بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الأمراء العراة و مذابح الصليب: التاريخ المسكوت عنه و المؤامرة البابوية و سقوط تونس

2026-05-28 113 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الأمراء العراة و مذابح الصليب: التاريخ المسكوت عنه و المؤامرة البابوية و سقوط تونس
كانت السفن تمخر عباب المتوسط مثقلة بالحديد والبارود والنوايا المغلفة بالصليب بينما كانت شمس إفريقية تسكب تبرها القائظ على رمال حلق الوادي شاهدة على فجر عصر لم تكن فيه تونس مجرد أرض تشتهى للمغنم والتجارة العابرة بل قفلا جغرافيا وروحيا كبيرا يُراد إغلاقه لتبديل ملامح التاريخ الإنساني وجغرافيا العقيدة إلى الأبد.
من يقرأ وثائق تلك الحقبة يدرك أن ما حدث في القرن السادس عشر لم يكن مجرد مناوشات عسكرية بين عروش حفصية متهالكة وقوى عثمانية صاعدة بل كان زلزالا مدمرا صُممت ارتداداته وجزئياته في دهاليز الفاتيكان المظلمة وأروقة قصر سيمانكاس العام لابتلاع الذات الإفريقية بالكامل وإعادة صياغتها روحياً وثقافياً وعمرانياً.

في تلك الأيام كانت الدبلوماسية البابوية تنسج خيوط مؤامرة صامتة تتجاوز حسابات المعارك اليومية الباردة والسيطرة على خطوط الملاحة في غرب البحر الأبيض المتوسط التي كان خير الدين بربروس يقض مضاجع العروش الأوروبية لأجلها.
كانت الرسائل الدبلوماسية المتبادلة بين البلاط البابوي في روما وبلاط الإمبراطورية الرومانية المقدسة تنبض بهوس قديم، هوس يستحضر أشباح الماضي البعيد ويعيد تدوير الأيديولوجيا حيث تظهر مراسلات البابا بولس الثالث والبابا بيوس الرابع والبابا بيوس الخامس تدفقا لأفكار تعتبر تونس في المخيلة الروحية الغربية بوصفها الموطئ التاريخي العريق لأرض القديس أفرام والقديس أغسطينوس المستلبة.

اعتقدت تلك الدوائر الكنسية بقوة أنه حان الوقت لتطهير هذه الأرض مما اعتبرته غلبة إسلامية طارئة وإعادتها حظيرة كاثوليكية تابعة للكرسي الرسولي. ولم تكن تلك الرؤية مجرد حماس ديني عابر أو بروباغندا للمواجهة بل تُرجمت إلى خطة جيودينية ثلاثية الأبعاد تحركت ببطء ودقة لتجعل من الوصاية العسكرية العابرة سيادة عقائدية دائمة وتدويل البلاد بالكامل عبر مشاريع استعمارية كبرى سكتت عنها أدبيات التاريخ التقليدي طويلا.
حين حشد الإمبراطور شارلكان (كارلوس الخامس) حملته الكبرى على تونس عام 1535 لم يكن يملك مجرد جيش من المرتزقة بل تحالفا كاثوليكيا كونيا غاضبا موّله الحبر الأعظم البابا بولس الثالث بدعم مالي وروحي هائل لمواجهة الخطر العثماني. ودعمت هذه الحملة أساطيل جنوة الخاصة المكونة من 19 غاليرة وغليونات حربية ومراكب كارك تحت إمرة الأدميرال الإمبراطوري العام أندريا دوريا الذي تكفل بحماية عمليات الإنزال البحري المشترك.
وانضمت إليها سفن إسبانيا التي بلغت 15 غاليرة و122 سفينة ثقيلة من نوع ناوس وكاراكا لنقل قوات النخبة والمدفعية الثقيلة يقودها ألفارو دي بازان الأكبر.
ولم يتخلف الأسطول البرتغالي الكاثوليكي المتمثل بغليون ساو جواو بابتيستا المعروف ببوتافوغو
و20 كارافيل بقيادة الإنفانتي لويس دي أفيس صهر الإمبراطور لتقديم الإسناد الناري الكثيف وقصف أسوار حصن حلق الوادي.
وشارك فرسان القديس يوحنا الذين غادروا مالطا بـ 4 غاليرات والبارجة الضخمة المقاومة للحريق سانتا آنا بقيادة أوريليو بوتيجيلا لتولي عمليات الاقتحام البحري الصادمة.

وتحركت في المعركة 12 غاليرة بابوية رسولية مجهزة بالكامل يقودها الكوندوتييرو البابوي فيرجينيو أورسيني لتوفير الشرعية الروحية باعتبارها حربا صليبية حديثة.

يضاف إلى ذلك 10 غاليرات صقلية و6 نابولية و60 سفينة نقل هولندية تابعة للممالك الخاضعة للتاج بقيادة بيرينغير دي ريكيسينس وغارسيا دي توليدو لتأمين العتاد اللوجستي والأغذية وقوات الدعم من المرتزقة الألمان.
وقاد هذه القوات برّا ألفونسو دي أفالوس ماركيز ديل فاستو لمحاصرة القلاع واقتحام المدن وتصفية الجيوب الدفاعية لبربروسا.
كانت القوة العسكرية والعتاد الذي زحف نحو حلق الوادي مرعباً بكل المقاييس وموثقا في السجلات العسكرية
إذ تراوحت القوات بين 27,000 إلى 60,000 مقاتل من المشاة والفرسان (بمن فيهم الإسبان والألمان والإيطاليون)
محمولين على متن ما يقرب من 400 سفينة حربية.

هبط هؤلاء على السواحل التونسية ليرتكبوا مجزرة مروعة استباحت تونس العاصمة وعاثت فيها دمارا مما أسفر عن مقتل ما يربو على 30,000 مدني مسلم عزل وسيق
10,000 آخرين إلى أسواق العبودية والاسترقاق الكولونيالي.
وفي المقابل جرى تحرير نحو 20,000 أسير مسيحي في مشهد احتفالي صاخب تفاخرت به بروباغندا روما ومدريد معتبرة شارلكان نصيرا تاريخيا يُعادل مآثر القائد الروحي والعسكري الروماني القديم سكيبيو الإفريقي.
تؤكد هذه الهيكلية التنظيمية أن البعد العقائدي كان المحرك الفعلي للتحالف فلم تكن القوى المشاركة تطلب مغنما تجاريا عابرا بل كانت تؤسس لحضور جيوسياسي دائم تحت مظلة الكنيسة وهو ما تم تأطيره لاحقا عبر شروط إذعان قاسية فُرضت على السلطان الحفصي مولاي الحسن كشرط لإعادته إلى عرشه كحاكم تابع وذليل للتاج الإسباني.

ورغم فظاعة المجزرة المادية فإن الخطر الأعمق كان يزحف وراء المدافع والأسوار متمثلا في المسار الأول للمخطط الكولونيالي البابوي(مشروع النيابة الرسولية والتغلغل الإرسالي السري ومحاولة خلق أقليات موالية).
تمثل هذا البعد في تأسيس فضاءات كنسية دائمة في حصن حلق الوادي وتونس العاصمة وإقليم الساحل مستغلا في ذلك مظلة الحماية العسكرية الإسبانية وحالة الفقر والإنهاك الاقتصادي والاجتماعي الشديد التي خلفها انهيار البنية الإدارية للدولة الحفصية.
كان الرهبان والرجال الدينيون والمبشرون المرافقون لشارلكان يتحركون كالظل بين الأنقاض ولم يكن حضورهم مقتصرا على تقديم الطقوس الدينية للجنود الكاثوليك بل كانوا بمثابة طلائع استخباراتية وإرسالية مكلفة بمسح التركيبة القبلية والاجتماعية لإفريقية.
وبحثت هذه البعثات بعناية فائقة عن إمكانية عقد تحالفات نفعية مع مشايخ القبائل المحلية والزعامات الهامشية عبر استمالتهم بالدعم العسكري والامتيازات الاقتصادية لضرب خصومهم الداخليين ومنع أي وحدة وطنية حقيقية.
وعلى الرغم من أن التأسيس الإداري الرسمي للنيابة الرسولية في تونس بموجب المراسيم البابوية تأخر تاريخيا حتى النصف الأول من القرن النصف التاسع عشر إلا أن المسح الوثائقي يثبت أن روما كانت ترسل بعثات تبشيرية متتالية منذ منتصف القرن السادس عشر تحت مسميات الوكلاء أو الآباء المرسلين الذين اتخذوا من كنيسة القديس أوغسطينوس والقديس فيديل في حلق الوادي وغيرها من النقاط الساحلية مراكز لتجميع المعلومات والاتصال بالداخل الإفريقي.
وشكلت هذه البعثات بؤرا مبكرة للتغلغل الديني مستندة إلى الامتيازات الكنسية الممنوحة في اتفاقيات الاستسلام الحفصية وممهدة الطريق لظهور الهياكل الإرسالية المنظمة لرهبان الطائفة الكبوشية الفرنسيسكانية لاحقا في القرن السابع عشر حيث تولى الأب أنجيلو دا كونيليوني منصب أول وكيل رسولي معتمد رسمياً لإدارة هذه البعثات لإحداث اختراق ثقافي طويل الأمد.
وفي الوقت ذاته كان المسار الثاني يشتغل على تحويل الوصاية العسكرية إلى سيادة دينية وتدجين النخب الحفصية وسلبها كرامتها من خلال بنود دبلوماسية قاسية فُرِضت في اتفاقية عام 1535.
تبرز في مراسلات الأرشيف السري للفاتيكان وثائق تظهر تباينا حادا وتململا بابويا مستمرا من البراغماتية العسكرية التي انتهجها الإمبراطور شارلكان وخلفاؤه.
فبينما كان التفكير الاستراتيجي لشارلكان يعتبر الإبقاء على السلطان الحفصي مولاي الحسن (ومن بعده ابنه أحمد) كأدوات سياسية محلية كافية لتأمين المصالح الإمبراطورية طالما يلتزمون بدفع الجزية السنوية والامتثال للشروط العسكرية كانت الرسائل البابوية تضغط باتجاه خطوة أبعد وأكثر راديكالية ( إجبار البلاط الحفصي على تقديم تنازلات ترابية أوسع لإنشاء أديرة كاثوليكية كبرى والتمهيد لتنصير نخب البلاط أو على الأقل جعل التربية والتعليم داخل قصر السلطان تحت إشراف رهباني مباشر لتنشئة جيل من الحكام مسلوبي الولاء لأوطانهم).
كان هذا الأسلوب يمثل ركيزة جوهرية في الاستراتيجية البابوية لإعادة صياغة هوية المجتمعات من قمتها السلالية وهو الأسلوب نفسه الذي طبقه الفاتيكان في الفضاءات الكولونيالية المكتشفة حديثا في العالم الجديد لإخضاع الكيانات السياسية المحلية عبر بوابة العقيدة الروحية.

وقد تضمنت اتفاقية 1535 شروط إذعان قاسية حيث شملت بند حرية العبادة والمنشآت الكنسية الذي رخّص ببناء الكنائس والمدارس لممارسة الطقوس الكاثوليكية علنا دون أي تضييق بهدف تأسيس موطئ قدم دائم للمؤسسات الدينية لتسهيل عملية التغلغل والتبشير التدريجي.
كما شملت بند تسليم القلاع الساحلية السيادية والتنازل الإجباري للتاج الإسباني عن حلق الوادي مع ميلين حولها وبونة وبنزرت لقطع صلة تونس بظهيرها البحري وتأمين قواعد إسناد عسكرية ومستودعات إمداد للجنود والرهبان.

وفرضت بند حظر اللجوء الأندلسي الذي منع استقبال أو إيواء المورسكيين المطرودين من غرناطة وفالنسيا داخل الأراضي الحفصية لتجريد تونس من الكفاءات العسكرية والعلمية الأندلسية ذات النزعة المعادية للإسبان.
واشترطت بند تحرير الأسرى وتصفية القرصنة عبر إطلاق سراح كافة الأسرى المسيحيين دون فدية وحظر التعرض للسفن الكاثوليكية لضرب الاقتصاد القائم على الجهاد البحري وتأمين حركة التجارة الإمبراطورية.
وأخيرا بند الجزية السنوية والتبعية الرمزية بدفع 12,000 دوقية ذهبية لحماية القلعة وتقديم 6 خيول بربرية و12 صقرا في عيد القديس يعقوب الموافق للخامس والعشرين من يوليو من كل عام لإخضاع السلطة المحلية الحفصية لنظام إقطاعي رمزي يؤكد خضوعها التام للسيادة المسيحية.

ولم تتوقف هذه الضغوط الممنهجة عند طروحات نظرية أو معاهدات ورقية بل أثمرت فعليا عن رعاية حركة تنصير واسعة النطاق لتدجين النخب السلالية شملت أمراء فاريّن أو منفيين من سلالات حكمت شمال إفريقيا ولجأت إلى المعسكر الكاثوليكي.
وجرى تعميد هؤلاء الأمراء في حفلات دينية وثقافية مهيبة بالمدن الإسبانية الكبرى برعاية الملوك والأمراء الإسبان ليتم دمجهم في النسيج الكاثوليكي الحاكم ومنحهم ألقاب النبالة وسلك الفرسان العسكري مما أدى إلى تجريدهم من هويتهم الإسلامية وسلبهم أي قدرة على قيادة حركات مقاومة شرعية في أوطانهم.
ويبرز في هذا السياق اسم الأمير السعدي المنفي الذي لجأ إلى الحصون الإسبانية وكان يُعرف قبل تعميده باسم مولاي الشيخ وبعد نيله المعمودية المسيحية اعتُمد له الاسم الجديد دون فيليبي دي أفريكا والمعروف في الأوساط التاريخية
بالأمير الأسود. وقد عُمّد هذا الأمير في معبد ديسكالساز رياليس الشهير برعاية الإنفانتي فيليب ومُنح لقب غراندي الرفيع وعُيّن كوندورا لبيدمار وألبانشيز في سلك سانتياغو العسكري.
وكان الهدف الجيوسياسي الموكل له من التاج الإسباني هو استغلال شرعيته السلالية كورقة ضغط سياسي مستمر ضد المغرب وإظهار تفوق الكاثوليكية الروحي وقدرتها على استيعاب الملوك.
ومثله كان حال الأمير السلالي الحفصي الذي فر إلى وهران ثم نُقل إلى عمق إسبانيا وكان يُعرف قبل تعميده بلقبه ونسبه الأصلي كأمير حفصي وبعد نيله المعمودية اعتُمد له الاسم المسيحي الجديد دون كارلوس دي أفريكا وخُصِّص له راتب شهري قدره 100 إسكودو من البلاط الإمبراطوري
وعُيّن برتبة كابتن لسرية مشاة عسكرية مكونة من 90 جنديا وتزوج في إيليسكاس ليذوب تماما في المجتمع الجديد.
وتجلت الوظيفة الجيوسياسية الموكلة له في استيعاب وتدجين قيادات السلالات المغاربية الفارة وتوظيفهم عسكريا لخدمة مصالح الهابسبورغ عند الحاجة.
تظهر هذه المسارات الفردية للأمراء المنصرين كيف تحول تدجين النخب السلالية وبناء هوياتهم الجديدة بعد المعمودية إلى أداة لإنهاء إمكانية التعبئة السياسية المحلية تحت راية دينية تقليدية مما أحدث فراغا كبيرا في القيادة الوطنية عوّضته لاحقا القيادات الصوفية الشعبية في ربوع البلاد.

أما المسار الثالث فقد كان الأكثر دموية وجرأة على المستوى الديموغرافي والجغرافي وتمثل في مقترحات تدويل إدارة السواحل التونسية وإسناد حكم حصونها بالكامل لفرسان القديس يوحنا (فرسان مالطا) وهي من أخطر المخططات الجيوسياسية التي جرت مناقشتها في غرف روما ومدريد المغلقة.
كان التصور الجيوديني البابوي يطمح إلى إخراج تونس بالكامل من دائرة السيادة المحلية المستقلة وتحويل ساحلها الممتد إلى قاعدة عسكرية دينية دائمة ومأهولة بمقاتلين أوروبيين يعيشون بصفة مستمرة كخط دفاع أمامي شرس في وجه العالم الإسلامي.
تميز فرسان القديس يوحنا بتنظيمهم العسكري الصارم وعقيدتهم القتالية القائمة على عداء الدولة العثمانية وقمع الجهاد البحري في المتوسط.
ومنذ أن منحهم شارلكان سيادة أرخبيل مالطا عام 1530 في مقابل الالتزام بتقديم صقر مالطي سنوي كرمز للتبعية الإقطاعية سعت البابوية إلى استنساخ هذا النموذج الإقطاعي العسكري في تونس.
لو قُدِّر لهذا المشروع التوطيني النجاح لكان قد أحدث تغييرا ديموغرافيا وهوياتيا شاملا وجذريا في التركيبة السكانية للسواحل التونسية عبر توطين دائم لآلاف المقاتلين الكاثوليك وعائلاتهم وبناء مدن كولونيالية محصنة تعزل الداخل التونسي المسلم عن اتصالاته البحرية وتقضي على أي بارقة أمل لاستعادة سيادة وطنية مستقلة.
وتجلت هذه المحاولات التوطينية لاحقا في بناء قلاع حديثة وجيوب كولونيالية محصنة مثل القلعة الجديدة أو العرش الجديد (Arx Nova) في تونس التي أشرف على بنائها المهندسون العسكريون الهابسبورغيون مثل غابريو سيربيلوني.
وظلت هذه القلاع معزولة ديموغرافيا وعمرانيا كجزر مسيحية مسلحة في بيئة معادية تعتمد بالكامل على الإمدادات الغذائية واللوجستية القادمة من صقلية وإسبانيا حتى حسم العثمانيون الصراع نهائيا في حصار عام 1574 وقضوا على الحلم الإسباني بإقامة هذه الإمارة الصليبية الدائمة.
وقد وثّق الشاعر والكاتب الإسباني ألونسو دي سالامانكا وهو شاهد عيان عاصر السقوط المدوي لحلق الوادي وتونس عام 1574 تفاصيل هذه النهاية العسكرية المأساوية للوجود الهابسبورغي في مخطوطاته الشعرية والتاريخية المودعة في أرشيف الفاتيكان مسجلا مصير آلاف الأسرى والمنفيين الذين جرى تشتيتهم في أرجاء العالم المتوسطي بعد انكسار المخطط.
لكن المأساة لم تكن لتمر دون رد يفجر وعي الأرض
إذ يكتسب الكشف عن تفاصيل هذه المراسلات الأرشيفية والمخططات الثلاثية أهمية استثنائية لكونه يمثل حلقة الوصل المفقودة التي تفسر الشراسة غير المسبوقة والاستبسال الأسطوري للمقاومة التونسية المحلية وعلى رأسها الحركة الصوفية الشابية في القيروان.
لم يكن الشعب التونسي في بواديه وسهوبه وحواضره يقاتل مجرد سلطان حفصي فقد أهليته السياسية بالتحالف مع الغزاة أو جيشا أجنبيا عابرا يطلب فيدا مؤقتا بل كان يدافع بغريزته الحضارية وهويته التاريخية ضد مخطط استراتيجي تدميري يستهدف اقتلاع كينونته الروحية والدينية من جذورها.
تأسست الطريقة الشابية على يد القطب الصوفي الشيخ أحمد بن مخلوف الشابي الهذلي (1431-1492م) كطريقة شاذلية نهلت من المعارف الصوفية الأندلسية وجمعت بين التوجه الروحي الباطني والالتزام بالشريعة الظاهرية.
وقد تحولت هذه الحركة الصوفية في منتصف القرن السادس عشر بقيادة ولده الأمير والفقيه والقائد العسكري عرفة بن أحمد الشابي (1473-1542م) إلى كيان سياسي وعسكري مستقل أعلن القيروان إمارة مستقلة ورفض السيادة الحفصية والاحتلال الإسباني والتدخل العثماني المبكر على حد سواء.
استطاع الأمير عرفة الشابي بفضل تأثيره الروحي الطاغي وورعه الفقهي إلغاء الفواصل التقليدية والاحتراب المزمن بين البدو الرحل وسكان المدن المستقرة جامعا كلمة أكثر من خمسة وثلاثين قبيلة وتأسيس جيش شعبي عقائدي أقسم مريدوه (الذين تجاوز عددهم 124,000 مبايع) على طرد الغزاة وحماية ثغور الوطن.
وقام الأمير بتنظيم الموارد المالية لإمارته الناشئة عبر تحويل الزكاة الشرعية إلى ضريبة ثابتة بموجب قانون عرفي صارم ووظف هذا الثراء الطائل في تمويل المجهود الحربي وبناء التحصينات وتقديم الرعاية الاجتماعية للفقراء المتضررين من ويلات الغزو.
وتبرز محطات هذه الدولة الشابية المستقلة التي تأسست عام 1535م في القيروان ووسط تونس بقوة حيث قاد الإمام عرفة الشابي وأتباعه المواجهة ضد السلطان الحفصي الموالي لإسبانيا، معلنين القيروان عاصمة مستقلة ورافضين معاهدات إذعان الحسن الحفصي مع شارلكان.
وجاءت معركة باطن القرن الكبرى في سبتمبر 1535م (صفر 942هـ) بباطن القرن بالقيروان كعلامة فارقة، حيث واجه جيش الطريقة الشابية كتائب السلطان مولاي الحسن الحفصي وأسفرت عن هزيمة ساحقة ومباغتة ليلا لقوات مولاي الحسن والاستيلاء على معسكره وأمواله وإجباره على التراجع السريع. ثم تلتها معركة الساحل الحاسمة في 18 نوفمبر 1540م في ضواحي سوسة والقيروان بين قوات الشابية والتحالف الحفصي والكتائب الإسبانية المرافقة وحققت الشابية انتصارا كاسحا بعد انقلاب الأعراب الموالين للحفصي وانضمامهم لعرفة مما أجبر الحلفاء على الفرار مذعورين إلى سوسة.
واستمر الكيان يقاوم منذ وفاة الأمير عرفة عام 1542م حتى سقوط الكيان عام 1577م حيث واجه آل الشابي وأمراء القيروان التمدد العسكري والإداري العثماني والإسباني وانتهت بوفاة الأمير محمد الزفزاف بن عرفة في المكناسي ليتم دمج تونس بالكامل كإيالة تابعة للدولة العثمانية.

تبرز معارك الشابية كعلامات فارقة تؤكد أن الهوية الروحية والدينية كانت الوقود الفعلي للتعبئة الشعبية فقد تحركت الجماهير بحماسة مطلقة واجهت بها ترسانة الأسلحة الحديثة للإمبراطورية الإسبانية معتبرة الدفاع عن الأرض واجباً مقدسا لا يقبل المساومة.
وتثبت المراسلات الأرشيفية السرية المتبادلة بين الفاتيكان والإمبراطورية المقدسة أن الصراع حول تونس في القرن السادس عشر لم يكن مجرد جولة في إطار الحروب الهابسبورغية.العثمانية التقليدية بل كان صراعا حضاريا شاملاً تداخلت فيه الجغرافيا الروحية مع الأطماع الجيوسياسية.
إن تفكيك مسارات النيابة الرسولية والتحول نحو السيادة الدينية ومشاريع تدويل السواحل عبر فرسان مالطا يعيد تسليط الضوء على الأبعاد العميقة والمغيبة للمقاومة الشعبية التونسية.
حماية الهوية الوطنية والسيادة المستقلة تتبدى من خلال هذا التحليل التاريخي كدرع وجودي يحمي كيان الأمة من الفناء والاندثار فالأمم لا تفقد سيادتها بسقوط حصونها العسكرية فحسب بل عندما تسمح للمخططات الخارجية باختراق نسيجها الحضاري والروحي وتدجين نخبها الحاكمة وتغيير أسمائها.
وتبقى تجربة المقاومة الشابية صياغة مبكرة ومبدعة لقدرة المجتمعات على استلهام مقوماتها الثقافية والروحية لإنتاج وعي سياسي مستقل قادر على دحر أقوى المشاريع الكولونيالية صرامة وتنظيماً وحفظ جوهر الأمة حياً عابراً للقرون.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال