ومع حلول عام 1671م ذلك المنعطف الذي دشن عهد الدايات لم يعد الحكم مجرد إدارة لولاية عثمانية بل تحول إلى أوليغارشية عسكرية شديدة القسوة والتعقيد تتقاسم السيادة فيها طائفتان لا تؤمنان إلا بالقوة والغنيمة:
الوجق الانكشاري بقوته البرية الضاربة ورياس البحر بزخمهم البحري الذي ملأ البحر الأبيض المتوسط رعبا وجباية.
ورغم أن الذاكرة التاريخية التقليدية غالبا ما تغلف تلك الحقبة بهالة من الفروسية البحرية والمقاومة والصمود بوجه الأطماع الأوروبية إلا أن التغلغل في مسارب تلك البنية السياسية والاجتماعية يكشف عن وجه آخر غارق في العنف الهيكلي المنهجي حيث غدت الدولة آلة لإنتاج القهر تقتات على الاستلاب الجبائي واضطهاد الأقليات والاندفاع القسري لإخضاع الجوار وتأمين بقائها المادي عبر تحويل الجغرافيا السياسية إلى حقول غنائم دائمة.
في عمق هذا النظام كان الداي يجلس على عرشه في قصر الجنينة يحيط به بهاء السلطة المطلقة شكليا لكنه يعيش في الحقيقة تفاصيل كابوس مرعب وخوف ممتد
فعرشه لم يكن يرتكز على مشروعية قانونية أو التفاف شعبي بل على حواف السيوف المتقلبة لجنود الوجق الانكشاري.
كان هؤلاء الجنود يربطون بقاء الحاكم بمدى قدرته على ملء جيوبهم وتأمين أرزاقهم بانتظام ودون تأخير فصار قصر الجنينة في آن واحد رمزا للمقصلة والمخزن ومركزا للقرار وسجنا محتملا قد ينقلب فيه العسكر على سيدهم عند أول بادرة لعجز مالي.
ولم تكن هذه المخاوف هواجس عابرة بل صاغتها الأرقام الدموية بحبر أحمر قانٍ إذ إن أربعة عشر دايا من أصل ثلاثين داي تولوا حكم الجزائر بين عامي 1671م و1818م واجهوا حتفهم اغتيالا وتصفية جسدية على أيدي جنودهم حتى غدا الاغتيال السياسي في ثكنات الوجق بمثابة الآلية المعتادة والهيكلية لتعديل الكفة المالية وتداول السلطة.
تجسد هذا العنف الغادر في نهايات مرعبة فالداي الحاج أحمد شعبان قتل خنقا عام 1695م بأيدي ميليشياته التي طالبت بغنائم مستحيلة ولم يكن خلفه الحاج أحمد بأوفر حظا إذ تذوق مرارة الموت ذاتها عام 1698م نتيجة خلافات مالية حول توزيع الصلاحيات.
وحين أخفق الداي الحاج مصطفى في حملته ضد إيالة تونس عام 1705م وتراجع أمام أسوارها لم ترحمه البنية العسكرية التي لا تغفر الهزيمة فلاحقته يد المنون وقتل ذليلا قرب كولو.
وبدا أن كل داي يحاول كسر هذا الطوق يجد نفسه أمام حرب إبادة متبادلة كما فعل بابا علي شاوش الذي استهل حكمه بتصفية أكثر من ألف جندي انكشاري ليشتري لنفسه بضع سنوات من الاستقرار القلق وكما حدث لعقود طويلة تلت عهد الأمان الذي أطلقه محمد بن بكير حيث بقيت ثكنات تلمسان وقسنطينة مراكز لتفريغ التمرد المسلح كلما شحت الخزائن وتراجعت الموارد.
هذه العقلية الاقتراسية التي حكمت الجبهة الداخلية انعكست بظلالها الثقيلة والمدمرة على العلاقات الإقليمية مع الجارة الشرقية(إيالة تونس).
نظر دايات الجزائر إلى تونس لا كجار شقيق بل كامتداد طبيعي للجباية وملحق سياسي خاضع لنفوذهم المباشر متذرعين بفضل تاريخي قديم في طرد الإسبان من الحواضر التونسية.
وكلما حاولت السلالات الحاكمة في تونس سواء في العهد المرادي أو الحسيني انتزاع استقلالها وبناء ذاتيتها السياسية كانت جيوش الدايات تتحرك كالسيل الجارف لاستباحة البلاد وإعادة رسم الخارطة بالدم والنار.
فكانت حملات عامي 1686م و1689م بمثابة اجتياح مروع للعاصمة تونس أعقبها في عام 1694م غزو أشد قسوة بقيادة الداي الحاج شعبان الذي هزم محمد باي المرادي في معركة الكاف الأولى ونصب على التونسيين حاكما مستبدا تابعا له هو ابن شيكر ليدخل البلاد في نفق مظلم من الصراعات العشائرية والأهلية.
لكن ذروة هذا التدمير المنهجي تجلت في حملة عام 1756م التي تلخص بشاعة السياسة التوسعية للوجق
مستغلا النزاع الباشي الحسيني.
سير داي الجزائر بابا علي بو سبع جيشا جرارا يقوده باي قسنطينة حسين باي الشهير بزيرق عيون.
سقطت قلعة الكاف الحصينة وتلتها مدينة باجة تحت سنابك الخيل حتى ضرب الحصار خناقه على العاصمة تونس.
وفي ليلة حزينة من ليالي سبتمبر اقتحمت القوات الجزائرية الأسوار وعاثت في المدينة نهبا وتخريبا فلم تسلم القصور والمتاجر بل طالت الأيدي الآثمة خزائن المخطوطات والكتب النفيسة في القصبة التي جمعها علي باشا وأحرقت ودمرت كشاهد على همجية اللحظة.
ولم تنج حتى المقار الدبلوماسية إذ اقتحمت القنصلية الهولندية وسُحل قنصلها فرانسوا ليفيت وجُلد بالسياط لانتزاع أمواله وسيق مع عائلته ومئات العبيد والأحرار في رحلة سبا حزينة نحو الجزائر.
وانتهى المشهد بخنق الباي علي باشا الأول وتصفية ابنه سيدي محمد باي وفرض جزية سنوية مهينة تجبر تونس على إرسال شحنات زيت الزيتون لإنارة مساجد الجزائر في تكريس مادي ورمزي للتبعية والإذلال.
وفي داخل الإيالة لم يكن الوضع الاجتماعي أقل تمزقا إذ خضعت الأقليات الدينية ولا سيما الطائفة اليهودية لنظام تمييزي صارم وقوانين ذمية مهينة فرضت عليهم لباسا مظلما يعزلهم عن المجتمع ويؤكد دونيتهم مع منعهم من الوظائف الكبرى وتحميلهم أعباء جباية جائرة.
ولم يكن هذا التمييز مجرد تراتبية اجتماعية بل تحول في أوقات الأزمات إلى صمام أمان دموي يلجأ إليه الدايات لتوجيه السخط الشعبي والانفجار العسكري بعيدا عن كراسيهم.
وجاءت مجزرة السبت الأسود في الثامن والعشرين من يونيو لعام 1805م لتكشف عن عمق هذه الهشاشة فالإيالة كانت تئن تحت وطأة مجاعة كافرة وشح في الحبوب ووجدت السلطة ضالتها في تحميل المسؤولية لشركة بكري وبوشناق اليهودية التي كانت تحتكر تجارة القمح وتحديدا شخص نفتالي بوشناق المستشار المالي المقرب من الداي وزعيم الطائفة.
في ذلك الصباح اغتال جندي انكشاري بوشناق أمام قصر الجنينة لتنطلق فورا شرارة عنف جماعي وهستيريا نهب اجتاحت حارات اليهود وأسواقهم.
وتحت ضغط الانكشارية الهائجين وقع الداي مصطفى تفويضا خطيا يبيح دماء الطائفة لتسفر المذبحة عن مقتل مئات النفوس خلال ساعات معدودات دمرت فيها الكنس ونُهبت البيوت واستُبيحت الحرمات.
ولم يشفع للداي مصطفى محاولته تهريب بعض العائلات سرا إلى تونس إذ سرعان ما انقلب عليه العسكر بعد أسابيع قليلة فخلعوه وخنقوه مع خازنداره عند باب المسجد وسحلو جثامينهم في الشوارع وسط ابتهاج العامة في مشهد تكرر بنسب متفاوتة في عامي 1815م و1830م كدليل على توطن العنف الطائفي واستخدامه كمسكن مؤقت للأزمات الهيكلية.
وعلى خط موازٍ كان اقتصاد الإيالة يرتكز في جزء كبير من حيويته على نشاط بحري هجومي يسميه الغرب قرصنة وتسميه الأدبيات المحلية جهادا بحريا لكنه في جوهره الاقتصادي كان تجارة بالبشر وسوقا ضخما للرق الأبيض.
كانت السفن تعود محملة بمدنيين أختطفوا من شواطئ إيطاليا وإسبانيا وجزر المتوسط ليقادوا إلى السوق الكبير بالعاصمة الجزائر حيث يجردون من إنسانيتهم ويعاملون كسلع حية. هناك يفحص النخاسون أجساد الأسرى ويضربونهم لإجبارهم على القفز والتأكد من سلامة عظامهم ويتأملون نعومة أيديهم فالأيدي الخشنة تعني حكما مؤبدا بالأعمال الشاقة في المحاجر وتدوير الطواحين أو التجديف في أعماق البحار تحت وطأة سوط لا يرحم وغذاء لا يتعدى الخبز اليابس أما الأيدي الناعمة فكانت تبشر بفدية مالية ضخمة ترهق كاهل عائلاتهم في أوروبا.
ومن عجزت عائلته عن افتدائه كان يرمى في البانيوات
تلك السجون المظلمة تحت الأرض حيث الموت خنقا أو مرضاً هو النهاية الحتمية وحيث كان عقاب البستناد أي الجلد على باطن القدمين حتى تتفتت اللحوم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها السجانون.
غير أن دوام الحال من المحال ومع صعود حمودة باشا إلى عرش تونس عام 1782م بدأت قواعد اللعبة التاريخية تتغير بشكل جذري.
أدرك هذا الحاكم الشاب بوعيه السياسي الثاقب أن سيادة بلاده واستقلالها لا يمكن أن يتحققا ما لم يكسر طوق الهيمنة الجزائرية وتتوقف تونس عن دفع جزية الزيت المهينة.
شرع حمودة باشا في ورشة تحديث دفاعي واسعة فأنشأ مصانع البارود وحدّث الجيش وحصن القلاع والأسوار مستعينا بوزيره القوي يوسف صاحب الطابع.
وعندما رفعت الجزائر سقف مطالبها الجبائية والترابية واجهتها تونس بالرفض القاطع لتشتعل الحرب ويلتقي الجيشان في يوليو من عام 1807م عند ضفاف وادي سراط بالقرب من الكاف.
دخل الجيش الجزائري المعركة متفوقا بالعدد والعدة ثلاثون ألف مقاتل بينهم نخبة الوجق الانكشاري يقابلهم أربعة وعشرون ألف جندي تونسي. لكن التحديث التونسي والتنظيم العسكري المتفوق وحرمة الدفاع عن الأرض قلبت الموازين فتحققت في وادي سراط هزيمة مدوية سحقت كبرياء الجيش الجزائري وتشتتت فلوله في الأرياف تاركين وراءهم آلاف القتلى والأسرى.
ولم تقتصر الهزيمة على البر بل امتدت إلى البحر حيث انكسرت الأساطيل الجزائرية في جربة وطبرقة وحلق الوادي لتكتب معركة وادي سراط السطر الأخير في كتاب الوصاية الجزائرية على تونس وترسم الحدود السياسية بين البلدين بالبارود والسيادة المستقلة.
هذه الانكسارات الخارجية تزامنت مع تآكل داخلي متسارع لبنية المجتمع في إيالة الجزائر فنظام الحكم اعتمد على استقطاب انتهازي لبعض القبائل التي سميت قبائل المخزن ووظفها لضرب وقهر وإخضاع قبائل الرعية في الدواخل والجنوب وفرض ضرائب تصاعدية خانقة أورثت حقدا دفينا ومكبوتا لدى الأغلبية الساحقة من السكان تجاه النخبة الحاكمة من الأتراك والكراغلة.
وتفجرت هذه التناقضات في العقود الأولى من القرن التاسع عشر عبر ثورات صوفية وعشائرية عارمة مثل حركة الطرق الدرقاوية والتيجانية التي هزت أركان النظام العسكري وهشمت ما تبقى من لحمته الاجتماعية.
وحين اقتربت ساعة الحقيقة ونزلت القوات الفرنسية في سيدي فرج عام 1830م لم تجد أمامها مجتمعا متماسكا يلتف حول راية الداي بل وجدت كيانا ممزقا غارقا في العداء المتبادل بين القبائل والسلطة المركزية التي سامتها الخسف والنهب لقرون.
فلم يكن لدى تلك القبائل المضطهدة أي دافع للموت في سبيل بقاء قصر الجنينة أو حماية انكشارية سلبوها رزقها وكرامتها مما سهل الانهيار السريع والدامي للإيالة وتساقط الحواضر كأوراق الخريف في غضون أسابيع قليلة.
تفكيك تاريخ إيالة الجزائر في عهد الدايات يكشف في المحصلة عن منظومة عاشت بحد السيف وماتت به
منظومة أثبتت أن العنف الهيكلي والجور الجبائي والاستبداد الداخلي هي بذور الفناء التي تنمو ببطء في أحشاء الدول لتثمر سقوطا مدويا عندما تحين لحظة المواجهة مع التاريخ.
تعليق على مقال