بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

دم غريب في عروق الثورة: السيليغان واليد السوداء التي جلدت تونس بالوكالة

2026-05-30 59 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
دم غريب في عروق الثورة: السيليغان واليد السوداء التي جلدت تونس بالوكالة
تستيقظ الذاكرة الجماعيّة للشعوب أحيانا كجهاز رادار بدائي يستشعر الخطر الكامن في الحاضر عبر ظلال الماضي الصادمة لتجد تونس اليوم نفسها في مواجهة عارية مع جرح غائر في جسد تاريخها المعاصر، جرحٍ يرفض الشفاء لأن خيوطه لم تغزل من فراغ بل نسجت بدم الأهالي النازف ودموع الاغتراب القسريّ.

لم يكن استدعاء التاريخ الكولونيالي في السياقات الراهنة مجرد ترف فكري أو نبش في القبور بل هو محاولة جسورة لتفكيك عقد نفسية وتراكمات عميقة شكلت نظرة الإنسان التونسي إلى الآخر الوافد من جنوب الصحراء الكبرى والساحل الإفريقي.

ويعود هذا التداخل التاريخي المذهل إلى سياسات عسكرية بالغة المكر انتهجها الاستعمار الفرنسي بالإيالة التونسية حين عمد إلى تمديد هيمنته عبر استقدام قوات عسكرية من مستعمراته الإفريقية الأخرى وهي القوات التي طبعت في الذاكرة الشعبية باسم السيليغان كتحريف محليّ للمشاة السنغاليين.

التوظيف الجيوسياسي لهذه الذاكرة يستند إلى بنية انتشار عسكري قديم وأدوار قمعية دموية في المحطات الوطنية الكبرى حيث تأسست عقيدة تجنيد هذه القوات على أطروحة القوة السوداء التي صاغها الجنرال الفرنسي تشارلز مانجين في مطلع القرن العشرين بهدف تعويض النقص الديمغرافي العسكري الفرنسي في مواجهة الخصوم الأوروبيين.

ولم تكن هذه الوحدات مجرد وقود للمعارك على الجبهات الأوروبية بل جرى توظيفها بانتظام كقوة إخضاع وبطش صلبة داخل المستعمرات.

وكان وراء هذا الاختيار ذكاء استعماري فالقيادة الفرنسية كانت تدرك أن استخدام جنود من شمال إفريقيا قد يوقظ تعاطفا متبادلا مع السكان المحليين في أوقات الانتفاضات بفعل الدين أو الجغرافيا في حين كان مجندو جنوب الصحراء الذين لا يتحدثون العربية ولا يملكون روابط قرابة أو ثقافة مع الأهالي يمثلون أداة تنفيذية صارمة ومعزولة تماما عن المحيط الاجتماعي التونسي مما يجعلهم سوطا بلا عاطفة في يد المستعمر.

وارتبط اسم السيليغان في الذاكرة التاريخية بسلسلة من المحطات الدامية التي ترك فيها العنف المفرط ندوبا لا تمحى في المخيال الشعبي. وتلوح أحداث التاسع من أفريل 1938 كمنعرج الدم الأكبر في مسار الحركة الوطنية نحو المطالبة بالبرلمان التونسي.

فعندما عجز البوليس المدني عن كبح جماح الشارع الثائر في الحلفاوين ورحبة الغنم أعلنت السلطات الاستعمارية حالة الطوارئ ودفعت بفصائل الفوج العاشر للمشاة السنغاليين لتطويق المحتجين. وهناك في قلب العاصمة أبدى هؤلاء الجنود حزما مفرطا وقسوة بالغة في إطلاق الرصاص المباشر على الجموع العزّل في باب سويقة والقصبة وباب الجزيرة.



وفي الوقت الذي سعت فيه الرواية الرسمية الفرنسية إلى تقييد التسجيل بالوفيات المباشرة داخل المستشفيات لتجنب الإدانة الدولية مدعية سقوط 22 شهيداً فقط كانت الذاكرة الشعبية والوطنية تحصي ما يقارب 200 من الأجساد التي تهاوت في دقائق معدودة واضطر الأهالي لدفن مئات الجرحى سرا في عتمة الليل خوفا من الملاحقات والمحاكم العسكرية.

ولم تتوقف حدود هذه المواجهة عند الحواضر المدنية بل زحفت إلى عمق الأرياف والقرى الجبلية. فمع اندلاع الكفاح المسلح وقيام خلايا الفلاة بضرب المصالح الكولونيالية ضرب الجيش الفرنسي طوقا عسكريا خانقا على الشمال الغربي والوسط التونسي.

وفي سنة 1954 شهدت جهتا الكاف وسليانة عمليات تمشيط واسعة النطاق شاركت فيها قوات المشاة الإفريقية كطليعة خشنة تقتحم البيوت الآمنة وتصادر الأرزاق والمؤونة وتتلف المحاصيل الزراعية وتقطع الأشجار لمنع تحصن الثوار بها وصولا إلى إجراء إعدامات ميدانية سريعة لترهيب السكان وقطع دابر الدعم الشعبي عن المقاومة المسلحة.



وفي صحراء الجنوب وتحديدا في بلدة دوز يبرز إعدام المقاوم الشهيد علي باللطيف المرزوي كتراجيديا حية تخلدها الذاكرة الشعبية والشعر البدوي. ففي غياب التدوين الرسمي الكولونيالي الذي يطمس هويات الثوار تحول الشعر الشعبي الملحون في منطقة المرازي إلى أرشيف مواز وثق اللحظات الأخيرة للشهيد بدقة بصرية ونفسية مذهلة.

خلد الشاعر القومي التونسي علي الأسود المرزوي مشهدية الإعدام حين سيق البطل في وضح النهار ليكون عبرة لعشيرته فتوضأ وصلى ووحد السبحان ووقف على العرصة رافضا التكتيف أو عصب عينيه بكبرياء وطني يقلب موازين القوة ويجعل من الضحية رمزا شامخا والجلاد باهتا.

وثق الشاعر صراحة هوية فرقة الإعدام المكونة من 12 مجندا من ذوي البشرة السوداء مشيراً إليهم بلفظ وصفان وهو التعبير اللفظي التاريخي الذي استخدمه الأهالي آنذاك للإشارة إلى أولئك المجندين ليفضح السياسة الفرنسية الممنهجة في استخدام القوات الاستعمارية لتفادي إحداث صدمة نفسية لدى الجنود الفرنسيين وتعميق الشقاق بين الشعوب الخاضعة للاحتلال.

وجاء الوصف الدموي الصادم في نهاية الملحمة ليعبر عن قسوة المقذوفات التي تركت جسد الشهيد تفاتيف أمام عيون ذويه مما رسخ صدمة نفسية عابرة للأجيال.



إن فهم أسباب هذه القسوة المفرطة يتطلب تفكيك البنية النفسية المعقدة للآلة الاستعمارية والتي حولت هؤلاء الجنود إلى ضحايا وجناة في الوقت عينه فلم يكن غالبية السيليغان متطوعين برغبتهم الحرة بل كان الكثير منهم يساقون قسرا عبر صفقات تجنيد مجحفة مع زعماء القبائل في غرب إفريقيا أو تحت تهديد الملاحقة والضرائب الاستعمارية المفروضة على عائلاتهم. أُلقي بهؤلاء الرجال في بيئات غريبة تماما عنهم لغويا وثقافيا ومناخيا وعاشوا تجربة اغتراب مريرة وسط الثكنات الشاقة وعمدت الإدارة العسكرية الفرنسية إلى ترسيخ هرمية وهمية للتفوق العرقي والاجتماعي تصوّرهم كنخبة عسكرية متفوقة على الأهالي المحليين شمال إفريقيا مما ولد لديهم نزعة عدوانية تعويضية تمثلت في التنفيس عن غضب الاغتراب والاضطهاد على حساب الفئات الأضعف وهم السكان العزّل في القرى التونسية.

لم تكن نهايتهم أقل مأساوية فبمجرد انتهاء الحروب تخلصت منهم فرنسا بلا رحمة ولعل أبشع دليل على ذلك هو مجزرة معسكر ثياروي في السنغال في ديسمبر 1944حين فتح الجيش الفرنسي النار على المئات من السيليغان العائدين من معارك تحرير فرنسا لمجرد مطالبهم بمستحقاتهم المالية ومعاشاتهم المتأخرة مما يثبت أنهم استخدموا كوقود رخيص للمعارك ووسيلة لقمع شعوب أخرى تكافح من أجل نيل حريتها قبل أن تطالهم آلة القتل ذاتها.

اليوم وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتدفقات الهجرة غير النظامية من جنوب الصحراء نحو تونس تستيقظ هذه الذاكرة النائمة من مرقدها لتعمل كجهاز رادار شعبي مشحون بالهواجس الأمنية والديمغرافية.

وعندما يستشعر العقل الباطن الجماعي مخاطر الحاضر فإنه يعيد أحيانا استحضار صور السيليغان الذين دخلوا القرى سابقاً كقوة غازية ومخربة للأرزاق والمحاصيل و يعاد إسقاط صفات القسوة وانقطاع الرحمة التي خلدتها المأثورات الشعبية على الوافدين المعاصرين مما يخلق جدارا سيكولوجيا يعوق إمكانية بناء حوار إنساني وقانوني موضوعي حول ظاهرة الهجرة المعاصرة وجذورها الاقتصادية والجيوسياسية المعقدة.

يظهر هذا التداخل بوضوح في المسكوت عنه ضمن الرواية الوطنية الرسمية التي تلت الاستقلال حيث ركزت الدولة الحديثة على بناء هوية قومية متجانسة وحذفت من المناهج الرسمية التفاصيل الدقيقة للتنكيل الريفي والقبلي لتسهيل الاندماج وبناء العلاقات الدبلوماسية مع الدول الإفريقية الناشئة. غير أن هذه السياسة التعليمية أدت إلى بقاء الذاكرة الشفوية حية بعيدا عن الرواية الرسمية تظهر وتطفو على السطح بقوة في الأوقات التي تشهد فيها البلاد أزمات ديمغرافية وأمنية معقدة.

إن إعادة الاعتبار للتاريخ الشفوي والشعر الشعبي واعتباره مصدرا تاريخيا ومادة مرجعية تعكس سيكولوجية المقاومة الشعبية وتثري المناهج التعليمية بفصول كانت متروكة في دائرة النسيان لأسباب سياسية ودبلوماسية سابقة يظل الخطوة الأساسية والضرورية نحو استرداد كرامة الذاكرة وصناعة المستقبل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال