في يونيو من عام 1535م لم تكن الحاضرة التونسية مجرد رقعة جغرافية تسقط تحت سنابك خيل جيوش شارل الخامس بل كانت ذروة مأساة سياسية وأخلاقية كاملة الأركان.
لم يكن المشهد غريباً على من يقرأ تحولات التاريخ واستدارة الزمان. سلطان حفصي هو مولاي الحسن يستدير بظهره لعمق أمته ويرتمي في أحضان الغزاة ظانا أن العروش تُصنع في القصور المحمية ومراكز القيادة الإسبانية في حلق الوادي أو أنها تثبت بمداد الاتفاقيات المخزية.
لكن التاريخ كما علمنا دائما لا يرحم الضعفاء ولا يغفر للخونة إذ سرعان ما تحولت تلك المغامرة السلطوية إلى زلزال جيوسياسي اقتلع المجتمع التونسي من جذوره لتتحول المدينة العتيقة ببيوتها ومساجدها ومدارسها إلى مستباحة للمرتزقة من جنود إسبان وفلمنكيين الذين أطلقوا يد التدمير والنهب الممنهج فيما عُرف لاحقاً بظاهرة الغنيمة التونسية.
وسط هذا الحطام الإنساني الشامل والمشهد الغارق في رماد المحرقة تنبت سيرة القاضي والفقيه أبي الفضل محمد بن القاضي أبي القاسم العظّوم سليل الأسرة القيروانية العريقة لتقدم للمستقبل درسا في المقاومة المعرفية.
لم تكن نكبة العظوم في دماء أقاربه وعشيرته التي سالت على عتبات البيوت ولا في نسائه اللواتي سيقن إلى زنازين الأسر وأسواق النخاسة الأوروبية فحسب بل كانت الطعنة القاتلة لروحه وعقله هي تلك المحرقة التي التهمت مكتبته الشخصية الفاخرة.
هذه المكتبة التي مثلت وعاء معرفيا نادراً يربط القيروان بحاضرة تونس، تم تمزيق أغلفتها الجلدية ونثر ورقها المكتوب بالخط المغربي والأندلسي البديع في أوحال الأزقة العتيقة لتباع كخردة وقود أو سلع رخيصة.
هنا يولد الفداء، خرج الشيخ العظوم من المحرقة مثخنا بجراحه لكن هوسه لم يكن بالقصور والجاه بل كان بتلك الصفحات الممزقة والمبعثرة التي رأى فيها عقل الأمة وروحها النابضة. طاف الشيخ كالمجنون في أسواق تونس المحترقة وتسلل بجرأة بالغة إلى داخل حامية حلق الوادي
يتتبع المخطوطات والنفائس العربية التي يعرضها الجنود الفظاظ بأسعار بخسة لإنفاقها في الخمارات.
جرد الشيخ ما بقي من مدخراته وباع حلي النساء الناجيات وبدأ يشتري كتبه مجلدا مجلدا وصحيفة صحيفة وفي ركن من دار مهدومة أو مسجد مخرب كان يمسك بقلمه الحزين ويسكب حبر قلبه بمرارة وحرقة على طرة الكتاب موثقا بالاسم والصفة تاريخ السطو وتفاصيل اليوم الأسود ومقدار المال الذي فدى به الكتاب ليكون الشاهد التاريخي على الجريمة قبل أن يجف الدم.
يتجسد هذا التوثيق التاريخي الصارخ في قلب المخطوطات المهاجرة التي استقرت في أوروبا ومن أبرزها ما يرقد اليوم في مكتبة ولاية بافاريا بمدينة ميونيخ الألمانية تحت الرمز الكوديكولوجي كودكس أرابيكوس 367.
هذا المخطوط الذي يدرج في السجلات الرسمية الأكاديمية تحت مسمى المواب السنية في شرح الأشنهية يحمل في طياته شهادة التملك والاسترداد التاريخية المرتبطة بمؤلفات فقه النوازل الكبرى في المغرب الإسلامي وعلى رأسها الجامع الوجيز للإمام أبي القاسم أحمد بن محمد البرزلي.
وعلى صفحات غلاف هذا المخطوط المهاجر تظهر خطوط الشيخ العظوم واضحة نابضة بالوجع التاريخي لتوثق بخطه القيرواني الدقيق ملكيته لهذا السفر الشريف شارحا كيف نهب منه غصبا في الواقعة العظمى والمصيبة الكبرى التي حلت بحاضرة تونس في يوم عيد الأضحى المبارك من عام 941 للهجرة على يد النصارى الإسبان وكيف يسر الله له بعد ذلك تتبعه وافتدائه بالمال من أيدي الغاصبين.
تكشف هذه المفارقة الحادة عن عورات الممارسة السياسية عندما تنفصل عن السيادة الشعبية والوعي القومي.
فبينما كان السلطان الساقط مولاي الحسن مشغولا بتثبيت تاجه الهش على جماجم رعاياه وبدعم عسكري مباشر من مدافع شارل الخامس كان المواطن العادي والفقيه الأعزل
أبو الفضل العظوم يخاطر بحياته وسط جنود الغزو لفداء كتاب فقه ونوازل.
انطلق العظوم من وعي عميق مفاده أن سلطة السلاح والاحتلال الخارجي زائلة لا محالة مهما طال ليلها وأن العروش المستندة إلى حماية أجنبية تسقط في مزابل التاريخ لكن الكلمة المكتوبة والوعي الفقهي والتشريعي هما الضمانة الحقيقية لحفظ جدار الهوية التونسية من التفتت والذوبان. وهذا ما حدث تاريخيا إذ سقط النفوذ الإسباني ومات مولاي الحسن طريدا أعمى بعد سمل عينيه وبقيت سطور العظوم وحواشيه في كودكسات ميونيخ وغيرها شاهدة على أن المعرفة هي السلاح السري والوحيد الذي لا يموت.
يتجلى هذا التضاد بوضوح عند تتبع حركة النهب والشتات المنظم الذي طال أنفس الذخائر الحفصية والتونسية
ففي الوقت الذي كان فيه المسار السلطوي يتهاوى مستقويا بالتدخل الأجنبي ومضحيا بالسيادة الوطنية كان المسار الفكري والشعبي يخوض مقاومة عزلاء لحفظ الذاكرة الجماعية للأمة من الفناء وسط الأسواق المحترقة وثكنات الجنود.
ولم يكن كودكس أرابيكوس 367 إلا أول الغيث في رحلة الشتات إذ تلاه مصحف السلطان الحفصي أبي عمرو عثمان الذي كان موقوفا على ضريح الأمير عبد الله المسعود لينتهي به المطاف في مكتبة فاديانا بسانت غال السويسرية بعد أن حازه البارون الألماني يوهان ماركوارت كونيغسيغ.
وكذلك كان مصير مصحف السلطان المريني أبي يعقوب يوسف الموقوف بمسجد الزيتونة الأعظم وكودكس أندلسي إشبيلي نقل تاريخيا إلى تونس حماية له من سقوط حواضر الأندلس حيث تلاشت هذه الذخائر كلها في غياهب مجموعات المستشرق الألماني يوهان ألبرشت ويدمانستيتر لتستقر في مكتبة ولاية بافاريا بميونيخ.
هذه الغنيمة التونسية لم تكن مجرد سلب مادي بل كانت حجر الأساس الذي نهضت عليه بنيوية الاستشراق الأوروبي والوعي المعرفي الحديث في مطلع العصر الحديث.
تزامنت واقعة النهب الكبرى مع تصاعد الفضول المعرفي والإنساني في عصر النهضة الأوروبية لفهم الشرق ومصادره التشريعية والدينية. ونظرا لصعوبة وصول الباحثين والعلماء الأوروبيين في تلك الحقبة إلى أسواق الكتب نتيجة لتوتر العلاقات السياسية فقد مثلت هذه الذخيرة الحفصية المنهوبة تدفقا مفاجئا وغزيرا لمادة علمية من الطراز الأول تلقفها مستشرقون أوائل وشحنت عبر سفن الأسطول الإمبراطوري لتشكل النواة الصلبة التي تأسست عليها المجموعات الشرقية في كبريات المكتبات الوطنية الأوروبية. ومن خلال هذه المخطوطات والمصاحف المذهبة وكتب الفقه المالكي، تمكن جيل المستشرقين الأول من صياغة معاجمهم الأولى وتطوير مناهج تحقيق النصوص لتبنى البنية التحتية للاستشراق الأوروبي في جزء كبير منها على أنقاض المكتبات التونسية المنهوبة ومآسي علمائها.
إن الحواشي التي سكب فيها الشيخ العظوم مداد قلبه على طرة مخطوطاته المستردة تمثل وثيقة نضال فكري تتجاوز قيمتها التوثيقية البسيطة لتجسد مفهوم الوعي المخطوطاتي المقاوم.
لم تكن الكتابة على الهوامش مجرد تسجيل للملكية الشخصية بل كانت عملية إعادة تملك رمزية في وجه آلة الحرب الإمبراطورية التي سعت لنزع الطابع الثقافي والروحي للحاضرة. وتكشف هذه الحواشي عن أبعاد ثلاثة أولها توثيق الجريمة والانتهاك الحضاري عبر تحديد الفاعل التاريخي بدقة وتحديد زمان ومكان الواقعة بالتفصيل الدقيق وثانيها تأكيد الهوية الشرعية والحقوقية للكتب من خلال إبراز آليات الاسترداد القانوني والمالي مما ينزع الشرعية الأخلاقية عن حيازة الغزاة وثانيها تحويل الكتاب إلى كائن حي ذي سيرة موازية فلم يعد المخطوط مجرد نص جامد يبحث في فروع الفقه والمسائل والنوازل بل أضحى كائناً تاريخيا يحمل ندوب الواقعة ومهاجرا قسريا يشهد بنقوشه وحواشيه على عظمة مقاومة مجتمعه ومرارة الكارثة التي عصفت به.
هذا الإصرار على تدوين المحنة يبرهن على أن الشيخ العظوم وأقرانه من فقهاء الزيتونة كانوا يدركون تمام الإدراك أن السيادة المفقودة عسكريا وسياسيا يمكن حمايتها وإعادة بنائها معرفيا وروقيا طالما بقيت الكلمات ناطقة وحية وشاهدة على الحقيقة العارية بلا تزييف.
تعليق على مقال