بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من يرسم الخريطة يرسم المصائر

2026-05-29 66 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من يرسم الخريطة يرسم المصائر
تتداخل الخرائط في تونس كما تتداخل مصائر البشر
ليست الحدود الترابية مجرد خطوط جافة رسمها مهندسو الإدارة في غرفهم المغلقة بل هي جروح حية على جسد الجغرافيا وشهادات صامتة على صراع لم يهدأ يوما بين طموح الدولة المركزية الصارم وعناد القبيلة التي ترفض غمد الهوية.
عندما ننظر إلى الخارطة التونسية اليوم لا نرى مجرد ولايات وأقاليم بل نرى مسرحا لعملية جراحية كبرى استمرت عقودا كان الهدف منها صهر الذوات المحلية في بوتقة الدولة الوطنية وتفكيك عرى العشيرة لإنتاج المواطن الحديث
غير أن هذه الهندسة المعقدة كثيرا ما زاغت عن مقاصدها لتتحول من أداة إنصاف وتنمية إلى آلية فرز وهيمنة
رسخت جغرافيا التفاوت وخلقت تونسين:
تونس الساحل والمركز وتونس الداخل والأطراف.

في البدء كانت الجغرافيا ابنة القبيلة وكان التراب حيا يتحرك بحركة المواشي ومواسم المطر.
في العهد الحسيني لم تكن الدولة تبحث عن رعايا بقدر ما كانت تبحث عن دافعي ضرائب ومحاربي احتياط.
كانت القيادات 70 التي تقسم البلاد بمثابة إقطاعيات جبائية وأمنية يديرها وجهاء يعينهم الباي وتحتهم شيوخ عروش يديرون المشيخات التي كانت النواة الحقيقية للحياة اليومية.
لم تكن الحدود الإدارية تفصل بين أراض بل بين بطون وعشائر وكان العرش أو الدّوار هو الوطن الحقيقي للوعي الجمعي.
حين جاء الاستعمار الفرنسي التفتت عبقريته البيروقراطية الباردة إلى هذا النسيج فلم يشأ تدميره فورا بل عقلنه ليخدم مصالحه. اختزل الفرنسيون القيادات إلى 36 وقسموا البلاد بمعيارين لا ثالث لهما: الربح والأمن.
في الشمال الخصيب والمناطق المنجمية حيث الأرض تدر قمحا وفسفاطا وحيث المستوطنون يبنون حيواتهم رُكز نظام المراقبات المدنية المحكم ونمت البلديات مبكرا لتسهيل الاقتصاد الاستعماري.
أما في الوسط والجنوب الشاسعين حيث الريح والرمال وعناد البدو فقد ساد قانون العسكر تحت مسمى الشؤون الأهلية وتحول ضباط الاستخبارات الفرنسية إلى علماء أنثروبولوجيا يفتشون في أرشيف القبائل لا حبا في تاريخها بل بحثا عن مكامن قوتها لتثبيتها قسرا وضمان سكون الحدود المتاخمة للجزائر وطرابلس.
حين أعلنت تونس استقلالها في 20 مارس 1956 التفت الحبيب بورقيبة زمام المبادرة برؤية تحديثية قاطعة لا تقبل التردد أو الحلول الوسطى.
كان يرى في العروشية والروابط القبلية مرضا بنيويا يهدد كيان الدولة الناشئة وعائقا يحول دون ولادة الأمة الموحدة.
لم يكن بورقيبة يطيق وجود ولاءات موازية لولاء الدولة لذلك جاء الأمر العلي في 21 جوان 1956 كزلزال إداري ألغى نظام القيادات والمشيخات بضربة قلم واحدة ليحل محله نظام الولايات 14 الأصلية المقسمة إلى معتمديات وعمادات.
كان المسكوت عنه في هذا التفكيك الهائل هو بتر الوجاهات التقليدية؛ حيث تم عزل 38 شيخ قبيلة و49 كاهية و77 خليفة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العزل والتعيين بل امتدت يد الإدارة لمحو الذاكرة البصرية والمكانية فغيرت أسماء الحواضر والولايات لقطع حبل السرة مع الماضي القبلي.
هكذا اختفت سوق الأربعاء لتصبح جندوبة في 31 ماي 1966محوا لاسم العرش القديم وتحول الوطن القبلي إلى
ولاية نابل في 17 سبتمبر 1964 بعد أن نقل مركزها مؤقتاً إلى قرمبالية منذ 25 سبتمبر 1957 لإحكام القبضة الأمنية وذابت ولاية سوسة الكبرى لتتحول لاحقا إلى كيانات أصغر لتفتيت ثقلها الإقليمي.
ولم تكن هذه الهندسة مجرد تقسيم تقني للمرفق العام بل كانت عملية صهر اجتماعي وثقافي وظفت فيها الدولة أدوات قانونية واقتصادية بالغة القسوة والذكاء.
عمد واضعو الخرائط في وزارة الداخلية إلى رسم حدود الولايات بكثير من المكر الإداري فتعمدوا فصل بطون العشائر الكبرى وتوزيعها على وحدات إدارية متباعدة لحرمانها من القدرة على الحشد الجغرافي والرمزي ضد المركز.
هكذا جرى تفتيت كنفدرالية ورغمة بالجنوب الشرقي
ذلك الحلف العشائري الأمازيغي والزناتي الهائل الذي كان يمتد من قابس إلى الحدود الليبية فدمجت عروشه أولا في مدنين قبل أن تعود الدولة وتفصل تطاوين وقبلي لقطع دابر أي استقواء بالعمق الصحراوي.
وعلى النحو نفسه تشتت نفوذ قبيلة جلاص بالوسط الشرقي بين القيروان وسوسة وتوزعت فروع قبيلة الهمامة بالوسط الغربي كأولاد رضوان وأولاد عزيز بين سيدي بوزيد و فصة لقطع عروق التضامن القبلي التقليدي بينما جرى تفكيك نفوذ قبائل أولاد عيار وأولاد عون في المرتفعات الغربية لصالح سليانة والكاف.
وفي ذروة هذا الهجوم التحديثي صدر قانون الألقاب العائلية في 26 ماي 1959 ليكون السلاح القانوني الذي بتر شجرة النسب العمودي للقبيلة.
فرض القانون عقوبات زجرية تصل إلى السجن لمدة عام وبخطية مالية قدرها 240 دينارا على كل من يتقاعس عن تقديم التصريح قبل غرة ديسمبر 1959 ومنع منعا باتا اتخاذ أسماء القبائل الكبرى كألقاب رسمية وفرض دمج السوابق التقليدية مثل بن وأبو فيما تسبقها من ألقاب لتغيير جرس الاسم ونطقه.
هكذا استبدلت الدولة الهوية العمودية القائمة على الدم والرحم بهوية أفقية مسجلة في دفاتر الحالة المدنية بالبلديات ليصبح الفرد مواطنا معزولا في مواجهة جهاز الدولة المعولم.
وتكامل هذا الحصار القانوني مع ضرب القاعدة الاقتصادية للقبيلة عبر تصفية الأراضي الاشتراكية أو الجماعية التي كانت تمسح نحو 3 ملايين هكتار من أخصب المراعي والأراضي أي ما يعادل 1/5 مساحة البلاد و1/3 الأراضي الصالحة للزراعة. و باسم العصرنة حولت الدولة هذه العقارات المشاعية إلى ملكيات فردية تخضع لآليات السوق مما أنهى الاستقلال الاقتصادي للعشيرة لكنه فتح في الوقت ذاته جرحا غائرا من النزاعات العقارية الدامية بين العروش كالتي اندلعت وتتجدد بين المرازي في دوز والحوايا في بني خداش حول أراضي الظاهر والعين السخونة بسبب التحديد الإداري القسري الذي تجاهل الحدود العرفية المتوارثة للمراعي ومنابع المياه.
ومع مرور العقود لم تبق الخارطة الإدارية ساكنة بل تمددت من 14 ولاية إلى 24 ولاية بحلول عام 2000 تحت وطأة هواجس سياسية وأمنية بالغة الحساسية والتعقيد.
تفكيك دوافع إحداث بعض الولايات يكشف كيف كانت الإدارة أداة لاحتواء الأزمات وتطويق التهديدات الجيواستراتيجية. في 5 جوان 1974 فككت السلطة ولاية سوسة الكبرى بموجب القانون عدد 8 لسنة 1974 لتولد منها ولايتا المنستير والمهدية ورغم الصغر المفرط لمساحة المنستير التي تمسح 1019 كلم² فقط إلا أن هذا التقسيم عكس محسوبية جهوية سافرة ونفوذا هائلا للنخبة الدستورية الحاكمة فحظيت ولاية الوزراء باستثمارات عمومية وبنية تحتية ضخمة على حساب الداخل المحروم.

أما في الجنوب فقد جاءت الهزات الأمنية العنيفة لتعيد رسم الخريطة خصوصا بعد الهجوم المسلح على مدينة فصة في جانفي 1980 من قبل معارضين مدعومين من ليبيا. كشفت تلك الحادثة عن عجز السيطرة الإدارية على الصحراء الشاسعة فسارعت الدولة إلى إعادة إحداث ولاية توزر في 1980 لتشديد الرقابة على الواحات الغربية المتاخمة للجزائر
وتأسيس ولايتي قبلي وتطاوين في 1981 لفرض شبكة أمنية ومراقبة لصيقة على الحدود لمنع التسلل والتهريب ولجم تحركات بدو الصحراء.
وحتى إقليم العاصمة لم ينج من هذا الهوس الأمني حيث فككت السلطة تونس الكبرى بين عامي 1983 و2000 إلى 4 ولايات هي تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة خوفا من تشكل سلطة بلدية أو جهوية موحدة وعملاقة تملك من النفوذ ما ينافس قصر قرطاج مما أدى في النهاية إلى تشتيت التخطيط العمراني وعشوائية التهيئة الترابية.
وفي كل هذه التحولات ظل الوالي هو اليد الحديدية للمركز بموجب الفصل 12 من أمر 1956 يتمتع بسلطات مطلقة للإشراف والرقابة على الجماعات المحلية ويملك وحده حق الاستعانة بالقوة العامة والجيش لقمع الاضطرابات وحفظ الأمن مما كرس مركزية القرار وتابعية الأطراف.

هذا التطور الإداري المشوه أفرز واقعا سوسيولوجيا واقتصاديا شديد القتامة تجسد في أطروحة الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكافئة .
الدولة الوطنية لم تقطع مع السياسات الترابية للاستعمار الفرنسي بل أعادت إنتاجها بذكاء ونخبوية حيث تعاملت الدولة المركزية مع ولايات الداخل كخزانات جغرافية لاستخراج المواد الأولية دون تدوير قيمتها المضافة محليا.

يستخرج الفسفاط من فصة والنفط والغاز من صحاري تطاوين وقبلي وتنتج الحبوب والمياه من باجة وجندوبة وسليانة والزيتون من سيدي بوزيد لكن هذه الخيرات تنقل خاماً عبر شبكات نقل مهيأة لتصنع وتصدر في الموانئ والمناطق الصناعية بالشريط الساحلي كالعاصمة وصفاقس وسوسة وبنزرت وقابس.
هذا السلوك الاقتصادي أفرغ ولايات الداخل من ثرواتها وأبقاها في حالة تبعية وفقر مستمر خصوصا وأن الدولة وجهت تاريخياً ما يقارب 80% من إجمالي الإنفاق العمومي والاستثمارات التنموية الكبرى نحو المدن الساحلية مما خلق فوارق صارخة في مؤشرات التنمية ورسخ شعورا عميقا بالإقصاء والدونية لدى سكان الأطراف وخلخل إحساسهم بالمواطنة.
ولمواجهة هذا الاحتقان المتزايد ومنع الانفجارات الاجتماعية اتبعت الدولة سياسة الإدماج السلبي وهي سياسة تقوم على تقديم فتات الإعانات الاجتماعية وغض الطرف الممنهج عن الاقتصاد غير المهيكل كالتهريب عبر الحدود والتهرب الجبائي كتعويضات غير رسمية تمنحها الدولة لولايات الداخل لتبقيها عند حد الكفاف دون حاجة لاستثمار حقيقي في البنية التحتية.
وفي تحول جذري ومفاجئ للمسار الترابي أصدر رئيس الجمهورية في 21 سبتمبر 2023 الأمر الرئاسي عدد 589 المتعلق بتحديد تراب أقاليم الجمهورية ليقسم البلاد للمرة الأولى في تاريخها إلى 5 أقاليم كبرى تمتد عرضياً من الغرب إلى الشرق في محاولة لكسر العزلة التقليدية للمناطق الداخلية عبر ربطها بالأفق البحري ومنافذ التصدير
باستثناء الإقليم الثاني الذي يضم تونس الكبرى وزغوان ونابل كقطب إداري ومالي متطور يحافظ على أدنى نسبة فقر بالبلاد لا تتجاوز 9% فقط. ورغم الوعود الرسمية بأن هذا التقسيم الأفقي سيحقق التكامل الاقتصادي والحد من اسوحلة إلا أن القراءات النقدية والتحليلات الجيوسياسية تكشف عن مآزق بنيوية وثغرات كبرى تهدد بإفراغ هذا المشروع من جدواه التنموية.
برز هذا التقسيم بعجالة فرضتها الأجندة السياسية للبناء القاعدي وموعد انتخابات المجالس المحلية في 24 ديسمبر 2023 لبناء الغرفة التشريعية الثانية المتمثلة في المجلس الوطني للجهات والأقاليم وجاء هذا التحول الفوقي بمعزل عن نقاش ديمقراطي تشاركي أو دراسات جدوى اقتصادية واضحة.
هذا المشروع ليس سوى تقسيم عادل للفقر فدمج ولايات الداخل الفقيرة مع ولايات الساحل في الأقاليم الأخرى أدى إلى تقارب معدلات الفقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 18% و23%، فالإقليم الأول يضم بنزرت وباجة وجندوبة والكاف بنسبة فقر 20%، والإقليم الثالث يضم سليانة وسوسة والقصرين والقيروان والمنستير والمهدية بنسبة فقر 18%، والإقليم الرابع يضم توزر وسيدي بوزيد وصفاقس وقفصة بنسبة فقر 21%، والإقليم الخامس يضم تطاوين وقابس وقبلي ومدنين بنسبة فقر 23%، وكل هذا في ظل غياب طرقات سريعة أو شبكات سكك حديدية تربط حقيقة بين أطراف الإقليم الواحد كالصرين والمنستير أو توزر وصفاقس.
ويصطدم هذا المسار بفراغ مالي قاتل بموجب الفصل 3 من المرسوم الرئاسي الذي نص على أن تضع الولايات وسائلها الشحيحة تحت تصرف مجالس الأقاليم مما يهدد بشلل هذه المجالس في ظل أزمة مالية خانقة تعيشها الدولة فضلا عن غياب قانون أساسي يوضح بدقة الصلاحيات ويمنع تنازع الأدوار بين مجالس الأقاليم والبلديات والولاة مما قد يسفر عن تعقيد البيروقراطية وتعطيل الاستثمار بدلاً من دفعه.

القراءة المتكاملة للجغرافيا السياسية للمجال التونسي تكشف في النهاية عن حقائق سوسيولوجية وجيواستراتيجية لا يمكن التغاضي عنها فقد ظلت الهواجس الأمنية وتأمين السلطة وتفكيك البنى الاجتماعية التقليدية مقدمة دوما على هواجس التنمية والعدالة بين الجهات.
وإذا كانت الدولة التحديثية قد نجحت باقتدار في تصفية البنى القبلية وإبطال العروشية بأدواتها القانونية والإدارية الفتاكة فإن هذا التفكيك لم يقابله دمج حقيقي لسكان الداخل كمواطنين كاملين بل أنتج تهميشا هيكليا حول أطروحة الاستعمار الداخلي وتلازم السلطة والثروة إلى واقع معيش ومحرك أساسي للانتفاضات المتواترة.
واليوم يقف مشروع الأقاليم الجديد عند مفترق طرق خطير فإما أن يتدارك عيوبه البنيوية عبر توفير التمويل الحقيقي والبنية اللوجستية التي تربط الجغرافيا بالبشر أو يظل مجرد هندسة ورقية أخرى تضاف إلى سجل المحاولات الإدارية التي حاولت صياغة المجال التونسي من الأعلى دون أن تلامس جذوره الضاربة في أعماق الأرض والتاريخ.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال