وحين سقط العرش الأغلبي في رادة في مطلع القرن الرابع الهجري تحت سنابك خيل قبائل كتامة التي قادها أبو عبد الله الشيعي اعتقد الكثيرون أن هذه البلاد قد استسلمت لقدرها الجديد وأن عبيد الله المهدي حين وضع حجر الأساس لعاصمته المهدية المحصنة بالصخر والأسوار قد أغلق قفل التاريخ على رعايا لا يملكون سوى الامتثال.
لكن المظاهر في هذه الربوع شديدة الخداع فما كان يتبدى استقرارا وهيمنة للدولة الفاطمية الناشئة لم يكن في واقعه سوى غليان مكتوم تحت رماد الجباية المفرطة والقمع العقائدي.
جاءت الخلافة الجديدة بيوتوبيا خلاصية تعد بالعدل والإنصاف ورفع مظالم العباسيين والأغالبة لكنها سرعان ما تحولت على أرض الواقع السوسيو سياسي إلى آلة جباية عاصفة وعنيفة تُجرّد الفلاح والتاجر والبدوي من لقمة العيش لتمويل البلاط الفاخر وعواصم الإمبراطورية الجديدة وجيوش التوسع.
كان هذا الانفصام البنيوي الحاد بين مستوى باطني واعد ومستوى ظاهري قاهر هو الذي مهد لانفجار اجتماعي كسر طوق الصمت واستنهض الهوية المحلية المكبوتة.
في هذا المشهد المأزوم ولدت ثورة منصور بن أبي غشام الفصامي، الشخصية الإشكالية التي عمدت الحوليات الرسمية والمدونات الفاطمية إلى حشرها في زاوية النسيان ونعتها بلقب منصور المرتد لخلق إزاحة دينية لتمرد
سوسيو اقتصادي في جوهره.
في المفهوم السياسي للدولة الفاطمية لم يكن العصيان مجرد خروج على حاكم زمنى بل كان خروجا عن الإيمان المتمثل في طاعة الإمام المعصوم فغدت عقوبة الردة الغطاء الفقهي الأيديولوجي الذي يبرر سحق الخصوم ومصادرة أملاكهم وإهدار دمائهم بلا أدنى تحرج ملغية كل نقاشات المدارس الفقهية الكلاسيكية كالشافعي والأوزاعي والثوري التي كانت تضع شروطا صارمة للاستتابة وتحمي الدماء والجراحات وتضبط سلطة العقاب.
تجلى الذكاء التاريخي والسياسي لمنصور الفصامي في قدرته الفريدة على التقاط لحظة التناقض الصارخ داخل بنية الدولة الناشئة فلم يكن تحركه مجرد انتفاضة قبلية معزولة بل كان هندسة لتحالف اجتماعي وسياسي عريض تلاقت فيه أطراف لم يكن يظن أحد أنها قد تجتمع يوما على صعيد واحد.
تمكن الفصامي من اختراق النواة الصلبة للدولة الفاطمية بربط جسور التواصل مع فئات واسعة من قبائل كتامة البربرية نفسها ،تلك القبيلة التي كانت اليد الضاربة للمهدي لكنها أصيبت بصدمة وجودية وخيبة أمل مريرة بعد التخلص الغادر من الداعي التأسيسي أبو عبد الله الشيعي وشقيقه أبي العباس.
انقلبت كتامة أو أجزاء كبيرة منها على المركز بعد أن رأت وعود التحرر تتبخر لصالح مركزية مطلقة تسحق الجميع.
ولم يقف التحالف عند هذا الحد بل امتد ليتلاحم مع سكان الحواضر المستقرة ذات المذهب السني المالكي وفي مقدمتها القيروان التي جرح كبرياؤها وهُمشت مكانتها الاقتصادية والسياسية بعد نقل العاصمة إلى المهدية وعانت من وطأة القهر العقائدي الموجه ضد فقهائها وعامتها.
وانضمت إلى هذا الحلف العريض قبائل الداخل التونسي والبربر الأحرار الذين استشعروا الخطر على حرياتهم الفردية الجماعية وعلى حقولهم ومراعيهم وتجارتهم من جراء التمدد الجبائي الشرس لعمال المهدية.
صهر منصور الفصامي هذه المكونات المتباينة إثنيا وأيديولوجيا في جبهة واحدة وحاصر القيروان وسيطر على مساحات شاسعة من إفريقية مقدما بذلك النموذج التوجيهي والأول لحركات التمرد البري التي ستتلوه في شمال إفريقيا كالثورة العارمة التي قادها لاحقا مخلد بن كداد الزناتي المعروف بأبي يزيد أو صاحب الحمار في عهد القائم والمنصور.
أمام هذا الإعصار عاش البلاط الفاطمي في المهدية رعبا وجوديا حقيقيا كشف هشاشة البنية العسكرية والإدارية للإمبراطورية قبل انتقالها إلى مصر.
ولتغطية هذا الضعف وتفادي الانهيار المعنوي السيكولوجي للجند والجبهة الداخلية لجأت السلطة الفاطمية إلى تكتيكات الكتمان السياسي الصارم والتقية الإعلامية
فعندما توفي عبيد الله المهدي في المهدية عمد ابنه القائم بأمر الله إلى إخفاء موته لعام كامل وتكرر المشهد ذاته بشكل أكثر دراماتيكية حين توفي القائم نفسه أثناء الحصار الخانق الذي فرضه أبو يزيد فاختار ابنه إسماعيل المنصور التكتم على رحيل والده لأربع سنوات كاملة حتى تمكن من حسم المعارك وتصفية الثورة.
كانت سياسة التمويه هذه اعترافا ضمنيا بأن شرعية الدولة معلقة بخيوط واهية وأن زوال هيبة الحاكم الكاريزمي كان كفيلاً بإشعال كل بؤر التمرد الكامنة.
انتهت ثورة منصور بن أبي غشام الفصامي بالتفكك بفعل الدسائس والترغيب والترهيب واللعب على حبال العصبيات القبلية التي برع فيها المركز الفاطمي غير أن هذا التمرد المنسي في بطون الكتب ظل شفرة أساسية لفهم الروح التونسية عبر العصور.
إنها القراءة المبكرة التي تؤكد أن الشخصية التاريخية لهذه الأرض تملك ممانعة فطرية ضد السرديات الشمولية والمشاريع الفوقية التي تصادر الحرية واللقمة تحت مسميات القداسة وأن الهم الاقتصادي المشترك ورفض الاستبداد قادران دوما على تذويب الخلافات المذهبية والفوارق الضيقة.
دفعت هذه الثورات المتلاحقة بالخلافة الفاطمية إلى اليقين بأن إفريقية أرض عصية على التدجين لا تقبل الاستلاب ولا تمنح طاعة مستقرة مما عجل بتوجيه أنظارهم صوب الشرق والبحث عن مستقر جديد يتسع لطموحاتهم الإمبراطورية وهو ما تحقق بالفعل بالزحف نحو مصر وتأسيس القاهرة تاركين إفريقية تعود إلى عمقها وهويتها الأصلية تحت ظلال الصنهاجيين والزيريين لتستمر الحياة على هذه الأرض بطريقتها الخاصة وفية لذكراها وعصية على النسيان.
تعليق على مقال