية
وتعتبر ثورة أربع وستين وثمانمائة وألف المعروفة بثورة باي الشعب أو ثورة العربان الهزة السياسية الأعنف التي هددت العرش الحسيني طيلة قرنين ونصف إذ اندلعت كرد فعل مباشر على قرار محمد الصادق باي بمضاعفة ضريبة الرأس المجبى لتصل إلى ستة وثلاثين ريالا تونسيا لتغطية الديون المتراكمة والفساد الإداري بقيادة الوزير الأكبر مصطفى خزندار.

بدأت حركة العصيان الجبائي والمدني بقيادة علي بن غذاهم الماجري وسرعان ما تشكل حلف قبلي عارم انضمت إليه قبائل عيار والفراشيش والجلاص وقاد حركة الثورة والتمرد داخل قبيلة الجلاص الزعيم القبلي السبوعي بن محمد السبوعي وعاضده فرج بن دحر في بطن رياح وأدت صلابة الجلاص في القيروان والسباسب إلى فرار عمال الباي عاجزين عن استخلاص الجبايات وتميزت هذه المرحلة بنضج تنظيمي لافت للقبائل حيث توحدت مطالبهم حول إلغاء ضريبة المجبى المضاعفة وإسقاط دستور عام وستين وثمانمائة وألف وإقالة مصطفى خزندار.
غير أن الوزير الأكبر واجه الثورة بسلاح الحيلة والدهاء والمكائد السياسية عوض المواجهة العسكرية المباشرة فأرسل مبعوثين يبثون الشقاق والفرقة بين القبائل عبر إغراء بعض القيادات القبلية بالعفو المخصص والأموال مستغلا النزاعات الصفية الكلاسيكية ونجحت هذه الاستراتيجية في تفتيت اللحمة القبلية مما سهل على جيش الباي بقيادة الجنرال رستم والجنرال زروق الانفراد بكل قبيلة على حدة وبعد انكسار الثورة تعرضت قبيلة الجلاص لعقوبات جماعية وحشية شملت عمليات نهب واسعة لمواشيهم ومصادرة أراضيهم وتعيين قادة قساة لضبطهم وسيق مئات من مشايخ وأعيان الجلاص والقبائل الأخرى مسلسلين من أعناقهم إلى بطحة باردو حيث أقيمت لهم حفلات تعذيب علنية بالضرب بالفلقة حتى الموت تحت أنظار حريم القصر الصادقي والمماليك المتشمتين في مشاهد روعت أهالي الإيالة وثبتت سلطة الباي بالحديد والنار.
ولم تكد القبيلة تضمد جراحها من تداعيات ثورة المجبى حتى وجدت نفسها أمام تحد وجودي أكبر تمثل في الغزو الفرنسي العسكري للإيالة عام واحد وثمانين وثمانمائة وألف فعقب توقيع محمد الصادق باي لمعاهدة باردو في الثاني عشر من ماي من ذلك العام والتي فرضت بموجبها الحماية الفرنسية على البلاد تفجرت موجة غضب عارمة سادت القبائل التونسية التي اعتبرت خطوة الباي خيانة صريحة وبيعاً للبلاد للمستعمر الأجنبي وانطلقت الشرارة من الشمال الغربي والجنوب وشكلت قبائل جلاص والهمامة و السواسي والنفات حائط الصد العسكري الأساسي في مواجهة قوات الاحتلال وهو الدور الاستراتيجي الذي وثقه الدكتور محمد حماص في مؤلفه الاستعمار الفرنسي وقبائل الوسط والجنوب بالبلاد التونسية.
وحيث تزعم المقاومة في الوسط التونسي القائد العسكري لفرسان الجلاص علي بن عمارة الجلاصي بمعاضدة قايد الجلاص أولاد إيدير الحاج حسين بن مسعي وشكل الجلاص حلفا عسكريا قويا مع قبيلتي السواسي وأولاد سعيد وحشدوا قوة فرسان نظامية وبدوية بلغت حوالي ستة آلاف مقاتل مجهزين بالخيول والأسلحة الخفيفة كالمكاحل والسيوف وخاض هذا التحالف القبلي مواجهات شرسة عطلت تمدد ماكينة الحرب الفرنسية لعدة أشهر وأثبتت خطأ حسابات قائد جيش الاحتلال الجنرال فورجمول دي بوستكينار الذي ظن أن احتلال تونس سيكون مجرد نزهة عسكرية.
تعتبر معركة برج حفيظ قرب مدينة الحمامات التي دارت بين السادس والعشرين والثامن والعشرين من أوت عام واحد وثمانين وثمانمائة وألف أولى المواجهات العسكرية الكبرى التي أبان فيها فرسان الجلاص عن براعة قتالية فائقة حيث باغت فرسان القبائل معسكرا متقدما للجيش الفرنسي وكبدوه خسائر فادحة وتلا ذلك خوض معركة كدية الحلفاء البطولية في الخامس والعشرين من أكتوبر من نفس السنة حيث واجه فرسان الجلاص والهمامة قوات فرنسية متفوقة عسكريا تمتلك المدفعية الحديثة والأسلحة المتطورة
ورغم عدم تكافؤ ميزان القوى أبدى فرسان القبائل صمودا استثنائيا وسقط في صفوف قوات الاحتلال ما لا يقل عن عشرين جنديا فرنسيا وفق اعترافات المؤرخ العسكري الفرنسي بروش.
وتواصلت المعارك طيلة سبعة أشهر من الكر والفر كبدت فرنسا خسائر بشرية موثقة بلغت أكثر من سبعمائة واثنين وثمانين جنديا وضابطا قتيلا إلا أن احتلال مدينة صفاقس بعد قصف مدفعي بحري مكثف وتأسيس مجلس دفاع وطني بقيادة محمد الشريف وانسحاب المقاوم الشهير علي بن خليفة النفاتي لتنظيم الصفوف في الجنوب واجتياح مدينة القيروان العاصمة الروحية والعسكرية للجلاص دون قتال في الثامن والعشرين من أكتوبر بعد حشد فرنسي ضخم ضم اثنين وثلاثين ألف جندي وستة آلاف حصان أدى في النهاية إلى انكسار المقاومة المنظمة وتراجع الفرسان نحو الجنوب والتراب الليبي لمواصلة الكفاح بأساليب أخرى.

إن المسيرة التاريخية الطويلة لكونفدرالية الجلاص تختزل في طياتها ديناميكيات التحول الاجتماعي والسياسي في شمال إفريقيا والبلاد التونسية بشكل خاص حيث تمثل هذه القبيلة نموذجا ساطعا للقبائل الأمازيغية اللواتية الزناتية التي انخرطت مبكرا في عملية تعريب ثقافي ولغوي واسع النطاق بهدف التماهي مع مراكز القوة الإسلامية في القيروان
ورغم فقدان أغلب فروعها للسان الأمازيغي لصالح العربية فإن الجينات الأبوية والأسماء العشائرية والجيوب اللغوية المحفوظة في تكرونة وزريبة وجرادو بقيت شاهدا حيا على الجذور البربرية العميقة للقبيلة وأظهرت الجلاص مرونة جيوسياسية عالية في التعامل مع المخزن الحسيني
إذ تحالفت مع السلطة لتصفية خصومها التقليديين وحيازة مجالاتهم الحيوية كما في نكبة الوسالتية لكنها لم تتوان عن قيادة ثورات عارمة ضد نفس السلطة عندما هددت الجباية المجحفة وجودها الاقتصادي واستقلالها الرعوي كما في ثورة المجبى.
كما عكس انقسام الجلاص بين قبالة فرسان ومغاوير وظهارى رعاة ومستقرون قدرتها العالية على التكيف الاقتصادي والاجتماعي مع تقلبات البيئة السهبية وشكلت هجراتها الداخلية نحو تونس العاصمة والساحل والخارجية نحو ليبيا قنوات لنقل ديمغرافي وثقافي هام أسس لعائلات عريقة واصلت حمل مشعل هذه الهوية القبائلية المركبة والمتميزة في تاريخ المنطقة الشامل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال