بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس الإمبراطورية: الوجه الذي محته سرديات الاستعمار

2026-05-28 124 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس الإمبراطورية: الوجه الذي محته سرديات الاستعمار
كانت تونس في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر أشبه بمركب يمخر عباب بحر متلاطم الأمواج
 يحيط به القراصنة من كل جانب وتتربص به أطماع القوى العظمى لكنه كان مركبا يقوده ربان ماهر ورجال خبروا البحر والسياسة فاستطاعوا أن يعبروا به إلى بر الأمان لا بل وأن يفرضوا هيبة هذا المركب وصاريته المرفوعة أمام أعتى سفن الإمبراطوريات. 
في تلك الحقبة المفصلية تداخلت خيوط التاريخ والسياسة لتنسج ملحمة تونسية بامتياز بطلها حمودة باشا ذلك الباي الذي لم يرتض أن يكون مجرد تابع ينفذ أوامر الباب العالي في إسطنبول أو وال يرتجف أمام تهديدات دايات الجزائر.

 ومع حمودة باشا كان هناك رجل يتحرك في الظل يخطط ويدبر بهدوء الواثق وهو الوزير الأول مصطفى خوجة
هذا الشيخ الجورجي الأصل الزيتوني التكوين الذي مزج في شخصيته صرامة الجندي وحكمة الفقيه فكان بحق مهندس هذه الهيبة التونسية والصانع الصامت لسيادتها.

لم يكن صعود تونس كقوة إقليمية ندا للجميع وليد الصدفة بل كان نتيجة رؤية استراتيجية واضحة بدأت بتفكيك قيود التبعية والوصاية التي فرضتها إيالة الجزائر لعقود.
 فمنذ منتصف القرن الثامن عشر تحولت الجزائر المجاورة إلى كابوس يقض مضاجع البلاط التونسي يتدخل في شؤونه الداخلية ويفرض إتاواته ووصايته السياسية والمالية مستغلا النزاعات العائلية الحسينية. 
لكن حمودة باشا وبمجرد جلوسه على العرش أدرك أن السيادة لا توهب بل تنتزع فبدأ ببناء جيش نظامي صلب يرتكز على عسكر زواوا وفرسان المخزن متخلصا من عبء الإنكشارية الأتراك الذين كانوا أشبه بقنبلة موقوتة في قلب الدولة. ولم يطل الانتظار حتى جاءت لحظة الحقيقة في تموز من عام سبعة وثمانمائة وألف، حين التقى الجيش التونسي بقيادة الوزير يوسف صاحب الطابع مع جيش بايلك قسنطينة الجزائري في معركة وادي سراط الشهيرة قرب الكاف. 
هناك وفي ذلك الفضاء الفسيح المحمل بغبار المعارك انكسرت غطرسة الدايات وتبددت جيوشهم أمام صلابة العقيدة العسكرية التونسية وفر من نجا منهم تاركا وراءه أوهام الهيمنة. ولم تقتصر المعركة على البر بل امتدت إلى عرض البحر حيث طارد الأسطول التونسي سفن الجزائر وهزمها في خليج الحمامات وطبرقة وحلق الوادي ليوضع بذلك حد نهائي لوصاية دامت عقودا وترسم الحدود بالدم والنار كعنوان لسيادة لا تقبل القسمة.
هذه الندية التي عمدت في وادي سراط تجلت أيضا في علاقة تونس بالباب العالي. فرغم الروابط الروحية والاسمية التي كانت تجمع الإيالة بالخلافة العثمانية إلا أن تونس في عهد حمودة باشا كانت تتصرف كدولة كاملة السيادة تعلن الحرب وتبرم السلم وتعقد المعاهدات التجارية دون التفات لما يقرره السلطان في إسطنبول.
 ولعل الحادثة التاريخية التي بطلها الوزير يوسف صاحب الطابع تختصر هذا الكبرياء التونسي حين طالبت القوات العثمانية في مضيق البوسفور بتنكيس العلم التونسي ورفع الراية العثمانية فجاءه الرد الحازم الذي صدم رجالات الآستانة: يتنحى رأسي ولا ينزل العلم. 
ولم تقف تونس عند حدود الدفاع عن عاصمتها وحدودها بل مدّت نفوذها إلى الجوار لفرض واقع جيوسياسي جديد فحين تجرأ الوالي العثماني علي برغل على احتلال جزيرة جربة سير إليه حمودة باشا حملة عسكرية ضخمة هزمت قواته وأجبرته على الفرار ونصبت يوسف باشا القرمنلي على عرش طرابلس كحاكم موال للمملكة التونسية لتؤكد تونس ريادتها في شمال إفريقيا بأسرها.
وفي الوقت الذي كانت فيه القوى العالمية الكبرى كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تبسط نفوذها الاستعماري وتفرض شروطها على الممالك والموانئ كانت الدبلوماسية التونسية تجبر هذه الدول على الركوع لبروتوكولاتها الصارمة.
 ولقد كانت العلاقات التونسية الأمريكية في هذه الحقبة نموذجا مدهشا لهذه الندية فبعد أن نالت الولايات المتحدة استقلالها وفقدت حماية الأسطول البريطاني وجدت سفنها التجارية نفسها عاجزة عن الحركة في المتوسط مما اضطرها لتوقيع معاهدة السلم والصداقة مع تونس في عام سبعة وتسعين وسبعمائة وألف ودفع إتاوات سنوية ضخمة للبلاط التونسي لتأمين سلامة بحارتها. 
وحين تجرأ الكومودور الأمريكي جون رودجرز على احتجاز سفن تونسية بدعوى خرق الحصار على طرابلس لم يتردد حمودة باشا في التهديد بإعلان حرب شاملة مؤكدا أنه لن يكون هناك سلام طالما بقي جندي تونسي واحد قادراً على إطلاق النار. 
وأمام هذا الإصرار تراجع الأمريكيون وأرسلوا رسائل الاعتذار واستقبل الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون في البيت الأبيض المبعوث التونسي سيدي سليمان المليملي بل وقام بتغيير موعد العشاء الرسمي ليصبح عند غروب الشمس تماما احتراما لصيام السفير في شهر رمضان في لفتة تاريخية سجلت كأول إفطار رمضاني في تاريخ الرئاسة الأمريكية.

 ولم يكن التعامل مع بريطانيا وفرنسا بأقل حزما فكان التهديد التونسي بقطع التجارة واعتراض السفن كفيلا دوما بإجبار لندن وباريس على التراجع وتقديم التنازلات للحفاظ على مصالحها الاقتصادية ومستعمراتها التجارية.
أما الملحمة الأبرز التي جسدت حرب الذكاء والاستنزاف فكانت المواجهة البحرية الطويلة مع جمهورية البندقية بين عامي أربعة وثمانين واثنين وتسعين وسبعمائة وألف. 
بدأت القصة من حادثة إنسانية وقانونية حين تفشى وباء الطاعون في سفينة بندقية تحمل بضائع لتجار تونسيين فرفض ميناء صفاقس استقبالها لتتوجه السفينة إلى مالطا حيث قامت السلطات هناك بإحراق البضائع كاملة دون أي حماية من البنادقة. 
وانطلاقا من شعور الباي بالمسؤولية تجاه رعاياه طالب البندقية بتعويضات مالية كاملة ومع مماطلة جمهورية القنوات المائية أعلن حمودة باشا الحرب رسميا وطرد الطاقم الدبلوماسي البندقي في أربع وعشرين ساعة. 
سيرت البندقية أسطولا مرعبا بقيادة الأدميرال الشهير أنجلو إيمو الذي قصف الموانئ التونسية بسوسة وصفاقس وبنزرت وحلق الوادي مستخدما مدافع عائمة متطورة.
 لكن التحصينات التونسية الصلبة وصمود القلاع أفشل كل محاولات الاقتحام. 
وحين هدد إيمو بتدمير قلاع حلق الوادي جاءه رد حمودة باشا المليء بالثقة والتهكم: إن الصلح لن يكون إلا بدفع كل خسائر تونس وإذا هدمت حصون حلق الواد ستكون دولة البندقية مجبرة على إعادة بنائها من جديد على نفقتها.
 وبمرور السنوات تحولت الحرب إلى مستنقع مالي وعسكري للبندقية وخاصة بعد الوفاة المفاجئة للأدميرال إيمو لتنتهي المواجهة بنصر تونسي مأثور تمثل في معاهدة صلح عام اثنين وتسعين وسبعمائة وألف أُجبرت فيها البندقية على دفع أربعين ألف محبوب ذهبي كتعويضات وتقديم هدايا ثمينة للباي والوزراء صاغتها يد الوزير مصطفى خوجة الذي كان يدير المفاوضات بذكاء وصبر مناورا بين الحرب والسلم لاستنزاف قدرات العدو.
تأخذنا سيرة هذا الوزير مصطفى خوجة إلى أعماق الدولة التونسية ومؤسساتها فهذا الرجل الذي جاء إلى تونس أسيرا صغيرا من جورجيا منّ الله عليه بنباهة وعقل راجح فتلقى تعليمه في المدرسة الباشية الحنفية المجاورة لجامع الزيتونة وبرع في العلوم والسياسة وحتى في فن تجليد الكتب. 
ولأنه كان يحمل نفسا أبية بعيدا عن المداهنة فقد وثق به علي باي الثاني وعهد إليه بتربية وتعليم ولي عهد الشاب الأمير حمودة باشا.
 نشأ الأمير تحت رعاية معلمه مثقفا منضبطا وعندما تسلم العرش جعل من معلمه وزيرا أولا ومستشارا استراتيجيا وصاهرت العائلة الحسينية هذا الوزير اعترافا بمكانته. 
وضع مصطفى خوجة بروتوكولا دبلوماسيا شديد الصرامة فلا يدخل قنصل أجنبي على الباي إلا بعد أن يمر بمكتب الوزير ويخضع للتدقيق ويتعلم كيف يحترم هيبة الدولة التونسية. ولم تقتصر عبقرية خوجة على السياسة الخارجية بل امتدت إلى الداخل حيث أعاد هيكلة النظام الجبائي والمالي ونظم استخلاص أموال العمالات بانتظام مما حقق فائضا ماليا مستمرا في الخزينة وشجع التصدير الواسع للمنتجات الزراعية والمنسوجات نحو أوروبا ليجعل الميزان التجاري التونسي رابحا على الدوام.
 كما فرضت الدولة احتكارا على صيد المرجان وأجّرته للفرنسيين برسوم باهظة منعت التهريب وترافق ذلك مع بسط الأمن في ربوع البلاد وتأمين الطرق التجارية من الجنوب إلى الشمال مما قطع دابر النهب القبلي وجعل القوافل تسير في أمان كامل تحت ظلال دولة قوية.
حين رحل مصطفى خوجة عن الدنيا في تشرين الأول من عام ثمانمائة وألف ترك وراءه دولة صلبة العود يسلم أمانتها إلى يوسف صاحب الطابع الذي واصل السير على النهج ذاته.

  كان عصر حمودة باشا والوزير خوجة بحق العصر الذهبي للسيادة التونسية والندية الإقليمية، الحقبة التي أثبتت فيها تونس أن المساحة الجغرافية لا تحدد حجم الهيبة وأن عبقرية الإدارة وقوة الجيش الذكي يمكن أن تخلق دولة عظمى في محيطها. لكن هذه الملحمة البديعة حملت في طياتها نهايتها التراجيدية ففي أواخر رمضان من عام أربعة عشر وثمانمائة وألف امتدت يد الغدر والمؤامرة لتسس غداء حمودة باشا في قصر باردو في مؤامرة قادها قائد المملوكين البيض ماريانو ستينكا بالتعاون مع الطبيب مندريتشي ليرحل الباي مسموما وترحل معه تلك الحقبة الذهبية وتدخل البلاد بعدها في أتون صراعات داخلية وديون وضغوط استعمارية مهدت الطريق مع نهاية القرن لظلال الحماية الفرنسية وكأن التاريخ يذكرنا بأن القلاع العظيمة لا تسقط عادة إلا من داخلها.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال